ثقافة

أدب العودة إلى الله – الاسترحام

وليس في رحمة الله تعالى شح وبخل. وإنما هي تفيض من لدن الله تعالى فيضاً متصلا لا ينقطع، غير أن لرحمة الله تعالى منازل، فإذا وضع الإنسان نفسه فيها أصابته الرحمة، وإذا ابتعد الإنسان عنها لم تصبه الرحمة.

فالشأن كله ليس في نزول الرحمة، فإنَّها نازلة من عند الله بصورة متصلة لا تنقطع من غير شح ولا بخل، وإنما الشأن في منازلها. فإذا عرف الإنسان هذه المنازل، ووضع نفسه فيها لا تُخْطِؤه الرَّحمة.

ومن أهم منازل رحمة الله أن يعي العبد فقره إلى الله، وبؤسه وشقاءه وعجزه وضعفه، وغربته، وكربه، ووحشته وإنفراده.

فإذا وعى الإنسان هذه الحقيقة وعياً بيّنا وضع نفسه في منازل رحمة الله. وبقدر ما يزداد وعيه ببؤسه، وشقائه، وفقره، وضعفه، وكربته يزيد حظه من رحمة الله تعالى.

وكل الناس إلى الله تعالى فقراء، والله تعالى وحده هو الغني الحميد، إلاّ إنّ الناس يختلفون، بعضهم عن بعض، في مراتب وعيهم لفقرهم، وبؤسهم، وحاجتهم إلى الله.

فمن كان وعيه لفقره وحاجته إلى الله تعالى أبلغ كان حظه من رحمة الله تعالى أعظم.

وهذه معادلة ثابتة في علاقة الإنسان بالله تعالى، وهي من أسرار هذا الدين، ومن يدرك هذه الحقيقة يدرك خيراً كثيراً في علاقته بالله تعالى. ولذلك نجد أن نصوص الأدعية المأثورة عن أهل البيت تؤكد لدى العبد حالة الإحساس والوعي بفقره وحاجته إلى الله في الدنيا، وبؤسه وكربته ووحشته ووحدته ساعة الموت وبعد الموت.

ووعي هذه الحاجة والبؤس من أعظم منازل رحمة الله تعالى.

تأملوا في هذه الفقرة من دعاء الأسحار للإمام علي بن الحسين زين العابدين (ع):

«وارحمْ في هذه الدنيا غُربتي، وعندَ الموتِ كُربَتي، وفي القبرِ وحدَتي، وفي اللَّحدِ وحشتي، وإذا نشرتُ للحساب بين يديكَ ذُلَّ موقفي. واغفر لي ما خَفِيَ على الآدميّين من عملي، وأَدِمْ لي ما به ستَرتَني، وارحمني صريعاً على الفراشِ تُقَلِّبُني أيدي أحِبَّتي، وتفضَّل عليّ ممدوداً على المغتسلِ يَقَلِّبُني صالحُ جيرَتي، وتحنَّن عليّ محمولا قد تناوَل الأقرباءُ أطرافَ جنازَتي، وجُدْ عليّ منقولا قد نزلتُ بكَ وحيداً في حُفرَتي، وارحَم في ذلكَ البيتِ الجديدِ غُربتي».

وأي بؤس للإنسان أكثر من بؤسه إذا حضره الموت، وأودع في حُفْرته ونُشِرَ للحساب بين يدي الله تعالى وليس له عمل صالح يقدمه إليه؟ وأي بؤس للإنسان أكثر من أن ينزل به الموت، وهو لم يعدّ نفسه لهذه الرحلة الرهيبة، ولم يتزود بالتقوى والعمل الصّالح؟

وأي بؤس للإنسان أبلغ من بؤسه إذا صرعه الموت، وهو في هذه الحالة من قلة الزّاد وتراكم السّيئات، ثم حمل أصدقاؤه وأقرباؤه جنازته ليودعوه وحده في حفرته، لا يرافقه فيها أحد إلاّ عمله الَّذي قدّمه بين يديه؟

أقرأ ايضاً:

تحميل الفيديو
الشيخ محمد مهدي الآصفي
المصدر
كتاب في رحاب القرآن - الهجرة والولاء

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى