ثقافة

أدب العودة إلى الله – الذل والانكسار

للعودة إلى الله تعالى أسرار وأُصول ومنهج، فمن أحسن استخدام تلك الأصول وذلك المنهج، يسّر الله تعالى له أسباب العودة، ومن لم يحسن ذلك يبوء الخسران.

ومن أسرار العودة ومناهجها حالة الذل والإنكسار بين يدي الله تعالى، ولن يكون العبد أقرب إلى الله في حال، ولا أسرع إليه من حالة الذل والانكسار.

فإن الطريق إلى الله من «خلال النفس» وليس من «خارج النفس». وداخل النفس الإنسانية طرق كثيرة للعودة إلى الله، ومن أرحب هذه الطرق وأوسعها وأسرعها طريق (الذُّل والإنكسار) بين يدي الله تعالى. وأقرب الدعوات إلى الإِستجابة دعوة الذليل المنكسر بين يدي الله.

وأما من يريد العودة إلى الله على طريق الإعتداد بالنفس والشّموخ بين يدي الله، فقد يصل إلى أيّ شيء آخر، إلا أنه لن يصل إلى الله تعالى.

فإن أبواب رحمة الله مفتوحة على الناس، وهي تفيض عليهم فيضاً من غير توقف ولا حساب، وليس فيها شحّ ولا بخل، ولكن القلوب تنغلق على رحمة الله وفضله، فإذا انغلقت القلوب فلا تنفعها هذه الرحمة النازلة الّتي تصب من عند الله على عباده صبَّاً.

فإذا فتح الإنسان قلبه على الله نزلت عليه هذه الرحمة من دون حساب.

وليس شيء يفتح مغاليق قلوب الناس على رحمة الله تعالى أفضل من حالة الذل والإنكسار. فإن الإنسان إذا ذلّ بين يدي الله، وانكسر لم يبقَ باب مُوصَد على الله في قلبه إلاّ انفتح.

وفي منهج الأدعية المأثورة عن أهل البيت^ تأكيد على هذا النحو من التذلل والإنكسار، بين يدي الله، في «رحلة العودة إلى الله».

ونماذج ذلك كثيرة، ونصوص الأدعية المأثورة عن أهل البيت غنية بهذه الحالة، وفيما يلي نذكر نموذجاً من الدعاء الَّذي علّمه الإمام الصّادق (ع) لأم داود، وهو وارد في أعمال شهر رجب. وإليك هذا المشهد الرائع من مشاهد الإنكسار والتذلل بين يدي الله تعالى في رحلة العودة:

«وارحم ذلّي وفاقَتي، وفَقري، وَانفِرادي، وَوَحدتي، وخضوعي بينَ يديكَ واعتمادي عليكَ، وتضرُّعي إليكَ، ادعوكُ دعاءَ الخاضِعِ الذَّليل، الخاشِعِ، الخائفِ، المشفِقِ، البائِس، المهين، الحقيرِ، الجائع، الفقير، العائذ، المستجير، المقر بذنبه، المستغفر منهُ، المستكين لربهِ، دعاءَ من اسلمَتْهُ ثقتهُ، ورفضتهُ أحِبَّته، وعظُمَت فجيعتُهُ، دعاءَ حرِق حزين، ضعيف، مهين، بائس، مستكين بكَ، مستجير».

وهذه المفردات الواردة في هذه الفقرة من الدعاء تجسِّد حالة إِنكسار العبد بين يدي الله. الذل، والفاقة، والفقر، والانفراد، والوحدة، والخضوع، والاعتماد على الله، والتضرُّع إليه، والخشوع، والخوف، والإشفاق، والهوان، والحقارة، والجوع، والاستعاذة، والإستجارة بالله، والإقرار والإعتراف بالذنب لله، والحزن، والفجيعة والبؤس، والإستكانة.

هذه بعض عناصر هذا المشهد الفريد الَّذي يجسد عبودية الإنسان وذله وهوانه بين يدي الله تعالى.

أقرأ ايضاً:

تحميل الفيديو
الشيخ محمد مهدي الآصفي
المصدر
كتاب في رحاب القرآن - الهجرة والولاء

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى