ثقافة

مع القرآن

ليس بعد القرآن الكريم من كتاب سماوي منزل، وليس من بين كتب السماء ما هو أجمع منه، وإذا اختلف التشريع بينها مراعاة لتطور الحركة الإنسانية في الأرض، وما تطلبته من جديد فهو المرجع في مورد الاختلاف مع قداسة الجميع.

ولقد جاء القرآن الكريم مستوعباً ما تفرضه حركة التطور البشري بجميع أبعادها من حاجات ومقتضيات.

فما تحـتاجـه البشـرية اليـوم مـن هـدايـات وإضـاءات ونظـم وتشريعات لا يقتضي تنزل رسالة إلهية جديدة، وكتاب سماوي جديد، وإنما يتطلب فهماً مستوعباً ومعصوماً للقرآن الكريم، وبالدرجة الثانية، وبلحاظ الظروف الاستثنائية إلى استنطاق علمي موضوعي شامل من المختصين للكنوز الثرّة التي يغنى بها القرآن، ويمكن لها أن تمدّ الحياة في كل درجات تطورها وتعقّدها بما يصلحها من فكر، ويلبي حاجتها من ثقافة، ويضع مسيرتها على الصراط، ويكفي لسد كل حجاتها التشريعية.

والأمة الشاهدة الوسط التي أنقذت الأرض بالأمس ثم تراجعت، وتغيَّب دورها، وخفت منها الصوت، فعادت الأرض يحكمها الهوى والضلال تحتاج عودتها، وعودة دورها وصوتها إلى عودة جادّة للقرآن إيماناً وفهماً وعملا، وأن تتربى الأمة تربية قرآنية شاملة، وتأخذ به عقيدة ومفاهيم ورؤى، ومشاعر، وأخلاقا، وتشريعاً في كل مناحي حياتها، وأن تتخلص من كل فكر مضادٍّ، وشعور معادٍ، وأخلاقية مناهضة، ومفهوم وتشريع مخالف.

إن أي شعب من شعوب الأمة، وأي مجتمع من مجتمعاتها تكون له هذه العودة الجادة سيتقدم الركب، وسيكون منطلق حركة الإنقاذ لا للأمة وحدها، وإنما للعالم أجمع، وسيعم النور الدنيا بعد أن أغرقها الظلام.

أي شعب وإن صغُر حجمه يحقق عودة صادقة شاملة للقرآن الكريم سيعظُم بها، ويكون مصدر إلهام لغيره من الشعوب، ويفتح باب الهداية والصلاح والاستقامة والتحرر والتقدم والرقي لكل الأمم، وهو يحقق بذلك أكبر سبق، وأغنى سبق، وأجلّ سبق.

 “مع القرآن” شعارٌ يطرحه المجلس العلمائي لهذا العام تحريكاً لعقل هذا الشعب، والأمة وضميرهما، وتذكيراً بالواجب الإلهي في احترام كلمة الوحي، وتوقير القرآن، والتعامل معه التعامل الذي يستحقه من الجدِّ في استكشاف كنوزه وأسراره، وتربية النفس على هداه، والأخذ بقيمه، وتطبيق تعالميه، والتزام منهجه، والتسليم لمرجعيته وقيادته، واقتفاء أثره، والدعوة إليه، ونشر ثقافته، وتعزيز مكانته، والذود عنه، وإحياء ما أحياه، وإماتة ما أماته، والإشادة بما أشاد به، والإهمال لما أهمله.

 إن المعيّة مع القرآن تنطلق في بعد منها من نور الفطرة الذي يلتقي معه، ولسانِها الذي يتحدث بلغته.

 ولغتُهما الواحدة هي لغة التوحيد والحق والعدل والهدى والاستقامة والرقيّ والصلاح.

وتنطلق هذه المعيّة في بعدها الآخر من متابعة القرآن في مفاهيمه ورؤاه وعقيدته وأخلاقه وتشريعاته، وتقديم ما قدّم ومنْ قدَّم، وتأخير ما أخّر ومنْ آخر، والأخذ بإرادته، وتطبيق منهجه، وتعميم ثقافته، ونشر تعالميه، وإنشاء المؤسسات العلمية المتخصصة لدراسته، وتأكيد ريادته ومرجعيته وقيادته، وتنطلق كذلك من مناصرته، والدفاع عن شأنه العظيم وحمايته.

 إن شعار “مع القرآن” لا ينبغي لأي مسلم أن يتغافل عن أهميته، أو يتخلف عن التفاعل معه، أو يقصّر في الاعتناء به وخدمته.

وطرح هذا الشعار فرصة لأن نحاول الوفاء لحقّ القرآن، والاعترافَ الجادّ بمكانته، والتحرّكَ بكل حياتنا على خطِّه، والاقتراب منه، والارتفاع بإرادتنا إلى الصبر على إرادته، وأن نستقي ثقافتنا وهدانا منه، ونربي أنفسنا وأهلينا وأجيالنا بتربيته، ونصوغ أوضاعنا على هداه، ووفق طريقته.

 هذا الشعار فيه تجربة للإرادة الإيمانية في هذا البلد، وهمّة النهضة والإصلاح والتقدّم عند هذا الشعب، وجديَّة الحركة الإيجابية فيه، ومدى شوقه وإخلاصه ووفائه للإسلام.

شعار من مسؤولية كل الأفراد والمؤسسات الصالحة أن تسانده وتُفعِّله وتخلص له، وتبذل في سبيله، وتنفق من جهدها وإمكاناتها من أجله.

 شعار من شأنه أن يحدث نقلة كبيرة في مستوى فكرنا، وإرادتنا، وتقديرنا للإسلام، وارتباطنا به، وانشدادنا القوي به، وتفعيلنا له، وتفانينا في سبيله.

شعار لا تنقصه القدسيّة والكفاءة، ولا الصدق والجديّة، ولا القدرة على التغيير، ولا إمكان الدفع القوي إلى الأمام، والنهوض بالمستوى المتعثر.

شعار يضعنا أمام امتحان لإرادة النهوض، والقدرة على الاستجابة لهذه الإرادة، وحالة الاستنهاض.

 وأفُقُنا في كل أبعاد شخصيتنا الفردية والاجتماعية، وحياة مجتمعنا، وكل أفق آخر وإن سما بعيد كلّ البعد عن السماء العالية للقرآن، وحتى نقطع بعض المسافة بيننا وبينها علينا أن نتعلم كثيرا ونجهد كثيرا، ونبذل كثيرا، ونصبر كثيرا، ونزيد في تعاوننا، ونجدَّ في السير بلا فتور.

المصادر والمراجع

  • خطبة الجمعة، (427) 27 ذو القعدة 1431هـ 5 نوفمبر 2010م.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى