ثقافة

الحتميتان – الاستغلال السياسي للحتمية الكونية

وكما كان للسياسية دور في استغلال الحتمية الأولى، كذلك استغلت الحتمية الثانية استغلالا واسعاً… فإن الحتميّة الكونيّة تؤدي بشكل قهري إلى عزل سلطان الإرادة الإلهية عن الكون. ولا ينافي ذلك الإيمان بانّ الله تعالى هو خالق هذا الكون، فقد كان اليهود يؤمنون بالله تعالى ويؤمنون بأن الله تعالى هو خالق هذا الكون، إلاّ أنّهم كانوا يعتقدون أنّ هذا الكون يجري ويتحرك بعد أن خلقه الله تعالى ضمن نظام قهري قائم على أساس الأسباب والمسببات، دون أن يكون لله تعالى أيّ دور في تدبير وإِدارة الكون، وبتعبير آخر كانوا يؤمنون بأنّ الله تعالى هو خالق هذا الكون، دون أن يكون له دور في تدبير الكون، ودون أن يكون مهيمناً عليه، بينما يؤكد القرآن على صفة الخلق، والهيمنة، والتدبير لله تعالى جميعاً، وفي وقت واحد.

وبقدر ما يضعف إيمان الإنسان بسلطان الله ونفوذه وتأثيره المباشر الفعلي في الكون، تضعف علاقته بالله، وبقدر ما تضعف علاقته وارتباطه بالله يضعف هو، ويضعف حوله وقوته ومقاومته.

وبالعكس، كلّما يزداد إيمانه بالله تعالى وبتأثيره وهيمنته وسلطانه الفعلي على الكون يزداد ارتباطه بالله، وتتوثق علاقته به تعالى. وكلّما توثّقت علاقته بالله يزداد قوّة وحولا، حيث يصل حوله وقوّته بحول الله وقوته، وتزداد مقاومته وأمله.

وهذا أمر يهم الحكام والأنظمة التي تحكم الناس بالإرهاب والاستبداد بطبيعة الحال. هذا أوّلا.

وثانياً: هذا التصور للحتمية الكونية يعمّق الإِحساس بدور المادة والأسباب المادية في نفس الإنسان وعقله أكثر من قيمتها الحقيقية. ويُضْعِفُ دور الغيب في نفس الإنسان ووعيه، ويسطّح الإيمان بالغيب في النفس، دون قيمته الحقيقية ودوره الحقيقي، بعكس ما يصنعه القرآن.

ففي القرآن نجد اهتماماً كبيراً بالإيمان بالغيب، ومحاولة تعميق هذا الإيمان وتثبيته وترسيخه في النفس، في الوقت الذي لا ينتقص القرآن دور المادة وحجمها في الكون، في طائفة واسعة من الآيات.

وللإيمان بالغيب تأثير كبير في طريقة تفكير الإنسان، ومنهج حركته، وفي طموحاته وآماله، وبالتالي في تحركه وقدرته على تحمل ومواجهة الصعاب والمتاعب والتحديات.

وإضعاف الإيمان بالغيب وتسطيحه، وترسيخ الإيمان بالمادة، وتعميقها بأكثر من قيمتها الحقيقية يضعف دور الإنسان وفاعليته وحركته، ويؤثّر بصورة مباشرة على طريقة تفكيره.

يحكي القرآن الكريم عن اليهود الإيمان بالحتمية الكونية بهذه الصورة المطلقة، وسلب كل نفوذ وسلطان لإرادة الله تعالى في تغيير مسلسل الأحداث الكونية والتاريخية.

يقول تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء}.

أقرأ ايضاً:

تحميل الفيديو
الشيخ محمد مهدي الآصفي
المصدر
كتاب في رحاب القرآن

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى