ثقافة

آية التطهير

آية التطهير دراسة في أبعادها الفكرية والتشريعية

{إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}.

وسوف نستعرض الأبحاث المتعلّقة بهذه الآية الكريمة من خلال مفردات الآية المباركة واحدة بعد أخرى.

{ إِنَّـــمَا }

الآية الكريمة مصدرة بكلمة (إنّما) وهي من أقوى أدوات الحصر في اللغة العربية، وتفيد هذه الكلمة إثبات ما بعدها، ونفي ماعداه، كما تقول: (إنّما الفقيه علي) فيكون معناه إثبات الفقه لعلي ونفيه عن غيره.

قال ابن منظور في لسان العرب: >ومعنى إنّما إثبات لما يذكر بعدها، ونفي لما سواه كقوله: وإنّما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي. المعنى ما يدافع عن أحسابهم إلاّ أنا أو مثلي<[1].

فإذن للحصر في اللغة مدلول إيجابي وآخر سلبي، ولا يتم معناه إلاّ بهاتين الدلالتين معاً.

فيكون معنى الآية الكريمة إذن في ضوء هذا التحديد إثبات التطهير لأهل البيت بإرادة الله، ونفي أن يكون الله تعالى قد أراد تطهير غيرهم بما سوف نوضح فيما يأتي من معنى (التطهير).

وهذا كلّه واضح لا لبس فيه لمن أنس اُسلوب العرب في الكلام، وعرف أصول اللغة وقواعدها.

توجيه الرازي للآية الكريمة:

وفي محاولة لصرف الآية عن هذا المعنى يقول الرازي في تفسيره الكبير[2] في تفسير هذه الآية: >يعني ليس المنتفع بتكليفكن هو الله، ولا تنفعن الله بما تأتين به، وإنّما نفعه لكنّ وأمره تعالى إيّاكن لمصلحتكن<.

وهو كلام غريب في تغيير جهة مسار الآية الكريمة وتغيير جهة الحصر فيها.

فليس من شك أنّ الآيات السابقة على هذه الآية في خصوص أمهات المؤمنين زوجات رسول الله (ص) والخطاب متوجه فيها إليهن خاصة، ومما لا شك أيضاً أنّ أمهات المؤمنين إن لم يكنّ خارجات من خطاب أهل البيت في هذه الآية الكريمة بموجب الروايات الواردة في هذه الآية الكريمة كما يأتي، فلسن المعنيات بالخصوص من كلمة أهل البيت، وذلك بدليل الأحاديث المتواترة والصحيحة التي سوف نستعرض طرفاً منها، والتي تنصّ بدخول علي (ع) والزهراء والحسن والحسين في أهل البيت، وبدليل تذكير الضمائر في الخطاب في هذه الآية بالذات بخلاف ما قبلها وما بعدها من الآيات المقرونة بضمائر التأنيث.

ولا أذكر أن أحداً من المفسّرين والمحدّثين يذهب إلى اختصاص هذه الآية بزوجات النبيّ (ص) عدا عكرمة، كما سوف يمر علينا في هذا البحث وفي غالب الظن أنّ عكرمة أيضاً لا يقصد اختصاص الخطاب في هذه الآية بزوجات النبيّ (ص)، وإنّما يعني دخول أُمهات المؤمنين في خطاب هذه الآية وفي كلمة أهل البيت.

وبذلك لا يبقى وجه لما يراه الرازي من أنّ الخطاب في هذه الآية استمرار للخطابات السابقة، بعد أن اتضح أن الخطابات السابقة تتعلق بزوجات النبيّ (ص) خاصة والخطاب في هذه الآية لا يتعلّق بهن بالخصوص، وإنّما يشملهن وسائر أهل بيت النبيّ (ص) على أكثر التقادير تسالماً مع الرازي ونظرائه.

وموقع الآية الكريمة بين طائفتين من الخطابات الخاصة بأمهات المؤمنين، لا يشفع لهذا التفسير مطلقاً بعد ظهور اختلاف السياق فيها عن الآيات السابقة عليها والآيات المتأخرة عنها بشكل واضح، وبعد ورود دليل قطعي من أحاديث صحيحة ومتواترة بدخول غيرهم من آل بيت رسول الله (ص) في الخطاب في هذه الآية.

ومع اختلاف المخاطبين في هذه الآية عن سابقتها من حيث العموم والخصوص على أقل التقادير فلا يصحّ تفسير الرازي للآية الكريمة بقوله: (يعني ليس المنتفع بتكليفكنّ هو الله، وإنما نفعه لكن) ومحاولة إدخال هذه الآية في سياق الآيات السابقة ومضمونها واعتبارها استمراراً للخطابات السابقة في الآيات السابقة المتعلّقة بزوجات النبيّ (ص).

فإذا كان مقصود الرازي من التكليف في قوله: (يعني ليس المنتفع بتكليفكن هو الله، وإنّما نفعه لكن): الخطابات السابقة المتعلقة بزوجات النبيّ (ص)، فلا معنى لأن ينتفع بهن غيرهن من آل البيت من رجال الأسرة النبوية ونسائها لأنّ في هذه الخطابات مالا يعود له نفع إلاّ عليهن خاصة والخطاب متوجه إليهن خاصة والمفروض أنّ كلمة أهل البيت تعمّهن وغيرهن من أفراد الأسرة النبوية، وإذا كان المقصود إلغاء خصوصية الخطاب المتوجه إليهن، فلا معنى لحصر الفائدة منها في أهل البيت^ خاصة، لانتفاء خصوصية الفائدة وعموم نفعها لأهل البيت^ وغيرهم.

على أنّ هذا التفسير الذي يذكره الرازي، خروج على الظاهر المفهوم من الجملة، وفيه من التكلّف والضغط على دلالات الألفاظ ما لا يجوز أن يرتكبها المفسّر إلاّ عندما تستدعي ذلك ضرورة قاسية، وإلاّ فإنّ ظاهر الكلام وسياقه الطبيعي: حصر إرادة التطهير في أهل البيت^ فقط، وهو أظهر شيء وأول شيء يتبادر إلى الذهن في قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} وهو كلام عربي مبين، يجري جرياً صافياً واضحاً لا يكاد أن يحوج الإنسان إلى هذا الالتفاف على ظاهر الآية الكريمة.

فالمعنى إذن في ضوء ما تقدم: أنّ الله تعالى قد شاء أن يطهّركم أهل البيت، ويذهب عنكم الرجس دون غيركم من الناس.

{ يُرِيــدُ اللهُ }

من المعروف أنّ إرادة الله تعالى تأتي على نحوين (تكوينية) و(تشريعية)، و(التكوينية) هي التي لا يمكن أن يحول شيء بين إرادته تعالى وبين ما يريد. ولا يمكن أن يتخلّف مراده عن إرادته تعالى، يقول عزّ شأنه:

{إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}[3].

و(التشريعية) هي التي تتخلل إرادة المكلّف واختياره بين إرادته تعالى وما يريده من أعمال المكلّفين، وتتعلّق هذه الإرادة دائماً بالأفعال التي شرّعها الله تـعالى للمكلّفين، كما إنّ متعـلّق الإرادة التكوينـية (الأمور التكوينية).

ولما كانت الإرادة التشريعية لله تعالى مما تتخلل إرادة العبد بينها وبين ما يريد الله تعالى، ولا تتم إلاّ بإرادة العبد واختياره، فلا يعزّ في ذلك تخلّف المراد عن الإرادة الإلهية، فقد يستجيب العبد لإرادة الله تعالى وينفذ ما يريد فتتحقق الإرادة الإلهية، وقد لا يستجيب العبد ـ ويعصي ـ ويخالف ما يريده الله تعالى، ولا ينفذ ما يريده الله.

فتكون إرادة العبد واختياره حائلة بين إرادته تعالى وما يريده، وذلك لا لوجود عجز في إرادة الله تعالى، وإنّما لأن الله تعالى يريد تنفيذ إرادته من خلال إرادة العبد واختياره ورغبته. والإرادة هنا بمعنى الإلزام والإيجاب.

وهذا التقسيم للإرادة يجري في إرادة الإنسان أيضاً مع بعض الفرق، فقد تتعلق إرادة الإنسان ببعض الاُمور التكوينية، كما لو أراد أن يشرب الماء أو يكتب فيتناول الماء ويشربه، ويتناول القلم ويكتب، وهذه هي الإرادة التكوينية، وقد تتعلق إرادته بفعل غيره، بإرادة الغير واختياره، كما لو أراد من ابنه أن يسقيه ماءً أو يكتب، فيطلب منه ذلك، فيستجيب له ابنه أو لا يستجيب. وهذه الإرادة هي من النوع الثـاني مع بعـض الفروق والاخـتلافات.

وبعد هذا التفصيل والتقسيم للإرادة، فمن أي قسم من الإرادة هذه الإرادة التي نحن بصددها في الآية الكريمة {يُرِيدُ اللَّهُ}.

فهل يجوز أن يكون من (الإرادة التشريعية..؟)، لاشك أنّه لو كانت الإرادة في الآية الكريمة من الإرادة التشريعية وكان معنى {يُرِيدُ اللَّهُ} أنّ الله تعالى يريد طهارة أهل البيت^ وذهاب الرجس منهم بإرادتهم واختيارهم، فلا تكون الآية الكريمة دالة على عصمتهم في شيء، فليس كلما يريد الله تعالى لعباده من طهارة، وعدل، وحق ـ في تشريعه ـ بكائن، وما أكثر ما يريد الله تعالى لعباده من خير، فلا يستجيب له عباده، فلا تكون في الآية الكريمة دلالة على عصمتهم بهذا الشكل القطعي الذي نستنتجه نحن من الآية الكريمة.

إلاّ أن (الإرادة التشريعية) هذه لا تنسجم مع كلمة {إِنَّمَا} السابقة عليها، بما فيها من دلالة قوية على الحصر، فليس من ريب أنّ إرادة التطهير بمعناها التشريعي لا يمكن أن تكون مقتصرة على أهل البيت خاصة، فإنّ الله تعالى يريد هذا التطهير لكلّ عباده، يقول تعالى:

{مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}[4].

ولا معنى لحصر إرادة التطهير بناء على ذلك في أهل البيت خاصة، ونفيها عمّن سواهم، بما ذكرنا ـ آنفا ـ للحصر من مدلول إيجابي وسلبي.

إذن فلا يمكن تفسير الإرادة في الآية الكريمة بالتشريعية، ولم يبق إلاّ أن يكون المقصود من الإرادة هنا (الإرادة التكوينية) خاصة، حتى تستقيم مع دلالة {إِنَّمَا} على معناها وتنسجم مع ما بعدها.

استحالة تخلّف المراد عن إرادته تعالى:

وإذا صحّ أنّ المقصود من الإرادة في الآية الكريمة (الإرادة التكوينية) فلا يمكن أن يتخلّف مراده عن إرادته تعالى، ولا يمكن أن يصيبهم^ رجس، أو يفارقون الطهارة في حال من الأحوال، وذلك أنّ من البديهيات التي لا يشك فيها مسلم استحالة تخلّف المراد عن إرادته تعالى:

{إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}.

فيستحيل أن يصدر عنهم رجس، أو تفارقهم الطهارة كما ذكرنا.

وهذا المعنى من الإرادة ينسجم مع الحصر الذي تفيده كلمة {إِنَّمَا}، ويصحّ الإيجاب، كما يصحّ السلب أيضاً، ولا يلزم من ذلك المحذور الذي ذكرناه فيما لو كانت الإرادة تشريعية.

فتجب الطهارة لأهل البيت^، ويمتنع عليهم الرجس بحكم هذه الآية الكريمة.

شبهة انعدام الاختيار في المعصومين:

قد يقال: أنّ تفسير الإرادة بهذا النحو يؤدي إلى القول بنفي الاختيار في المعصومين، إذ المفروض أنّ الإرادة التكوينية هي التي لا يتوسط فيها اختيار المكلّف بين إرادة الله تعالى وما يريده تعالى، وعليه فان آية التطهير تدلُّ على أن ننزههم^ من الرجس يتم بإرادة تكوينية من الله، وليس لهم في ذلك اختيار أو إرادة.

والجواب عن هذه الشبهة يتضح بإيضاح معنى العصمة، فإنّ هذه الشبهة لا تخصّ أهل البيت^، وإنّما تعمّ الأنبياء^.

وما يرد على عصمة أهل البيت^ من اعتراض يرد على عصمة الأنبياء^ أيضاً، ولاشك في عصمة الأنبياء ولو في بعض النواحي، على نحو الإجمال.

إذن فلننقل الحديث إلى أصل موضوع العصمة بشكل عام: لاشك أنّ العصمة تعني استحالة صدور الذنب والخلاف من المعصوم، إلاّ أنّ هذه الاستحالة تأتي نتيجة تربية خاصة، وتصعيد لقوة الإرادة وضبط للنفس، بتأييد من الله تعالى وإمداد منه سبحانه، لعبده، قبل ذلك كلّه، بدرجة يستحيل معها صدور الذنب والخلاف من العبد، وليس معنى العصمة: انعدام الإرادة والاختيار في سلوك الإنسان، وإنّما معناها تصعيد الإرادة وتكاملها بدرجة يستحيل معها صدور الذنب ومخالفة الله واتباع الهوى من الإنسان، دون أن يفقد صاحبها إرادته واختياره.

فقد ذكرنا أن الإِرادة التكوينية لله تعالى تتعلق مباشرة بما يريده الله من غير أنْ تتوسّط إرادة العبد واختياره بين إرادة الله تعالى ومراده.

وهذا لا خلاف فيه…، ولكن قد تتعلق إِرادة الله بإِرادة العبد مباشرة، فيكون تغيير إرادة العبد هو ما يريده الله، كما لو أراد الله بعبد خيراً، فأَراد له قوة الإِرادة وتهذيبها… عندئذ تكون الإِرادة لا محالة من الإِرادة التكوينية، وليس من الأمر والنهي والإِرادة التشريعية بالضرورة… إِلاّ أن ذلك لا ينافي وجود الاختيار للعبد في القبول والرفض.

ومثال ذلك، للتقريب، دور المربّي في تهذيب نفس الطالب… فإِنّ التهذيب يتم أحيانا بوسائل تربوية غير الأمر والنهي، كالتأديب والترهيب والترغيب والترويض… وهذه الوسائل لا تتمّ عبر إرادة الطالب غالباً، وهي ما نقصده بالإِرادة التكوينية، إلاّ إنها لا تنافي وجود الاختيار للطالب في رفض وقبول تهذيب النفس.

وإذا شئت شواهد وأمثلة من تحقق العصمة بمعنى استحالة الذنب إلى جانب الإِرادة والاختيار ذكرنا لك بعض الشواهد القريبة من حياتنا:

كلّ واحد منّا يتمتع بدرجة من العصمة، وتختلف مساحة (العصمة) من شخص إلى آخر، باختلاف تربيته ومعاناته مع نفسه ـ وقوة إرادته ـ وقدرته على مخالفة الهوى وضبط النفس، ودرجة تهذيب النفس.

فيستحيل على الأمّ مثلاً أن تقتل أولادها بيدها، ولا يمكن أن نتصور أنّ أُمّاً تقدم على قتل أولادها بيدها، مهما غضبت الأم من أطفالها، وهذه الدرجة من العصمة موجودة في الأعم الأغلب في الأمهات (غير الحالات الاستثنائية والمرضية).

وهذه العصمة، تتم بإرادة الله تعالى التكوينية، بما أودع في قلب الأم من عاطفة ورحمة تجاه أولادها، إلاّ أنّ ذلك لا يعني إطلاقاً انعدام الإرادة في الأم، وصدور هذه الرحمة عنها من غير إرادة واختيار. ويستحيل على كثيرين من الناس ـ مثلاً ـ قتل النفس المحرّمة، عمداً بغير حق، بينما لا يملك السفّاحون من الناس هذه الدرجة من العصمة، ويقدمون على هذا النحو من السلوك الإجرامي من غير تحرّج ولأسباب جزئية.

وهذه درجة من العصمة أعلى من سابقتها،

ونجد طائفة من الناس آتاهم الله حظاً واسعاً من التقوى والدين، وهيّأ لهم تربية صالحة، وأيدهم بروحه وفضله، يستحيل في حقهم أن يسببوا أي أذى لمؤمن حتى لو تكون إشارة مؤذية عابرة أو غيبة أو نبذاً بالألقاب لا شك في وجود (العصمة)، بمعنى استحالة صدور الجرائم المذكورة من الإنسان في الأمثلة المتقدمة.

ولا شك أن هذه العصمة لا تتم في حياة الناس بصورة قهريّة، خارجه عن إرادتهم، وإنما تتم بإرادتهم واختيارهم.

ولا شك أنّ تأييد الله تعالى وإمداده لعبده من أهم هذه الأسباب المقوّمة لإرادة الإنسان، والتي تضبط سلوك الإنسان من الانحراف والظلم والخلاف.

ولاشك أيضاً أنّ درجة تأييد الله تعالى لعبده تتبع قانوناً دقيقاً جداً، شأنه شأن سائر سنن الله تعالى، فكلّما جاهد الإنسان نفسه أكثر، آتاه الله تعالى درجة أعلى من التأييد ومزيداً من الإمداد:

{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}[5].

فالعصمة، واستحالة الذنب والخلاف من العبد، لا تعني إذن انعدام الإرادة والاختيار، وإنّما تعني ارتفاع درجة الإرادة إلى حَدِّ لا تغلبها قوى النفس التي تميل إلى الخلاف والانحراف.

وإذا استطعنا أن نتصور (العصمة) في هذه المساحات المختلفة، بشكل لا يتنافى مع وجود الإرادة والاختيار، فإننا نستطيع في ضوء ذلك أن نتصور (العصمة) في مساحتها الكبرى في الأنبياء وأهل البيت^، بحيث تستحيل عليهم المعصية وصدور الظلم والخلاف بإرادتهم واختيارهم، ودون أن يكونوا مغلوبين أو مقهورين في شيء من ذلك أبداً.

وإذا تمّ هذا الإيضاح، فلا يعسر علينا أن نفهم (الإرادة التكوينية) في آية التطهير، فهي من إمداد الله تعالى وفيضه وتأييده لعباده الصالحين، في تطهير نفوسهم وإذهاب الرجس عنهم، وتصعيد إرادتهم على نحو، تستحيل معها المعصية والذنب عليهم، بإرادتهم واختيارهم.

{لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ}

الرجس: الشيء القذر[6]، وهي حالة توجب النفور، وقد يكون أمرا ماديّاً محسوساً كما في لحم الخنزير، يقول تعالى:

{أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ}[7].

وقد يكون أمرا نفسياً ومعنوياً. يقول تعالى:

{وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ}[8].

ويقول تعالى:

{وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ}[9].

فالآية الكريمة صريحة ـ إذن ـ في أنّ الله تعالى قد أذهب عنهم الرجس، وواضح أن الذنوب والمعاصي من أوضح أفراد الرجس، وقد أذهبها الله تعالى عن أهل بيت رسول الله (ص). وقد علمنا أنّ إذهاب الرجس هذا قد تمّ بمشيئة الله التكوينية، ولا يمكن أن يتخلّف شيء عن إرادته سبحانه وتعالى:

{إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}.

وعليه فلا يمكن أن يصدر عنهم^ ذنب أو معصية بحكم هذه الآية.

يقول الطبري في تفسير الآية الكريمة:

>إنما يريد الله ليذهب عنكم السوء والفحشاء يا أهل بيت محمد ويطهّركم من الدنس الذي يكون في أهل معاصي الله تطهيراً، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل<.

ثم ينقل عن ابن زيد:

>إن الرجس هاهنا الشيطان وسوى ذلك من الرجس: الشرك<[10].

وفسّر الشيخ محيي الدين بن العربي لفظ (الرجس ) في الباب 29 من فتوحاته بكل ما يشين، وإليك عبارته، قال:

>قد طهره الله وأهل بيته وأذهب عنهم الرجس، وهو كل ما يشينهم، فإنّ الرجس: هو القذر عند العرب، وهكذا حكى الفرّاء<[11].

ويقول النيسابوري في تفسير الآية:

(فاستعار للذنوب الرجس)[12].


أقرأ ايضاً:

الهوامش والمصادر

  • [1] ـ لسان العرب13: 31 دار صادر ـ بيروت.
  • [2] ـ التفسير الكبير للرازي5: 209.
  • [3] ـ يس: 82.
  • [4] ـ المائدة: 6.
  • [5] ـ العنكبوت: 69.
  • [6] ـ المفردات للراغب: 188.
  • [7] ـ الأنعام: 145.
  • [8] ـ التوبة: 125.
  • [9] ـ الأنعام: 125، ويحسن مراجعة تفسير الميزان للعـلاّمة الطباطبائي16: 330.
  • [10] ـ جامع البيان للطبري22: 5.
  • [11] ـ الفصول المهمّة للإمام شرف الدين&: 218.
  • [12] ـ تفسير غرائب القرآن للنيسابوري، بهامش جامع البيان22: 10.
تحميل الفيديو
الشيخ محمد مهدي الآصفي
المصدر
كتاب في رحاب القرآن

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى