ثقافة

موارد التعميم – التعميم في الثواب

وكما تَعم المسؤولية والعقاب، يَعمُ الثواب وحسن الجزاء، العاملين والراضين، وهو من أبواب رحمة الله تعالى على عبادِه، فتحها على عبادهِ يشركهم من خلالها في ثواب أعمال الصالحين وجهادهم ودعوتهم إلى توحيد الله وقيامهم وركوعهم بين يَدي الله وذكرهم وتسبيحهم ومواقفهم… وهو من يقينيات الثقافة الإسلامية!

روى المحدث القمّي في كتابه القيم (نَفَس المهموم) بسند صحيح عن الريان بن شبيب، خال المعتصم. قال:

>دخلت على أبي الحسن الرضا (ع) في أول يوم من محرم، فقال يا أبن شبيب أصائمٌ أنت؟ فقلت: لا.

فقال: إِنَّ هذا اليوم هو اليوم الذي دعا فيه زكريا ربَّه عزّوجلّ فـ{قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء}، فاستجاب الله له. وأَمر الملائكة، فنادت زكريا، وهو قائم يصلي في المحراب: {أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى}، فمن صام هذا اليوم، ثم دعا الله عزّوجلّ، استجاب الله له كما استجاب لزكريا.

ثم قال: يابن شبيب، إن المحرم هو الشهر الذي كان أهل الجاهلية فيما مضى يحرمون فيه الظلم والقتال لحرمتهِ. فما عَرِفت هذه الأمة حرمة شهرها، ولا حرمة نبيها (ص). لقد قتلوا في هذا الشهر ذريتهُ وسبوا نساءهُ، وانتهبوا ثقله، فلا غفر الله لهم ذلك أبداً.

يابنَ شبيب إن كنت باكياً لشيء فابك للحسين بن علي بن أبي طالب (ع). فانه ذُبِح كما يُذبح الكبش، وقُتلَ معه من أهل بيتهِ ثمانية عشر رجلا ما لهم شبيهون في الأرض…

يابن شبيب إِن سرّك أن تلقى الله عزّوجلّ ولا ذنب عليك فزر الحسين (ع).

يابن شبيب إن سرّك أن تسكن الغرف المبنية في الجنة مع النبي (ص) فالعن قتلة الحسين (ع).

يابن شبيب إن سرّك أن يكون لك من الثوابِ مثل من استشهد مع الحسين (ع) فقل متى ما ذكرته: (يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيما).

يابن شبيب إن سرّك أن تكون معنا في الدرجات العلى في الجنان فاحزن لحزننا، وافرح لفرحِنا وعليك بولايتنا، فلوا أَن رجلا تولى حجراً لحشره الله تعالى يوم القيامة<[1].

وروي في «بشارة المصطفى» عن عطية العوفي: قال:

>خرجت مع جابر بن عبد الله الأنصاري&، زائرين إلى قبر الحسين بن علي بن أبي طالب^، فلما وردنا كربلاء دَنا جابر من شاطئ الفرات فاغتسل، ثم أتزر بازار، وارتدى بآخر، ثم فتح صرّة فيها سعد فنثرها على بدنهِ، ثم لم يخط خطوة إلاّ ذكر الله، حتى إذا دنا من القبر، قال ألمسنيه، فألمسته، فخرّ على القبر مغشياً عليه، فرششت عليه شيئاً من الماءِ فأفاق.

ثم قال: يا حسين، ثلاثاً، ثم قال: حبيب لا يجيب حبيبه، ثم قال: وأنّى لكَ بالجوابِ وقد شُحِطَتْ أوداجك على أثباجك[2]، وفُرِقَّ بين بدنك ورأسك، فأشهد أنك أبن النبيين، وأبن سيد المؤمنين، وأبن خليف التقوى وسليل الهدى وخامس أصحاب الكساء وابن سيد النقباء، وابن فاطمة سيدة النساء، ومالكَ لا تكون هكذا، وقد غَذَّتكَ كف سيد المرسلين، ورُبّيتَ في حجر المتقين، ورضعت من ثدي الإيمان، وفطمت بالإسلام، فطبت حيّا وميتاً، غير أَن قلوب المؤمنين غير طيبةً بفراقكَ، ولا شاكةً في الخيرة لك. فعليك سلام الله ورضوانهِ. وأشهد انك مضيت على ما مضى عليه أخوك يحيى بن زكريا.

ثم جال ببصرهِ حول القبر وقال: السلام عليكم أيتها الأرواح التي حلّت بفناء الحسين، وأناخت برحلهِ. أشهد أنكم أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة، وأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر، وجاهدتم الملحدين، وعبدتم الله حتى أتاكم اليقين.

والّذي بعثَ محمداً بالحق لقد شاركناكم فيما دخلتم فيه.

قال عطية: قلت: وكيف؟ ولم نهبط وادياً ولم نعل جبلا، ولم نضرب بسيف، والقوم قد فرق بين رؤوسهم وأبدانهم، وأوتمت أولادهم، وأرملت الأزواج؟

فقال: يا عطية سمعت حبيبي رسول الله (ص)، يقول: من أحب قوماً حُشر معهم، ومن أحب عملَ قوم أُشرك في عملهم. والذي بعث محمداً بالحق نبياً إن نيتي ونيةَ أصحابي على ما مضى عليه الحسين وأصحابه، خذوا بي نحو أبيات كوفان، فلما مررنا ببعض الطريق قال لي: يا عطية هل أوصيك؟ وما أظن إِنني بعد هذا السفر ملاقيك! أحبّ محبّ آل محمد ما أَحبّهم، وأبغض مبغض آل محمد ما أبغضَهم، وان كان صوّاماً قوّاماً، وأرفق بمحب آل محمد فأنه إن تزل لهم قدم بكثرةِ ذنوبهم، تثبت لهم أُخرى بمحبتهم؛ فإِنَّ محبهم يعود إلى الجنة ومبغضهم يعود إلى النار<[3].


أقرأ ايضاً:

الهوامش والمصادر

  • [1] ـ نفس المهموم: 36، تحقيق الأستادي. وامالي الصدوق: 79 المجلس 27.
  • [2] ـ جمع ثبج: ما بين الكاهل إلى الظهر.
  • [3] ـ بحار الأنوار: 68: 130 ـ 131 ح62 و101: 195 ح31، وبشارة المصطفى: 74 ط. 1383 هـ.
تحميل الفيديو
الشيخ محمد مهدي الآصفي
المصدر
كتاب في رحاب القرآن

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى