ثقافة

وحدة التشريع

وحدة المنطلق والمسيرة والغاية في رسالات الله

على الرغم من الاختلاف الموجود بين الرسالات الإلهية في تفاصيل التشريعات لا يشقُّ علينا أن نكتشف في القرآن الكريم وحدة إجمالية في التشريع بين الرسالات الإلهية المختلفة تكشف عن وحدة المصدر والخط والغاية والاسلوب والمحتوى في هذه الرسالات يقول تعالى لهذه الامة: {شَرَعَ لَكُم مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ}[1].

فالذي شرعه الله لنا هو ـ على نحو الإجمال ـ نفس الذي وصى به نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى، وإن اختلفت هذه الأديان في بعض التفاصيل والمسائل.

ويستعرض القرآن الكريم تفاصيل أكثر عن هذه الوحدة الإجمالية في التشريع بين الرسالات الإلهية:

فيقول تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاْخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}[2].

وقريب من هذا المعنى سورة المائدة الآية: 69 {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}.

ويقول تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ مَالَكُمْ مِنْ إِله غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَلاَ تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاط تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً..}[3].

وقال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَبَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ..}.[4]

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً..}[5].

وقال تعالى: {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [6].

وإذا أمعنّا النظر في القرآن الكريم نجد أن الرسالات الإلهية تتفق في مفردات جملة من التشريعات، ولا تختلف شريعة عن أخرى في التكليف بهذه المفردات التشريعية، نذكر منها: القتال، الحج، الصيام والقصاص.

يقول تعالى: {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}[7].

وفي أمر الحج ومناسكه، يقول تعالى:

{وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [8].

وفي أمر الصيام، يقول تعالى:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[9].

وفي أمر القصاص، يقول تعالى:

{إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ * وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَن لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}[10].

وبهذه الطريقة نجد أن المحتوى التشريعي لرسالات الله ـ كما يرسمها القرآن الكريم ـ محتوى واحد، ومن سنخ واحد، وعلى خط واحد، ومن مصدر واحد، تحكمها روح واحدة، رغم الاختلاف في تفاصيل طائفة من الأحكام.

والذي يقرأ هذا الاستعراض التاريخي لشرائع الله في القرآن الكريم لمراحل طويلة من تاريخ الإنسان يطمئن أن هذه الرسالات تعتبر خطاً واحداً، وإن الأنبياء الذين جاءوا بهذه الرسالات على فترات من تاريخ الإنسان، يعدون أسرة واحدة ذات محور واحد.

ورسول الله (ص)هو وارث هذه الاسرة الربانية المباركة، ورث عنهم هذا المنهج التشريعي الإلهي، وورث الكتب والألواح، إلا أن الله تعالى جعل شريعته خاتمة الشرائع وجعله خاتم الأنبياء، وضمّنها ما يُصلح الإنسان في مرحلة نضجه الأخير.

وقد روي أن رسول الله (ص)، أمر برجم يهوديين بحكم التوراة، وقال (ص): «أنا أحق من أحيى سنة أماتوها».[11]

وروى أبو بصير عن أبي عبد الله الصادق (ع) قال: قال لي: «يا أبا محمد أن الله عزوجل لم يعط الأنبياء شيئاً إلا وقد أعطاه محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: وقد أعطى محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم) جميع ما أعطى الأنبياء، وعندنا الصحف التي قال الله عزوجل صحف إبراهيم وموسى».[12]


أقرأ ايضاً:

الهوامش والمصادر

  • [1] ـ الشورى: 13.
  • [2] ـ البقرة: 62.
  • [3] ـ الأعراف: 85 ـ 86.
  • [4] ـ الحديد: 25.
  • [5] ـ المؤمنون: 51.
  • [6] ـ ص: 26.
  • [7] ـ التوبة: 111.
  • [8] ـ البقرة: 127 ـ 128.
  • [9] ـ البقرة: 183.
  • [10] ـ المائدة: 44 ـ 45.
  • [11] ـ الاصول للسرخسي: 2: 100.
  • [12] ـ أصول الكافي: 1: 225، وبحار الأنوار: 17: 133.
تحميل الفيديو
الشيخ محمد مهدي الآصفي
المصدر
كتاب في رحاب القرآن

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى