ثقافة

وحدة التصديق والقبول

وحدة المنطلق والمسيرة والغاية في رسالات الله

عندما نستعرض الإنسان آيات القرآن الكريم عن الأنبياء (ع)، ونقرأ سيرة رسول الله (ص)، فإن أقوى انطباع نحمله هو: أن الأنبياء (ع)، على امتداد التاريخ، أسرة واحدة متفاهمة فيما بينها متفقة على رأي واحد ورسالة واحدة، بمراحل مختلفة متعددة، يتبادلون فيما بينهم الاحترام الصادق، بأقصى درجات الاحترام… يبشر السابق منهم باللاحق، ويصدق اللاحق منهم السابق.

ولا يمكن أن يكون كل هذا التصديق والتبشير والاحترام والتوقير فيما بين هذه المجموعة المشخصة من الأنبياء (ع)، أمراً متكلفاً أو مصطنعاً. والذي يستعرض السيرة النبوية يجد أن هذا الاحترام والتوقير كان يجري بصورة طبيعية وغير متكلفة، ومن دون تصنع أو تكلف.

فقد روى البخاري عن أبي هريرة، قال: بينما يهودي يعرض سلعته أعطى بها شيئاً كرهه، فقال: لا والذي اصطفى موسى على البشر، فسمعه رجل من الأنصار، فقام فلطم وجهه، وقال: تقول والذي اصطفى موسى على البشر والنبي (ص)بين أظهرنا؟ فذهب إليه (ص)، فقال: أبا القاسم، إن لي ذمة وعهداً فما بال فلان لطم وجهي؟ فقال: لِمَ لطمتَ وجهه؟ فذكره، فغضب النبي (ص)حتى رئي في وجهه، ثم قال: لا تفضلوا بين أنبياء الله فإنه ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم ينفخ فيه أخرى فأكون أول من بعث، فإذا موسى آخذ بالعرش فلا أدري أحُوسِبَ بصعقته يوم الطور أم بعث قبلي، ولا أقول إن أحداً أفضل من يونس بن متي.[1]

والذي يتأمل في آيات القرآن الكريم التي تذكّر بأنبياء السلف (ع) وهي كثيرة ـ في جو من التوقير والاحترام والتكريم… يطمئن إلى أن هذه السلسلة من الأنبياء التي يشير إليها القرآن الكريم كثيراً، هي أسرة واحدة، متفقة، متفاهمة، مترابطة، متصلة بمبدأ واحد، ونشير ـ هنا ـ إلى البعض من هذه الآيات:

1ـ قال تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَبِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً}[2].

2 ـ {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ}[3].

3 ـ {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَبِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً}[4].

4 ـ {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}[5].

5 ـ {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ}[6].

6 ـ {وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ}[7].

7 ـ {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَبِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً * وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً}[8].

8 ـ {وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الأَخْيَارِ}[9].

9 ـ {وَلُوطاً آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً}[10].

10 ـ {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَبِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً}[11].

11 ـ {وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ}[12].

12 ـ {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي وَالأَبصَارِ}.[13]

وهؤلاء الأنبياء (ع) أسرة واحدة ـ كما قلنا ـ يرتبط بعضهم ببعض، ويتصلون جميعاً بالله تعالى.

وتأكيداً لوحدة هذه الاسرة، واتصال أعضائها جميعاً ـ من دون فرق ـ بالله تعالى، أُمِرْنا أن لا نفرق بينهم في الاتصال بالله، والصدق في القول، والبلاغ من جانب الله تعالى.

فقال تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كَلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَد مِن رُسُلِهِ}[14].

ومن عجيب اهتمام القرآن في إبراز عمق الوحدة في أُسرة النبوة والرسالة، أن يعتبر التفريق بين أعضاء هذه الاسرة، من الكفر برسالة الله جميعاً.

فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْض وَنَكْفُرُ بِبَعْض وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً * أُوْلئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً * والَّذِينَ آمَنُوا بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَد مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رَحِيماً}[15].

فالكفر ببعض هذه الاسرة، كفر بهذه الاسرة كلها، ولا يكفي أن يكون الإنسان مؤمناً بالله ورسوله (ص)ليكون مسلماً، وإنما يجب أن يكون مؤمناً بالله ورسوله (ص)وبكل الأنبياء والمرسلين الذين أرسلهم الله تعالى إلى الناس، حتى يكون مسلماً.

قال تعالى: {قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}[16].

والآيات التي بهذا المضمون كثيرة في كتاب الله تعالى، وتكشف لذوي البصائر عن عمق اهتمام القرآن الكريم بربط أطراف الاسرة الربانية على وجه الأرض بعضها ببعض.

ثم نمضي في التأمل في هذه الطائفة من آيات الله، فنلتقي بالترابط الوثيق بين أنبياء الله (ع) في التصديق والتبشير ببعض، وليس فقط في الاحترام والتوقير والتكريم.

فالسابق منهم كان يبشر باللاحق، واللاحق كان يصدق السابق، والكل متفق في مبادئ الدعوة والرسالة، لا يناقض أحدهم الآخر، ولا يحل أحدهم ما يعقد غيره.

تأملوا في هذه الجملة من آيات «التبشير» و«التصديق» فيما بين الأنبياء (ع).

1 ـ قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّورَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُوْلئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[17].

2 ـ وقال تعالى: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ}[18].

3 ـ وقال تعالى: {وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ}[19].

والكتب الإلهية متصادقة فيما بينها، فيصدق اللاحق منها السابق، ويهيمن عليه، وليس فيما بين هذه الكتب أي تعارض أو تناقض أو اختلاف. وما يتراءى لنا من الاختلاف فهو في تفاصيل الأحكام والتشريعات بما يتطلَّبه نمو الإنسان وتكامله التاريخي. وكأنَّ الكتب الإلهية ـ من هذه الناحية ـ حلقات من رسالة واحدة نظمت لمراحل مختلفة من حياة الإنسان وتاريخه، كل حلقة لاحقة منها تحتفظ بأصول ومبادئ الحلقات السابقة، وتنفرد بما تتطلبه المرحلة الجديدة، فتكون كل حلقة منها مصدقة لما قبلها وناسخة ومهيمنة عليها، وهو معنى تصديق القرآن الكريم لما قبله من الكتب وهيمنته عليها.

قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}[20].

وقال تعالى: {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ}[21].

وهذا التصادق والتوافق كما يجري بين القرآن والكتب الإلهية من قبله يجري ـ أيضاً ـ بين الإنجيل والتوراة وبين التوراة وما قبلها من كتب الله.

قال تعالى: {وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ}[22].

ومن أعمق مظاهر هذا الترابط والوحدة والانسجام فيما بين أسرة التوحيد، إن القرآن الكريم يعتبر رسول الله (ص)ـ وهو أشرف الرسل وخاتمهم ـ من ملة إبراهيم (ع).

فقال تعالى: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}[23].

وقال تعالى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}[24].

وقال تعالى: {وَقَالُوا كُونُوا هُودَاً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}[25].

وبعد، فلا يخطرن على بال أحد أن هذا التكريم والتوقير للأنبياء (ع) والتأكيد على الترابط الوثيق بهذه الاسرة الربانية… عمل سياسي يهدف إلى كسب اليهود والنصارى إلى الإسلام. فإن القرآن الكريم في الوقت الذي يكرم فيه موسى وعيسى‘، ويرفع لهما ذكراً فيما بين المسلمين، فإنه كان يفند الأفكار والآراء التي كان يعتنقها اليهود والنصارى، ويشجبها.

فقال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنْتُم بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ..}[26].

وقال تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَة}[27].

وقال تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ}[28].

وقد غضب النبي (ص)عندما رأى في يد عمر بن الخطاب أوراقاً من بعض الكتب الإلهية التي حرفها أهل الكتاب ونسخه القرآن الكريم.

فقد روى أحمد عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب أتى
النبي (ص)بكتاب أصابه من بعض أهل الكتب، فقرأه النبي (ص)، فغضب فقال: «أمتهوّكون[29] فيها يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبركم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى (ع) كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعني»[30].

وهكذا نجد أن القرآن الكريم في الوقت الذي يحرص فيه على إعلان تحريف اليهودية والمسيحية وضلالهما وابتعادهما عن مصدر الوحي… يحرص على احترام الأنبياء واعتبارهم أسرة واحدة مترابطة ومتفقة في السر والعلن، ومتماسكة… بعضهم يصدق ببعض ويبشر ببعض، وبعضهم يدعو لبعض.

ومن روائع كلام رسول الله (ص)بهذا الصدد، ما يرويه أُمامة. قال: قلت يا رسول الله ما كان بدء أمرك. قال: «دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى بن مريم».[31]

ونجد من النصوص الإسلامية اهتماما بإبراز هذا الانسجام والوحدة في مبادئ الإيمان والرسالة بين الإسلام والرسالات الإلهية السابقة.

فعن أبي عبد الله (ع) أنه قال: «إن الله تبارك وتعالى أعطى محمداً شرائع نوح وإبراهيم وموسى (ع) والتوحيد والإخلاص، وخلع الأنداد، والفطرة الحنيفية السمحة، لا رهبانية، ولا سياحة».[32]

وورد عن الإمام الباقر (ع)، في تفسير قوله تعالى: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ..}، أنه (ع) قال: «هم الأئمة ومن تبعهم (ع)»[33].

وروى الكليني في الكافي عن أبي جعفر (ع) أنه قال: «يمصون الثماد[34] ويدعون النهر العظيم». قيل لـه: وما النهر العظيم؟ قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): والعلم الذي أعطاه الله. إنَّ الله عزّ وجلّ جمع لمحمد(صلى الله عليه وآله وسلم) سنن النبيين من آدم عليه السلام وهلم جرا إلى محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل له: وما تلك السنن؟ قال: علم النبيين بأسره، وإن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) صيّر ذلك كله عند أمير المؤمنين عليه السلام»[35].

وعن أبي جعفر (ع)، أنه قال: «كان جميع الأنبياء مائة ألف نبي وعشرين ألف نبي، منهم خمسة أولو العزم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وعليهم، وإن علي بن أبي طالب عليه السلام كان هبة الله لمحمد(صلى الله عليه وآله وسلم) وورث علم الأوصياء وعلم من كان قبله، أما أن محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) ورث علم من كان قبله من الأنبياء والمرسلين».[36]

وعندما نمعن أكثر في التأمل في النصوص الإسلامية الواردة في هذا السياق نلتقي بصورة جديدة من هذه الوحدة والترابط والتلاحم بين أجزاء وأطراف هذه الاسرة الرسالية، وتلك الصورة هي: أن المهدي (ع) من آل محمد (ص)إذا ظهر كان أول ما يعلنه للناس هو أنه يقع في امتداد هذه السلسلة المباركة من الأنبياء والمرسلين وعباد الله الصالحين، وأنه
ـ عجل الله تعالى فرجه ـ أولى بهم، وهو (ع) وارث هذه السلسلة المباركة وثمرة هذه الشجرة الطيّبة.

فعن أبي خالد الكابلي، قال: قال أبو جعفر (ع): «والله لكأني أنظر إلى القائم (ع) وقد أسند ظهره إلى الحجر، ثم ينشد الله حقه، ثم يقول يا أيها الناس من يحاجني في الله فأنا أولى بالله، أيها الناس من يحاجني في آدم فأنا أولى بآدم، أيها الناس من يحاجني في نوح، فأنا أولى الناس بنوح، أيها الناس من يحاجني في إبراهيم فأنا أولى الناس بإبراهيم».[37]

وعن أبي عبد الله الصادق (ع)، أنه قال: «إن القائم إذا خرج دخل المسجد الحرام، فيستقبل الكعبة ويجعل ظهره إلى المقام ثم يصلي ركعتين ثم يقوم فيقول: يا أيها الناس أنا أولى الناس بآدم، يا أيها الناس أنا أولى الناس بإبراهيم، يا أيها الناس أنا أولى الناس بإسماعيل، يا أيها الناس أنا أولى الناس بمحمد (ص)، ثم يرفع يديه إلى السماء فيدعو ويتضرع حتى يقع على وجهه.[38]

ومن خلال هذا الاستعراض السريع لآيات الله، والتأمل فيها يطمئن الإنسان إلى أن هذه السلسلة المباركة من الأنبياء والأولياء وعباد الله الصالحين الدعاة إلى الله تعالى، هي سلسلة واحدة مترابطة ومتماسكة تبتدئ بآدم (ع)، وتمر بنوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وسائر أنبياء الله (ع)، ثم يختم الله تعالى هذه السلسلة المباركة من الأنبياء (ع) بخاتم الأنبياء (ص)، ويمتد من بعده أوصياؤه (ع) في هديه وعلى منهجه وطريقه، إلى المهدي من آل محمد (عج).

وإن هذه السلسلة المباركة (من آدم (ع) إلى القائم من آل محمد (عج) الذي بشرت به الروايات والأحاديث النبوية على نحو التواتر لدى المسلمين) سلسلة واحدة مباركة، وإن هذه الشجرة الطيبة التي تمتد جذورها من أعماق الحضارة الربانية وتصعد أغصانها إلى آفاق هذه الحضارة على وجه الأرض، بعضهم يرث بعضاً، وبعضهم يرتبط ببعض، والكل يشكلون على وجه الأرض وفي تاريخ الإنسان وحضارته أسرة واحدة ربانية مباركة.

ومرة أخرى نتلو هذه الآية المباركة التي ترسم لنا الشجرة المباركة في حضارة الإنسان بجذورها وأعماقها التاريخية وأغصانها وفروعها وثمارها.

يقول تعالى: {وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ * وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم * ذلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَاكانُوا يَعْمَلُونَ * أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هؤُلاَءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ * أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ..}.[39]

والآية الكريمة ترسم هذه الشجرة في ثلاثة أبعاد:

1ـ البعد النازل: «وَمِنْ آبَائِهِمْ».

2ـ البعد الصاعد: «وَذُرِّيَّاتِهِمْ».

3ـ البعد الأفقي: >وَإِخْوَانِهِمْ».

وتذكّر الآية الكريمة بالمنح الإلهية التي خص الله تعالى بها هذه الشجرة المباركة، وهي: «الكتاب، الحكم، النبوة».

ثم تبين الآية الكريمة أن الله تعالى يمدّ هذه الشجرة المباركة في حضارة الإنسان ولا يتركها تذبل وتتساقط أوراقها وتجف جذورها.

فإذا كان هؤلاء القوم من المشركين كفروا بها، فإن الله تعالى يوكل بها قوماً آخرين من عباده.

وعلى الرغم من كل المحاولات الجاهلية لاستئصال هذه الشجرة واجتثاثها من جذورها، وتقطيع أغصانها وثمارها… فإن هذه الشجرة المباركة سوف تبقى مورقة ومخضرة ومثمرة، تؤتي ثمارها طيبة شهية في كل حين من تاريخ البشرية، وتبقى هذه المسيرة المباركة ـ التي تمتد أصولها إلى نوح وآدم‘ ـ سائرة تشق طريقها في عباب التاريخ وخضم الأحداث، فإذا أعرض عنها هؤلاء أو أولئك، أو حاولوا أن يصدوها، أو يعرقلوا سيرها، فإن الله تعالى يوكل بها قوماً مؤمنين من عباده في كل زمان، يتولونها ويمهدون لها الطريق، ويفتحون لها آفاق الحركة والعمل.

يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْم يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّة عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّة عَلَى الْكَافِرينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِم ذلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}.[40]


أقرأ ايضاً:

الهوامش والمصادر

  • [1] ـ صحيح البخاري بهامش فتح الباري 6: 325، و6: 318 ـ 319، و5: 52، و 8: 228، و12: 233، و13: 378، و11: 318. وليس هذه الرواية ـ إذا صحّت ـ بمعنى نفي تقدم رسول الله2 على سائر الأنبياء في الفضل، ولكن بمعنى النهي من الخوض في التفريق بين الأنبياء ^.
  • [2] ـ مريم: 54 ـ 55.
  • [3] ـ الأنبياء: 48.
  • [4] ـ مريم: 41.
  • [5] ـ النحل: 120.
  • [6] ـ ص: 17.
  • [7] ـ الأنعام: 85.
  • [8] ـ مريم: 56 ـ 57.
  • [9] ـ ص: 48.
  • [10] ـ الأنبياء: 74.
  • [11] ـ مريم: 51.
  • [12] ـ ص: 30.
  • [13] ـ ص: 45.
  • [14] ـ البقرة: 285.
  • [15] ـ النساء: 150 ـ 152.
  • [16] ـ آل عمران: 84.
  • [17] ـ الأعراف: 157.
  • [18] ـ الصف: 6.
  • [19] ـ المائدة: 46.
  • [20] ـ المائدة: 48.
  • [21] ـ آل عمران: 3.
  • [22] ـ المائدة: 46.
  • [23] ـ الأنعام: 161.
  • [24] ـ النحل: 123.
  • [25] ـ البقرة: 135.
  • [26] ـ المائدة: 18.
  • [27] ـ المائدة: 73.
  • [28] ـ المائدة: 72.
  • [29] ـ أمتهوّكون: أمتحيّرون.
  • [30] ـ مسند أحمد بن حنبل: 3: 387.
  • [31] ـ بحار الأنوار 16: 321، الخصال1: 83.
  • [32] ـ بحار الأنوار: 16: 331، المحاسن: 287ـ288.
  • [33] ـ تفسير نور الثقلين: 1: 353.
  • [34] ـ الثماد: الماء القليل الذي لا مادة له.
  • [35] ـ اصول الكافي: 1: 222، وبحار الأنوار: 17: 130 ـ 131.
  • [36] ـ بصائر الدرجات، 32 ـ 33، وبحار الأنوار: 17: 131.
  • [37] ـ تفسير نور الثقلين: 1: 353 ـ 354.
  • [38] ـ بحار الأنوار: 51: 59 عن الكنز.
  • [39] ـ الأنعام: 84 ـ 90.
  • [40] ـ المائدة: 54.
تحميل الفيديو
الشيخ محمد مهدي الآصفي
المصدر
كتاب في رحاب القرآن

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى