ثقافة

وقفات خامنائية في الصحوة الإسلامية

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على خير خلق الله محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم المؤبد على أعدائهم أعداء الدين إلى قيام يوم الدين.

مقدمة إن الصحوة الإسلامية التي نعيش مجرياتها اليوم ليست (حدثاً) عابرا، وليست (ظاهرة) مؤقتة، وإنما هي (ثورة) تاريخية بحق، وليس من المبالغة أن نقول إن هذه الثورة لم يحدث لها نظير في وطننا العربي بهذا الامتداد وبهذه الكيفية، إن في بدايتها وشرارتها الأولى، وإن في انتقالها من بقعة إلى أخرى، وإن في طابعها الإسلامي الواضح…وما إلى ذلك.

يقول الإمام الخامنئي في كلمته في مؤتمر الصحوة الإسلامية: “..إن الحقائق المتزايدة الحالية في العالم الإسلامي، ليست بالحوادث المنفصلة عن جذورها التاريخية وأرضيتها الاجتماعية والفكرية، ولذلك من العبث أن يعمد الأعداء أو السطحيون إلى اعتبارها موجة عابرة وحادثة سطحية، وأن يحاولوا بتحليلاتهم المنحرفة والمغرضة إطفاء جذوة الأمل في قلوب الشعوب”.

وإنني أستطيع أن أقول كما قال سماحة العلامة المجاهد الشيخ عيسى أحمد قاسم (حفظه الله) أن الطوفان بدأ لا ليهدأ، وكما قال العلامة المجاهد الشيخ عبد الجليل المقداد فرج الله عنه أن هذه الثورات التي نشهدها ليست من تدبير البشر وليست من صنعهم وإنما هي من تدبير الله ومكره، وأستطيع أن أقول أيضاً كما قال سماحة آية الله الشيخ محسن الآراكي (حفظه الله) ورعاه أن ما نشهده اليوم هو بداية لسنّة الأخذ الإلهية لرقاب الظالمين، وانتهاء لسنّة الإمهال.

 نعم إن هذه الثورات التي نشهدها اليوم في وطننا العربي تحتاج إلى كل هؤلاء الفطاحل الكبار ليحللوها ويتأملوا فيها، ليعرفوا أسبابها، ويدرسوا خصائصها، ويستنتجوا نتائجها، ولابد لنا أن نرجع إلى معين هؤلاء الكبار لننهل من معينهم ونستفيد من كلامهم في تحليل هذه الثورة الكبرى.

ولكن من خير من تكلم عن هذه الثورات وهذه الصحوة الإسلامية العارمة هو قائد الأمة الإسلامية سماحة آية الله العظمى الإمام الخامنئي (دام ظله)، وقد تكلم سماحة الإمام الخامنئي عن هذه الثورات في مواضع كثيرة، ولكن من الموارد التي وجدت أن سماحته قد بسط الكلام فيها وتكلم بشكل تحليلي رصين هو كلمته في افتتاح مؤتمر الصحوة الإسلامية الذي عقد في الجمهورية الإسلامية(1).

ومن هذا الباب سوف نتوقف عدة “وقفات خامنائية في الصحوة الإسلامية” في ظلال هذه الكلمة المباركة بشكل أساسي، إضافة لبعض كلماته المباركة من هنا وهناك، وسوف أضيف إليها مدخلاً فكرياً مهماً يتعلق بأصل الثورة وضرورته.

 المدخل الثورة ضرورة.. بغض النظر عن النصر العاجل: يقول الإمام الخامنئي في مؤتمر الصحوة الإسلامية: “إن التحرك الجماهيري قد يؤدّي إلى تأخر الانتصار النهائي للثورة، ولكنه يبتعد عن السطحية وعن عدم الثبات.

إنه الكلمة الطيبة التي قال عنها سبحانه: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء}”.

 ويقول (حفظه الله) في كتاب الثورة الحسينية خصائص ومرتكزات: “الحسين قد ثار وأدى هذا الواجب عمليا ليكون درسا للجميع وقد تتوفر الظروف المناسبة لأي أحد للقيام بهذا العمل على مر التاريخ… وقد تكون الأرضية في بعض أقطار العالم الإسلامي الآن مهيأة لقيام المسلمين بذلك أيضا، فإن قاموا بذلك فقد ضمنوا بقاءه، وقد يواجه واحد أو اثنان الفشل، لكن عندما يكثر هذا التغيير وهذه الثورة والحركة الإصلاحية، فثقوا باجتثاث جذور الفساد والانحراف”.

 هذه استفادة من استفادات القائد الخامنئي الفكرية والتأصيلية، ونراه أيضاً استفاد هذه الفكرة التأصيلية والفكرية من ثورة أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، فليس دائماً مطلوب من الثورة على الظلم والطغاة الانتصار العاجل، ولا تتوقف شرعية الحركة ضد الحكومات غير الشرعية على التيقن بالظفر بالحكومة، بل يكفي تراكم هذه الثورات ضد الحكومات الظالمة لسلب الشرعية عنها وكسر هيبتها من جهة، ومن جهة أخرى فإن تراكم هذه الثورات والحركات الإصلاحية يؤدي -كما يقول الإمام الخامنئي- إلى “اجتثاث جذور الفساد والانحراف”.

 فالإمام الحسين (عليه السلام) كان يعلم باستشهاده مع الثلة المؤمنة التي كانت معه، ويعلم أنه لن يظفر بالوصول للحكم -وعندما نقول يعلم فلا نقصد هنا علم الغيب بل يعلم من خلال الظروف الموضوعية بذلك- ورغم علمه بذلك فإنه (عليه السلام) ثار ضدّ الحكم اليزيدي مما أدى لسلب الشرعية عن هذا الحكم الجائر وكسر هيبته من جهة، ومن جهة أخرى فإن ثورة الإمام المباركة هيأت الأرضية لثورات العلويين بعده إلى أن سقط الحكم الأموي.

 لذلك من الخطأ الكبير تقييم أية ثورة على أساس أنها هل تنجح أو لا؟ فالثورة على الظلم ليست مطلوبة فقط من أجل الانتصار الظاهري بل هناك أهداف أخرى لها، منها -إضافة إلى ما مر- إرباك خطط الظلمة ووقف مسيرتهم المنحرفة والحفاظ على روح الرفض للظلم في نفوس الأمة.

ورد في موسوعة أعلام الهداية(2) ما نصه: “الثورة على مستوى حاجة مسيرة الأمة تعتبر ضرورة اجتماعية وسياسية لئلا تتنازل الأمة مطلقا للظالمين عن حقوقها وشخصيتها ولتحافظ على هويتها الإسلامية من حيث الحيوية والحساسية ضد الباطل بشكل عام، من هنا كان العمل الثوري مفيدا للأمة وإن لم تنجح الثورة على المدى القريب”.

ومن المناسب هنا أيضا اقتباس ما ذكره الشيخ محمد الريشهري في كتابه القيّم القيادة في الإسلام حيث ناقش تلك الروايات التي تدين الثورة قبل الإمام المهديx وقال إن هذه الروايات تتعارض مع حكم العقل وتخالف القرآن وسيرة الأئمة (عليهم السلام)، وكذلك أضاف أنها تتعارض مع الدلالة الصريحة لقسم آخر من الروايات والتي قسمها إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: الأحاديث الواردة في وجوب الثورة ضد الظالمين عند الإمكان وعدم الانقياد لمطالبهم غير المشروعة، وذكر الشيخ روايات عديد نذكر منها: روى أبو عطاء أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) أقبل عليهم يوما وهو محزون يتنفس، فقال:«كيف أنتم وزمان قد أظلكم؟ تعطل فيه الحدود، ويتخذ المال فيه دولا، ويعادى [فيه] أولياء الله، ويوالي فيه أعداء الله!! قلنا: [يا أمير المؤمنين] فإن أدركنا ذلك الزمان فكيف نصنع؟ قال: «كونوا كأصحاب عيسى  (عليه السلام)، نشروا بالمناشر وصلبوا على الخشب.

 موت في طاعة الله عز وجل خير من حياة في معصية الله»(3).

 القسم الثالث: الأحاديث التي أخبرت عن قيام ثورة ناجحة قبل ظهور ولي العصر أرواحنا فداه، وجعلتها ممهدة لظهوره، ولعالمية الثورة الإسلامية، ونقتصر على حديث واحد هنا: عن الإمام الباقر  (عليه السلام) أنه قال:«كأني بقوم قد خرجوا بالمشرق يطلبون الحق فلا يعطونه، ثم يطلبونه فلا يعطونه، فإذا رأوا ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم فيعطون ما سألوه فلا يقبلونه حتى يقوموا، ولا يدفعونها إلا إلى صاحبكم، قتلاهم شهداء، أما إني لو أدركت ذلك لاستبقيت نفسي لصاحب هذا الأمر»(4).

القسم الثاني: وما يتعلق بالبحث مباشرة هو هذا القسم لذلك أخرناه وهي الأحاديث المؤيدة لبعض الثورات في عصر الأئمة (عليهم السلام) وهنا أيضاً نقتصر على ذكر بعض ما ذكره سماحة الشيخ الريشهري من روايات والتي منها: بعض الروايات التي قدست ثورة زيد بن علي (عليه السلام) وثورة الحسين بن علي (عليه السلام) ودعمتهما، ومن هذه الأحاديث ما عن الإمام الصادق (عليه السلام): «لا تقولوا: خرج زيد، فإن زيداً كان عالماً وكان صدوقا، ولم يدعكم إلى نفسه، إنما دعاكم إلى الرضا من آل محمد (صلّى الله عليه وآله)، ولو ظهر لوفى بما دعاكم إليه، إنما خرج إلى سلطان مجتمع لينقضه»(5).

 وجاء في خبر أن كلاماً دار عند الإمام الصادق (عليهم السلام) حول الثائرين من أهل بيت الرسالة، فقال:«لا أزال أنا وشيعتي بخير ما خرج الخارجي من آل محمد (صلّى الله عليه وآله)، ولوددت أن الخارجي من آل محمد (صلّى الله عليه وآله) خرج وعلي نفقة عياله»(6).

 ثم يعلق سماحة الشيخ الريشهري  (حفظه الله) ويقول: “ثمة نقطتان مهمتان نستشفهما من هذه الأحاديث:

 1- المقصود من الأحاديث التي تخطئ الثورات القائمة قبل ظهور قائم آل محمد  (عليهم السلام) هي الثورات التي تنطلق من الهوى.

 2- ليس من الضروري لإثبات شرعية الثورة أن يعلم الثائر علم اليقين أنه سيفلح في تشكيل حكومة الحق، بل يكفي لإثباتها كسر هيبة الحكام الجائرين وأبهتهم أو إشغال أذهانهم سياسياً وعسكرياً للحؤول دون فرض قيادتهم على المجتمع الإسلامي”(7).

الوقفة الأولى: الثورات..إسلامية الهوية يقول سماحة الإمام في افتتاح المؤتمر: “يمكن بوضوح تشخيص أن أصول الثورات الحالية في مصر وبقية البلدان تتجلّى بالدرجة الأولى في… رفع راية الإسلام الذي يمثل العمق العقائدي والعاطفي للشعب وتوفير الأمن النفسي والعدالة والتقدم والازدهار مما لا يتحقق إلاّ في ظلّ الشريعة الإسلامية”.

 إن هذا التشخيص الذي أطلقة الإمام القائد ليس تشخيصاً عابراً انفعالياً وإنما تشخيص دقيق لواقع الحركات والثورات التي تشهدها البلدان الإسلامية اليوم، ورغم محاولة الحكومات والأنظمة الظالمة خنق القيم والمبادئ الإسلامية في وجدان الشعوب وغرس قيم العلمنة والتغرّب إلا أنها لم تستطع ذلك، يقول سماحة الإمام الخامنئي في بيانه لحجاج بيت الله الحرام عام 1432: “رغم سيطرة الحكّام العَلمانيين وما بذلوه من سعي في السر والعلن لعزل الدين عن الحياة في هذه البلدان، فإن الإسلام بنفوذٍ وحضور باهر وعظيم قد صار هادياً وموجّهاً للألسن والقلوب، ومثل ينبوع متدفّق بعث الطراوة والحياة في أقوال الجماهير المليونية وأعمالهم. وفيتجمعاتهم ومواقفهم”.

إن هذه الحقيقة -وهي حقيقة إسلامية هذه الثورات- لم تعد خافية على أحد، وقد ألقمت كل الاتجاهات الفكرية حجراً، فسقطت تلك المقولة التي طالما حاولوا أن يخدعوا بها البعض وهي “الدين أفيون الشعوب”، فها هو الدين وها هو الإسلام يحرك الضمائر، ويزيل العوائق، لتنطلق مرة أخرى -بعد الثورة الإسلامية في إيران- ثورات ذات طابع إسلامي وذات خلفيات إسلامية.

شواهد لإسلامية هذه الثورات: في تكملة كلام القائد السابق يقول: “وفي تجمعاتهم، ومواقفهم، المآذن، والمساجد، والتكبير، والشعارات الإسلامية، معالم واضحة لهذه الحقيقة، والانتخابات الأخيرة في تونس برهان قاطع على هذا الادّعاء.

 ومن دون شك فإن الانتخابات الحرّة في أي بلد إسلامي آخر سوف لا تكون لها غير نتيجة ما حدث في تونس”. إذن يمكن أن نخلص أن هذه الثورات ذات طابع إسلامي واضح وذلك لعدة شواهد ومنها: -شعارات هذه الثورات، فنحن نلاحظ أن شعار “الله أكبر” مثلاً شعار بارز في كل هذه الثورات بلا استثناء، فقد سمعنا هذا الشعار في تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين، فليس هذا الشعار خاص بثورة دون أخرى بل نراه حاضراً بقوة في كل الثورات.

 -مواقف الثوار أثناء احتجاجاتهم، فنلاحظ مثلاً إصرارهم على إقامة صلوات الجماعة في وسط ميادين الاحتجاج وفي أثناء المواجهات، وليس هذا إلا رسالة واضحة من الثوار على مرادهم وعقيدتهم وفكرهم.

-إن أية فرصة تتاح للثوّار للتعبير عن آرائهم ترى بوضوح أن أصواتهم الانتخابية لا تذهب إلا للتكتّلات الإسلامية وهذا يدلل على ثقتهم بالإسلام كعقيدة وفكر وقائد للحياة، وهذا ما وجدناه في تونس وما وجدناه مؤخراً في مصر.

ومن هذا المنطلق وعلى أساس هذه الحقيقة يوصي سماحة الإمام الخامنئي (حفظه الله) في مؤتمر الصحوة قائلا: “أحد أهم مطالب الشعوب الثائرة والمتحررة أن يکون لها الحضور وأن يکون لأصواتها الدور الحاسم في إدارة البلاد.

و لما کانت هذه الشعوب مؤمنة بالإسلام فإن مطلوبها هو نظام السيادة الشعبية الإسلامي، أي إن الحکام يُنتخبون وفق تصويت الناس، وأن تکونالقيم والأصول الحاکمة على المجتمع وفق أصول قائمة على المعرفة والشريعة الإسلامية.

وهذا يمکن تحقيقه في البلدان المختلفة بأساليب وأشکال مختلفة بمقتضى ظروفها، لکن يجب المراقبة بحساسية کاملة کي لا يختلط هذا المشروع بالديمقراطية الليبرالية الغربية”. الوقفة الثانية: الثورة.. توكّل على الله ومجابهة للكفر والنفاق من الأمور التي تلفت النظر في خطاب القائد الخامنئي حفظه الله تعالى في مؤتمر الصحوة الإسلامية هو أنه بدأ خطابه بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا}(8).

 بل ونراه يختتم خطابه بنفس هذه الآية المباركة ويؤكد عليها بقوله  (حفظه الله): “الآيات التي تليت في مطلع الحديث تشتمل على منهج کامل للعمل وله الفاعلية الدائمة وخاصة في هذه البرهة الحساسة المصيرية.

 إنها تخاطب النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله)، لکننا جميعاً في الواقع مخاطبون بها ومکلفون”. وهذا يؤكد على أن الإمام الخامنئي يريدنا أن نتلمس بعض المفاهيم الحركية في هذه الآية المباركة وخصوصاً فيما يتعلق بالثورات العربية المعاشة، ولعل الآية تحتوي على كثير من المفاهيم المهمّة والتي تحتاج لبحث متكامل ومستقل، لكن من أبرز تلك المفاهيم التي تحويها هذه الآية الشريفة هي: ● النهي عن طاعة الكافرين والمنافقين. ● التوكل على الله سبحانه وتعالى.

النهي عن طاعة الكافرين والمنافقين: لو تتبعنا كلمات الإمام الخامنئي في عموم كلماته المتعلقة بالثورات وغيرها لوجدنا بوضوح أن الإمام القائد يركز على هذه الفكرة، وهي التحذير من الكافرين والمنافقين، وذلك لخطورة كلتا هاتين الفئتين، ولا أريد هنا تتبع خطورة كل فئة وتأثيرها السلبي على المؤمنين، ولا أريد تحليل كيفية نفوذ هذه الفئات للكيان المسلم، بقدر ما أريد الاكتفاء بنقل بعض كلمات الإمام الخامنئي (حفظه الله) في حديثه وتحذيره من هاتين الفئتين، وبالخصوص الفئة الكافرة والمتمثلة اليوم في الشيطان الأكبر أمريكا، وسأكتفي بالنزر اليسير من كلماته وذلك في مؤتمر الصحوة الإسلامية.

 يقول السيد القائد (حفظه الله) بشأن تدخل القوى الأجنبية في ليبيا: “من هنا فإن هذه القوى لا يحق لها أن تعتبر نفسها مساهمة في هذه الثورات. وفي بلد مثل ليبيا لا يستطيع تدخّل أمريكا والناتو أن يكدّر هذه الحقيقة.

في ليبيا أنزل الناتو خسائر فادحة لا تعوّض. لو لم يكن هذا التدخّل فإن انتصار الشعب الليبي كان من الممكن أن يتأخر قليلاً، ولكن سوف لا ينزك بالبلد كل هذا الدمار في بُناه التحتية، ولا تزهق كل هذه الأرواح من النساء والأطفال، ولا يدّعي أولئك الأعداء الذين كانت يدهم لسنوات بيد القذافي بأنّ لهم حق التدخّل فيهذا البلد المظلوم المُدمّر”.

 ويقول سماحته محذرا من خطط وابتسامات العدو: “إن الثقَة بالعدوّ والانخداع بابتسامته ووعوده ودعمه إنما هو من الآفات الکبرى الأخرى التي يجب أن يحذر منها بشکل خاص النخب وقادة المسيرة.

يجب معرفة العدوّ بعلاماته مهما تلبس من لباس، وصيانة الشعب والثورة من کيده الذي يدبره في مواضع خلف ستار الصداقة ومّد يد المساعدة.

 ومن جانب آخرقد يعتري الأفراد غرور ويحسبون العدوّ غافلاً، لا بّد من اقتران الشجاعة بالتدبير والحزم وحشد کل الإمکانات الإلهية في وجودنا لمواجهة شياطين الجنّ والإنس”.

 ويقول أيضا في مقام عرض الأخطار والآفات التي يخطط لها الأعداء مباشرة: “أما أخطار القسم الثاني فإنشعوب المنطقة قد خبرتها غالباً في الحوادث المختلفة. وأولها تولّي الأمور عناصر تعتقد أن لها التزامات أمام أميرکا والغرب. الغرب يسعى بعدالسقوط الاضطراري للعناصر التابعة أن يحافظ على أصل النظام والمحاور المفصلية للقدرة ويضع رأساً آخر على هذا البدن وبذلك يواصل فرض سيطرته.

وهذا يعني إهدار کل المساعي والجهود، وفي هذه الحالة إن واجهوا مقاومة الجماهير ووعيها فسوف يسعون إلى بدائل انحرافية أخرى يضعونها أمام الثورة والجماهير.

هذه البدائل يمکن أنتتمثل باقتراح نماذج للحکم والدستور تدفع بالبلدان الإسلامية مرة أخرى إلى شراك التبعية الثقافية والسياسية والاقتصادية للغرب، ويمکن أن تتمثل في اختراق صفوف الثورة وتقديم الدعم المالي والإعلامي لتيار مشکوك وعزل التيارات الثورية الأصلية. وهذا يعني أيضاً عودة هيمنة الغرب وتثبيتا لنماذج المتهرئة الغربية والبعيدة عن مبادئ الثورة ثم سيطرة الأجنبي على الأوضاع”.

 التوكل على الله (سبحانه وتعالى): مفهوم التوكل على الله (سبحانه وتعالى) من المفاهيم الإسلامية المهمة جدا والتي تشكل حجر أساس في البناء الفكري للإنسان المؤمن، وهكذا فإن هذا المفهوم من المفاهيم التي يركز عليها القرآن الكريم أشد التركيز وخصوصاً في ساحة الجهاد والمواجهة بالنسبة للمجاهدين والثوار.

 والإمام الخامنئي قد تحدث عن هذا المفهوم في مواضع عدة وبأساليب مختلفة، ولكن من المواضع التحليلية التي وقفت عليها وتناسب المقام ما تفضل به في مؤتمر الوحدة الإسلامية في طهران(9)، وقد تكلم سماحة الإمام بشيء من التفصيل والتحليل حول هذا المفهوم والمتصفين به، وأكتفي بنقل كلامه نصا لما فيه من غنى.

يقول سماحته: “لاحظوا أن هناك نوعين من الأفراد في مواجهة الأعداء {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُوراً * وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا}(10)، هذه نظرة ورؤية في مواجهة هذه الأحداث.

وهناك نظرة أخرى تقول: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً}(11)، وهذه بدورها نظرة، وكلا النظرتين في حادثة واحدة، كلاهما تعود لحادثة الأحزاب. البعض حينما يرون الأحزاب يقولون: {مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُوراً}، والبعض الآخر حينما يرون الأحزاب يقولون: {هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً}، هذا شيء مهم، وهو شيء يعرض على وضعنا الحالي.

 لدينا نوعان من الأفراد، نوع من الأفراد حينما يرون هيمنة أمريكا وقدراتها العسكرية والدبلوماسية والإعلامية وأموالها الوافرة، يفزعون ويقولون إننا لا نستطيع فعل شيء، فلماذا نهدر طاقاتنا دون فائدة؟ ومثل هؤلاء الأفراد موجودون الآن، وكانوا موجودين في زمن ثورتنا، لقد واجهنا أفرادا من هذا القبيل كانوا يقولون: لماذا تجهد نفسك دون فائدة يا سيدي، اقنعوا بالحد الأدنى، وأنهوا القضية. هكذا هم البعض. والبعض الآخر لا، يقارنون قدرة العدو بقدرة الله تعالى، ويضعون عظمة العدو مقابل عظمة الخالق، وعندها سيرون أن العدو تافه على الإطلاق، وليس بشيء، وسيحسبون الوعد الإلهي حقاً وصدقا، ويحسنون الظن بالوعد الإلهي..هذا مهم.. لقد وعدنا الله تعالى: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}(12).

 هذا وعد قاطع وأكيد، إذا أحسنا الظن بالوعد الإلهي سوف نعمل بطريقة معينة، وإذا أسأنا الظن بالوعد الإلهي فسوف نعمل بطريقة أخرى… سوء الظن بالله يجعل الإنسان يقعد ويعجز عن التحرك والسعي والعمل، وإذا أحسنا الظن بالله استطعنا العمل والتقدم…”.

الوقفة الثالثة: شعبية الثورات وجماهيريتها وأضع الحديث عن هذه الوقفة المهمّة ضمن النقاط التالية: 1-أهمية الحضور الجماهيري: يقول سماحة الإمام القائد: “أعتقد أن أهم عنصر في هذه الثورات الحضور الواقعي والشمولي للشعوب في ميدان العمل وساحة النضال والجهاد، لا فقط بقلبهم وبعواطفهم وإيمانهم، بل أيضاً بأجسامهم وإقدامهم”.

هكذا يرى الإمام الخامنئي أهمية الحضور الجماهيري في ساحة الميدان، فهذا الحضور في فكر الإمام الخامنئي يشكل ركيزة مهمة بل هي الركيزة الأهم، وهذا ما تؤكد عليه كل تجارب الحاضر والماضي فإن الجماهير إذا نزلت الميادين وتحركت وأرادت فإن المعادلات تتغير لصالحها.

 وعلى هذا الأساس يفرّق السيد القائد (حفظه الله) تعالى بين ثورة جماهيرية وبين حركة نخبوية تريد التغيير، فيقول: “في حوادث العقدين الخامس والسادس من القرن الميلادي الماضي كان عبء الثورات في عدد من بلدان آسيا وأفريقيا لا تحمله الجماهير والشباب، بل تنهض به مجموعات انقلابية أو فئات صغيرة ومحدودة مسلحة.

أولئك عزموا وأقدموا، ولكن حين غيروا هم أو الجيل الذي تلاهم طريقهم على أثر دوافع وعوامل عديدة فإن الثورات قد انقلبت إلى ضدها وعاد العدو ليفرض سيطرته مرة أخرى. إن هذا يختلف كل الاختلاف مع تغيير تنهض به جماهير الشعب التي تندفع بأجسامها وأرواحها إلى الميدان وتطرد العدو من الساحة.

وهنا، وهنا فقط تصنع الجماهير شعاراتها، وتحدد أهدافها وتشخّص عدوّها وتفضحه وتتعقبه”.

ويقول أيضا: “في مثل هذه الثورات المبادئ والقيم والأهداف، تدوّن في مشاريع مسبقة على يد الفئات والأحزاب، بل هي مدوّنة في أذهان كل أفراد الشعب المتواجد في الساحة وفي قلوبهم وإرادتهم”.

 2-الجماهير.. تختار الشعارات.. وتقطع الطريق أمام المداهنين: وهكذا يواصل السيد القائد حديثه عن الحالة الجماهيرية لهذه الثورات، وأن شعارات هذه الثورات الجماهير هي التي اختارتها وهي التي أصلت لها لأنها تنبع من وجدانها وفطرتها، وبالتالي فإن هذه الحالة الجماهيرية ومن الرقابة الجماهيرية تشكل حصانة لشعارات هذه الثورات وأهدافها فتقطع الطريق أمام من عبر عنهم السيد القائد بـ “الخواص المداهنين” فيقول حفظه الله تعالى: “إن هذا يختلف كل الاختلاف مع تغيير تنهض به جماهير الشعب التي تندفع بأجسامها وأرواحها إلى الميدان وتطرد العدو من الساحة.

وهنا، وهنا فقط تصنع الجماهير شعاراتها، وتحدد أهدافها وتشخّص عدوّها وتفضحه وتتعقبه، وترسم -ولو بإجمال- مستقبلها، وبالنتيجة تقطع الطريق أمام الخواص المداهنين والملوّثين بل أمام المندسّين وبذلك تحول دون الانحراف ومداهنة العدو وتغييرالمسار.

 إن التحرك الجماهيري قد يؤدّي إلى تأخر الانتصار النهائي للثورة، ولكنه يبتعد عن السطحية وعن عدم الثبات”.

 3-الجماهير تحرس الثورة وترسم مستقبلها: يقول سماحة الإمام: “إن جماهير الشعب والنخب الجماهيرية والذين انطلقوا من الجماهير هم أصحاب هذه الثورات والأمناء على حراستها والذين يرسمون مستقبلها ويدفعون بعجلتها إن شاء الله تعالى”.

 الخاتمة هذه بعض الوقفات السريعة من كلام سماحة الإمام الخامنئي حفظه الله تعالى في تحليله لهذه الثورات، وليست هذه الوقفات تحصر كل ما تفضل به سماحة السيد القائد، ولكن حاولت الاقتصار على بعض الوقفات والملاحظات المهمة التي أبداها حفظه الله تعالى، وإلا فإن ما تفضل به يحتاج إلى بحث أوسع وأعمق من هذا بكثير، بل أقول أن هذه الثورات فعلا من الثورات التي تحتاج أن نبذل لها الجهد في دراستها وتحليلها وليس ذلك للترف الفكري بل للمحافظة على هذه الثورات من الانحراف والتمييع ولضخ كل ما يسهم في ديمومتها حتى تصل إلى بر الأمان

إن شاء الله تعالى.

المصادر والمراجع

  • (1) مؤتمر الصحوة الإسلامية انطلق في يوم الأحد 29/1/2012م في العاصمة طهران، راجع نص كلمة الإمام القائد (حفظه الله) في موقع الصحوة الإسلامية:
  • (www.alsahwah-alislamiah.com. (2) موسوعة أعلام الهداية، ج8، ص76.
  • (3) القيادة في الإسلام، الريشهري، ص169.
  • (4) بحار الأنوار، ج52، ص243.
  • (5) الكافي، الكليني، ج8، ص264.
  • (6) القيادة في الإسلام، الريشهري، ص172.
  • (7) المصدر نفسه، ص172- 173.
  • (8) الأحزاب: 1- 3.
  • (9) بتاريخ 20/2/2011م، ونشر في نشرة دار الولاية 508.
  • (10) الأحزاب: 12- 13.
  • (11) الأحزاب: 22.
  • (12) الحج: 40.
المصدر
مجلة رسالة القلم

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى