ثقافة

الحتمية الكونية – قانون العليّة في التاريخ و الكون

يجري قانون العلية في حركة (التاريخ) و(الكون) بصورة حتمية وعامة من دون استثناء.

وهو التفسير العلمي الوحيد لظهور الممكنات عامّة في الكون. ولا يمكن تفسير حدوث شيء في هذا الكون الكبير في دائرة الممكنات من غير أن نأخذ بنظر الاعتبار مبدأ العلّية.

وفي نفس الوقت الذي يكتسب هذا المبدأ صفة علمية وفلسفية وعقلانية… يتلقى الناس هذا المبدأ بصورة فطرية، فإذا سمع الإنسان صوتاً يتلفّت إلى مصدر الصوت، وإذا سمع صوت جهاز الإنذار، وهو في عرض الطريق يسرع إلى الطرف الآخر من الطريق لئلا تدركه السيارة فتدهسه، وإذا جاع أكل، وإذا عطش شرب الماء، وإذا مرض يتناول الدواء، وحتى الحيوانات تدرك بنحو فطري مضمون (العلّيّة)، فإذا رميت كلباً بحجر يَفِرُّ إلى الإِتجاه المعاكس.

والتشكيك في هذا المبدأ تشكيك في بديهيات العلم والعقل والفطرة.

وتتسلسل وتمتد حلقات العلية على شكل الأسباب والمسببات في مساحة المادة وما وراء المادة من الممكنات وفي التاريخ والمجتمع، بشكل مطلق، ومبدأ هذه السلسلة العظيمة هو الله تعالى، فهو مسبّب الأسباب، والعلّة الأولى، واليه تنتهي هذه السلسلة، وهو مهيمن وقيّم عليها (المهيمن، القيّوم).

ومبدأ العليّة يتّسم بصفة الحتميّة والقطع.

فلا يمكن أن يتخلّف المعلول عن علّة.

ومع وجود العلّة يجب وجود المعلول، ويكون وجود المعلول من حتميّات الفلسفة التي لا تخلّف فيها، إِلاّ أن يكون هناك مانع يمنع من وجود المعلول.

ويقترن وجود المعلول بوجود العلّة دائماً فلا يمكن أن يتخلّف زمان وجود المعلول عن زمان وجود العلة (الكاملة)، فإذا أدرت المفتاح في ثقب الباب تتم في نفس اللحظة إِستدارة المفتاح. وفي اللحظة التي توجد النار توجد الحرارة والنور ايضاً (بالضرورة)، وهذا التقارن بين العلة والمعلول من الحتميّات العقلية التي لا يجوز فيها التخلّف، إلا أن تكون العلة ناقصة وغير كاملة، وهو ليس بناقض لهذا القانون.

ولابدّ من أن يكون المعلول من سنخ العلّة، وإلاّ أمكن أن يصدر أيّ شيء من أي شيء… ونظراً لذلك يمكن تعميم أحكام العليّة في الظروف المتماثلة فإذا غلى الماء في درجة حرارة المائة «100ْ» على مستوى البحر فلابد أن يغلي كل ماء في الظروف المماثلة من دون استثناء. وهذه القضايا، كلها من حتميات الفلسفة، ومن هذه الحتميات ينتظم قانون (العلّية العامة) في الكون.

ورغم أن طائفة من المسلمين وهم الأشاعرة، يشككون في العليّة، ويفسّرون تعاقب الحوادث في سلسلة الأسباب والمسببات بـ(عادة الله)… رغم ذلك نجد أنّ القرآن الكريم صريح وواضح في إقرار مبدأ العلية في مجال المادة والفيزياء، وفيما وراء المادة والفيزياء، وفي التاريخ والمجتمع.

ففي مجال المادة والفيزياء يقول تعالى:

{وَاللّهُ أَنزَلَ مِنَ الْسَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ}[1]، وكلمة {فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ} واضحة في علّيّة الأمطار لإحياء الأرض.

 {وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ}[2]، وهي واضحة في دور الماء في حياة النبات والحيوان، وهو معنى العلية والسببية، وقريب من هذا المعنى قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ}[3].

{وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ}[4].

{فَأَنشَرْنَا بِهِ} بمعنى فأحيينا به.

وكلمة {بِقَدَرٍ} في هذه الآية دقيقة، فان المطر الذي يحيي به الله النبات والحيوان ويكون علة لحياة النبات والحيوان هو ما يكون بمقدار خاص، وليس جزافاً. ومن ذلك قوله تعالى:

 {فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ * وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلآكِلِينَ}[5]، يعني انشأنا بالأمطار جنات من نخيل وأعناب وهو نفس المضمون السابق.

 {اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاء كَيْفَ يَشَاء}[6]، وكلمة{فَتُثِيرُ سَحَابًا} واضحة في المقصود.

وبنفس المضمون الآية 9 من سورة فاطر: {وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا}.

 {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاء إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ}[7]، وكلمة{فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا} صريحة في المقصود.

والآيات بهذا المعنى كثيرة في القرآن، ولا ينقضي عجبنا من الرأي الذي يذهب إليه عامة أهل السنّة من الأشاعرة الذين ينفون العلية والسببية في هذا الكون، ويعتقدون إنهم بذلك يعمّقون معنى التوحيد، وكأنما يتصورون أَنَّ السنن والقوانين الطبيعية في هذا الكون منافسة لسلطان الله وحوله وقوته، وليس الأمر كذلك، فإن هذا الكون، وما فيه من سنن وقوانين وعلل وأسباب من خلق الله تعالى، وإليه تعود هذه الأسباب جميعاً، وهو خالقها، والمهيمن عليها ومدبّرها، ومبدؤها ومنتهاها إليه تعالى، وهي في قبضة سلطانه في كل آن.

والأمر كذلك في ما وراء المادة (عالم الغيب)، يقول تعالى:

 {مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ}[8] والآية تقرر أن الشيطان يوسوس في صدور الناس.

ويقول تعالى: {فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا}[9]، إن الملائكة تدبر الأمور من عالم الغيب وكذلك الأمر في التاريخ والمجتمع.

والأمر كذلك في مساحة التاريخ والمجتمع: يقول تعالى:

 {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ}[10]، إن سبب الفساد هو ما كسبت أيدي الناس من الذنوب والآثام.

 {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ}[11].

 {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}[12].

في علاقة العلو بالإيمان ودور الإيمان في اعتلاء الأمم.

 {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ}[13].

 {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ}[14].

 {إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا}[15].

 {وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ}[16].

 {وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاّ سُنَّتَ الأَوَّلِينَ}[17].

 {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا}[18].

والآيات بهذا المعنى كثيرة جداً في المساحات الثلاثة في القرآن، في مساحة المادة والفيزياء، وفي مساحة الغيب وما وراء المادة، وفي مساحة التاريخ والمجتمع.


أقرأ ايضاً:

الهوامش والمصادر

  • [1] ـ النحل: 65.
  • [2] ـ البقرة: 164.
  • [3] ـ الأنبياء: 30.
  • [4] ـ الزخرف: 19 ـ 20.
  • [5] ـ المؤمنون: 19.
  • [6] ـ الروم: 48.
  • [7] ـ السجدة: 27.
  • [8] ـ الناس: 4 ـ 5.
  • [9] ـ النازعات: 5.
  • [10] ـ الروم: 41.
  • [11] ـ الأعراف: 96.
  • [12] ـ آل عمران: 139.
  • [13] ـ الروم: 10.
  • [14] ـ الشورى: 30.
  • [15] ـ الإسراء: 7.
  • [16] ـ الرعد: 31.
  • [17] ـ الفاطر: 43.
  • [18] ـ الإسراء: 16.
تحميل الفيديو
الشيخ محمد مهدي الآصفي
المصدر
كتاب في رحاب القرآن

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى