ثقافة

مقتضى الأصل العملي عند الشك في اللزوم على نحو الشبهة الحكمية

 تعرّض الكاتب في هذه المقالة إلى تنقيح مقتضى الأصل العمليّ عند الشّكّ في لزوم المعاملة إذا كانت الشّبهة حكميّة.

 وتعرّض إلى الاستدلال على لزوم العقد تمسّكاً بالاستصحاب وذلك عن طريق وجهين: الوجه الأوّل: استصحاب بقاء نفس العقد، وقد ناقش هذا الوجه وردّه.

 الوجه الثّاني: استصحاب بقاء الأثر، وقد تعرّض إلى خمس إشكالات حول هذا الاستصحاب ذكرها الأعلام عرضاً ونقداً.

 واستخلص إلى أنّه هناك ثلاث اتّجاهات في مقتضى الأصل العمليّ عند الشّكّ في اللزوم على نحو الشّبهة الحكميّة.

 وقد تمّ إثبات قول المشهور وهو جريان الاستصحاب في الأثر الشّرعيّ، ونتيجة ذلك عدم تأثير الفسخ واللزوم، وقد تمّ دفع الإشكالات الواردة على هذا الاتّجاه مفصّلاً.

 توطئة: تعتبر الشّريعة الإسلاميّة هي خاتمة الشّرائع السّماويّة، وهذا يعني أنّها تحتوي على ما يكفل سعادة الإنسان إلى الأبد، وتستطيع الاستجابة لجميع متطلّباته الفرديّة والاجتماعيّة، فيوجد في هذه الشّريعة ما يلبّي جميع حاجاته وما يحتاجه في تنظيم علاقاته، وهذا يقتضي وجود قوانين عامّة جاءت بها الشّريعة؛ لكي تكون صالحة لكلّ زمان ومكان.

 ومن هذه القوانين ما يتعلّق بالعقود والمعاملات، فإنّه ممّا لا شبهة فيه أنّ العقود والمعاملات تتطوّر بتطوّر الزّمان وبتكامل النّضج البشريّ، فكم من عقدٍ جديدٍ مستحدثٍ لم يكن موجوداً سابقاً؟ فيقع السّؤال عن حكم هذه العقود وما رأي الشّارع المقدّس فيها؟ وما شاكل ذلك.

 وبمقتضى ما ذكرناه سابقاً فلا بدّ من وجود نظرٍ للشّارع في ذلك، وهذا ما استدعى الفقهاء للبحث عن قواعد كلّيّة وعمومات تجيب عمن هذه الأسئلة، ومن أهمّ ما تناولوه في الأبحاث المفصّلة واستفادوا منه كثيراً في أبواب المعاملات الأدلّة العامّة الدّالّة على صحّة أو لزوم العقد.

 وقد تناولوا البحث عن مقتضى الأصل العمليّ في المسألة، ويعتبر هذا البحث من أوضح الموارد الّتي يرتبط فيها البحث الفقهيّ بعلم الأصول، وتظهر أهمّيّة المسائل الأصوليّة وانعكاسها في الوصول للنّتيجة الفقهيّة، وتنعكس فيها قدرة الباحث على القدرة على تطبيق الأصول بشكل دقيق وصحيح في الأبحاث الفقهيّة.

 إذا فرض أنّه لم يتمّ عندنا دليل لفظيّ لإثبات اللزوم في المعاملات، أو لم يكن للدّليل اللفظيّ شمول لإثبات اللزوم للعقود المستحدثة كالتّأمين، ووصلت النّوبة للأصل العمليّ فما هو مقتضى الأصل عند الشّكّ في اللزوم إذا كان الشّك على نحو الشّبهة الحكميّة؟ استدلّ على لزوم العقد عند الشّكّ في لزومه بالاستصحاب ويمكن تقريبه بوجهين: الوجه الأوّل: استصحاب بقاء نفس العقد.

 وتقريب ذلك: أنّ العقد تارة يطلق ويراد منه نفس الإيجاب والقبول اللفظيّين، وتارة يراد منه الالتزام المربوط بالتزام آخر، ولا إشكال أنّ المعنى الأوّل أمرٌ متصرّم، فلا معنى لجريان الاستصحاب فيه؛ لعدم الشّكّ في بقائه، وإنّما يراد إجراء الاستصحاب في العقد بالمعنى الثّاني، وهو بقاء نفس التزام كلّ من الطّرفين بتمليك الآخر، وأركان الاستصحاب فيه تامّة؛ فعندنا يقين بوجود ذلك الالتزام بمقتضى حدوث المعاملة بين الطّرفين، وعندنا شكّ في بقائه عند حصول الفسخ من أحد الطّرفين، فنستصحب بقاءه.

 وهذا الاستصحاب موضوعيّ؛ لأنّ مصبّه نفس الموضوع وهو العقد الّذي له مجموعة من الأحكام والآثار، وهذا التّقريب غير معروف في كلمات الأعلام، ولكنّه مذكور في تقريرات بعض الأعلام المعاصرين ’([1]). ويمكن التأمّل فيما أفيد: بلحاظ أنّه لا يوجد عندنا إلّا ثلاثة أمور وهي:

 1-الالتزام والتّعهّد الإنشائيّ الحاصل بالمبرِز من اللفظ، أو الكتابة، أو الفعل.

 2-الالتزام النّفسانيّ.

 3-اعتبار الشّارع النّفوذ.

 والمفروض أنّ الأوّل متصرّم؛ فلا شكّ في بقائه حتّى نجريَ الاستصحاب، والثّاني قد زال قطعاً لحصول الفسخ، وأمّا الثّالث فهو ليس استصحاباً لذات العقد حتى يكون استصحاباً موضوعيّاً، بل هو استصحاب للحكم الشّرعيّ، فلا يوجد شيء آخر هو الالتزام المربوط نشكّ في بقائه ليستصحب. الوجه الثّاني: استصحاب بقاء الأثر.

 كملكيّة المشتري للمبيع، وملكيّة البائع للثّمن، واستصحاب بقاء الزّوجيّة، وما شاكل ذلك من آثار وأحكام العقد، فإذا فسخ أحد الطّرفين يحصل الشّكّ في بقاء تلك الآثار، فيمكن إثبات بقائها بالاستصحاب لتماميّة أركان الاستصحاب.

 وهنا عدّة إشكالات ذكرها الأعلام على هذا التّقريب: الإشكال الأوّل: قصور أدلّة الاستصحاب عن الشّمول للشّبهات الحكميّة؛ لاختصاص موردها بالشّبهات الموضوعيّة، وحيث إنّ الاستصحاب في مقامنا هو من هذا القبيل فلا إطلاق لدليل الاستصحاب للمورد.

 وأجيب عنه في محلّه([2]): بأنّ مورد دليل الاستصحاب -وهي الرّوايات- وإن كان الشّبهات الموضوعيّة، ولكن فيها ما يدلّ على التّعميم؛ حيث ذيّلت بعض روايات الاستصحاب بقاعدة عامّة (ليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشّك) الشّاملة للشّبهة الموضوعيّة والحكميّة.

 الإشكال الثّاني: ما أفاده السّيّد الخوئيّ من عدم جريان الاستصحاب في الشّبهات الحكميّة، لا من جهة قصور روايات الاستصحاب للشّمول للشّبهات الحكميّة بل للمعارضة بين استصحاب بقاء المجعول واستصحاب عدم الجعل الزّائد([3])، فمثلاً لو وهب الزّوج زوجته مبلغاً من المال ثم فسخ الزّوج الهبة، وشككنا في تأثير الفسخ وعدمه للشّكّ في اللزوم وعدمه، فاستصحاب بقاء المجعول -أيْ: ملكيّة الزوجة للمال الموهوب لما بعد الفسخ- معارَض باستصحاب عدم الجعل الزّائد -أيْ: عدم جعل الشّارع الملكيّة الزّائدة لما بعد الفسخ-، وفي المقام المجعول هي الملكيّة, وقد كانت ثابتة للمشتري قبل الفسخ فيجري استصحاب بقائها بعده, ولكن من جهة أخرى ملكيّة المشتري لم تكن مجعولة قبل هذا العقد، وبعد هذا العقد وحصول الفسخ نشكّ في أنّ الملكيّة المجعولة لهذا البيع هل هي واسعة تمتدّ لما بعد الفسخ أم لا؟، فيجري استصحاب عدم جعلٍ زائدٍ للملكيّة لما بعد الفسخ ويتعارض الاستصحابان.

 فإن قلتَ: إنّ استصحاب عدم جعل الملكيّة الزّائدة لما بعد الفسخ معارض باستصحاب عدم جعل الملكيّة الضّيّقة، فكما أنّ استصحاب عدم جعل الملكيّة الزّائدة يجري، فإنّ استصحاب عدم جعل الملكيّة المحدودة بما قبل الفسخ يجري؛ فيتعارضان ويتساقطان، ويكون استصحاب الملكيّة جارياً بلا مانع؛ لأنّ المانع هو استصحاب عدم جعل الزّائد، والمفروض أنّ هذا الاستصحاب معارَض في نفسه باستصحاب عدم جعل الحدّ للملكيّة، فإذا سقط المانع للمعارضة جرى استصحاب المجعول وهو الملكيّة من دون مانع.

 قلتُ: لا أثر لهذا الاستصحاب وهو استصحاب عدم جعل الملكيّة المحدودة أو عدم جعل الحدّ للملكيّة؛ لأنّه إمّا أن يراد بهذا الاستصحاب إثبات وجود الملكيّة الواسعة, أو يراد به نفي ملكيّة المشتري، فإن أريد به إثبات وجود الملكيّة الموسّعة فهو من الأصل المثبت؛ فإنّ استصحاب عدم جعل الملكيّة المحدودة لا يثبت الملكيّة المطلقة, أو استصحاب عدم جعل الحدّ لا يثبت الإطلاق لما بعد الحدّ؛ لأنّ الملكيّة المطلقة والمحدودة ضدّان, ونفي الضّدّ باستصحابٍ لا يثبت الضّدّ الآخر، وإن أريد به نفي ملكيّة المشتري فهذا خلف؛ لأنّ المفروض أنّ ملكية المشتري قبل الفسخ مقطوع بها، فلا وجه لنفيها باستصحاب عدم جعل الملكية المحدودة، إذًا فهذا الاستصحاب غير جارٍ في نفسه كي يكون معارِضًا لاستصحاب عدم جعل الملكيّة الزّائدة([4]). ولكن قد يقال: بأنّ الإشكال على جريان الاستصحاب في الشّبهات الحكميّة لا يجري في المقام (وهو استصحاب الملكيّة بعد تحقّق الفسخ)، فإنّ في المقام خصوصيّة توجب جريان هذا الاستصحاب، والسّرّ في ذلك أنّ هناك بعض المجعولات الشّرعيّة الّتي عُلِم من أدلّتها أنّها إذا جعلت لا تزول إلّا بمزيل، كالنّجاسة مثلاً، فإنّ ما دلّ على تنجّس الثّوب أو الماء بأحد النّجاسات العشر دالّ على بقاء النّجاسة ما لم يقع مزيل لها، فإذا شكّ في بقاء النّجاسة في الثّوب -مثلاً- كما لو فرضنا أنّ الثّوب تنجّس بالعصير العنبيّ بعد غليانه وقبل ذهاب ثلثيه, وشككنا أنّ التنجّس بالعصير العنبيّ هل يزول بغسلة واحدة أو لا بدّ من غسلتين بالماء القليل؟، فلو غسل مرّة واحدة وشككنا في بقاء النّجاسة فلا إشكال في جريان استصحاب النّجاسة, ولا يرد إشكال أنّ هذا الاستصحاب من الاستصحاب في الشّبهات الحكميّة؛ وذلك لأنّه عُلم من دليل النّجاسة أنّها متى جعلت فهي باقية ما لم يُزلها مزيل، والمقام من هذا القبيل، فإنّ ظاهر أدلّة جعل الملكيّة أنّها من الأمور الّتي إذا جُعلت فلا تزول إلّا بمزيل شرعيّ, فإذا شكّ في بقاء الملكيّة بعد فسخ البائع -مثلاً- فمرجع ذلك إلى الشّكّ في أنّ الفسخ مزيل شرعيّ، أم لا؟ فيجري استصحاب بقاء الملكيّة, ولا يعارض باستصحاب عدم الجعل الزّائد؛ لأنّ الاستصحاب الموضوعيّ حاكم على الاستصحاب الحكميّ؛ إذ المفروض أنّ الملكيّة المجعولة أُخِذَ في موضوعها عدم تحقّق المزيل الشّرعيّ، فإذا شُكَّ في هذا المزيل كما لوشُكّ في أنّ الفسخ مزيل شرعيّ، أم لا؟ يجري استصحاب عدم المزيل الشّرعيّ، وهو استصحاب موضوعيّ وليس استصحاب عدم الملكيّة، فإذا ثبت بالاستصحاب عدم تحقّق المزيل الشّرعيّ تحقّق موضوع الملكيّة، فتحقّقت الملكيّة بلا حاجة لإجراء الاستصحاب في الملكيّة نفسها؛ لأنّ المفروض أنّ الملكيّة حكم, والحكم فعليّ بفعليّة موضوعه، فإذا تنقّح موضوعه وهو عدم المزيل الشّرعيّ بالاستصحاب، أصبحت الملكيّة للمشتري فعليّة بلا حاجة لجريان الاستصحاب فيها, وهذا معنى حكومة الأصل الموضوعيّ -وهو استصحاب عدم المزيل الشّرعيّ- على الأصل الحكميّ -وهو استصحاب بقاء الملكيّة-، فلا مجال لمعارضته باستصحاب عدم الجعل الزّائد؛ لأنّه عُلِم من الدّليل أنّ الملكيّة باقية ما لم يتحقّق مزيل([5]). وقد يجاب: بأنّه لا نسلّم ظهور الأدلّة في بقاء الملكيّة ما لم يتحقّق مزيل؛ إذ يحتمل ثبوتاً أنّ حكم الشّارع بملكيّة المشتري محدود بعدم فسخ البائع، ومع وجود هذا الاحتمال لا يحرز أنّ الشّارع جعل الملكيّة باقية ما لم يأتِ مزيل، فما دام جعل الشّارع للملكيّة محدودة بعدم الفسخ أمراً محتملاً.

 إذاً فاستصحاب بقاء الملكيّة معارض باستصحاب عدم الجعل الزّائد.

الإشكال الثّالث: ما أشار له الشّيخ الأعظم : قال الشّيخ الأعظم : >ربما يقال: إنّ مقتضى الاستصحاب عدم انقطاع علاقة المالك، فإنّ الظّاهر من كلماتهم عدم انقطاع علاقة المالك عن العين الّتي له فيها الرّجوع، وهذا الاستصحاب حاكمٌ على الاستصحاب المتقدّم المقتضي للّزوم.<([6]).

 بيان ذلك: أنّ المالك الأوّل كالبائع كانت له علقة سابقة مع ملكه وهو المبيع، وبعد حصول البيع نشكّ في أنّ تلك العلقة هل زالت بالكلّيّة بحيث لا حقّ له في الفسخ واسترجاع المبيع، أو أنّه ما زال هناك نحوٌ من العلقة بينه وبين ملكه حتّى بعد البيع، بحيث يمكنه استرجاع ملكه السّابق؟ وحينئذٍ يقال: نستصحب بقاء تلك العلقة الثّابتة سابقاً بين المالك الأوّل الأصليّ وملكه، وهذا الاستصحاب حاكم على استصحاب بقاء ملكيّة المالك الثّاني؛ لأنّ الشّكّ في بقاء ملكيّة الثّاني مسبّب عن الشّكّ في بقاء علقة المالك الأوّل أو زوالها بالكلّيّة، فإذا أثبتنا بقاء العلقة السّابقة زال الشّكّ وعلمنا تعبّداً بعدم بقاء ملكيّة المالك الثّاني، فالاستصحاب السّببيّ حاكم على الاستصحاب المسبّبيّ.

والشّاهد على هذه السّببيّة أنّه لو علمنا بزوال علقة المالك الأوّل بالكلّيّة لعلمنا بعدم تأثير الفسخ وأنّه لغو، فلا يكون عندنا شكّ في بقاء ملكيّة الثّاني بعد صدور الفسخ، ولا حاجة لاستصحاب بقاء ملكيّة الثّاني لعدم الشّكّ في البقاء، وكذا لو علمنا ببقاء علقة المالك الأوّل بحيث يكون له حقّ استرداد ملكه، فإنّنا سنعلم بزوال ملكيّة الثّاني لو صدر الفسخ من المالك الأوّل، فلا معنى لجريان استصحاب بقاء ملكيّة الثّاني للعلم بارتفاعها، وهذا يعني أنّ الشّكّ في بقاء ملكيّة الثّاني كالمشتري مسبّب عن الشّكّ في بقاء علقة المالك الأوّل كالبائع مع ماله، وقد قرّر في الأصول أنّ الاستصحاب في السّبب حاكم على الاستصحاب في المسبّب، وبالتّالي استصحاب بقاء علقة المالك الأصليّ -كالبائع- مع ماله -المبيع- مقدّم على استصحاب بقاء ملكيّة الثّاني -كالمشتري- للمبيع بالحكومة.

وهنا جوابان عن هذا الإشكال: الجواب الأوّل: ما أشار الشّيخ الأعظم بقوله: >ورُدّ بأنّه: إن أُريد بقاء علاقة الملك أو علاقةٍ تتفرّع على الملك، فلا ريب‌ في زوالها بزوال الملك.

وإن أُريد بها سلطنة إعادة العين في ملكه، فهذه علاقة يستحيل اجتماعها مع الملك، وإنّما تحدث بعد زوال الملك لدلالة دليلٍ؛ فإذا فقد الدّليل فالأصل عدمها.

 وإن أُريد بها العلاقة الّتي كانت في مجلس البيع، فإنّها تستصحب عند الشّكّ، فيصير الأصل في البيع بقاء الخيار، كما يقال: الأصل في الهبة بقاء جوازها بعد التّصرّف، في مقابل من جعلها لازمةً بالتّصرّف، ففيه مع عدم جريانه فيما لا خيار فيه في المجلس، بل مطلقاً بناءً على أنّ الواجب هنا الرّجوع في زمان الشّكّ إلى عموم (أَوْفُوا ) لا الاستصحاب-: أنّه لا يجدي بعد تواتر الأخبار بانقطاع الخيار مع الافتراق، فيبقى ذلك الاستصحاب سليمًا عن الحاكم<([7]). وبيانه: بأنّ علقة المالك الأوّل لا تخلو من احتمالات كلّها لا يتمّ فيها الاستصحاب: الاحتمال الأوّل: أن يراد علاقة المالك بملكه الموجبة لترتيب لوازم الملكيّة وهي السّلطنة.

وهذه العلقة يُعلم بزوالها بمجرّد وجود العقد النّاقل، فإنّ البائع تزول سلطنته الموجبة لترتيب آثار الملكيّة كالنّقل والانتقال بعد صدور العقد النّاقل منه.

 فإن قلتَ: إنّ المستصحب هو علقة الملكيّة أو السّلطنة بلحاظ وجود مرتبتين فيها: ضعيفة وشديدة، وبعد صدور البيع نعلم بزوال المرتبة الشّديدة ولكن نشكّ في بقاء المرتبة الضّعيفة فنستصحب بقاءها، ويترتّب على ذلك نفوذ الفسخ وعود المال إلى مالكه الأصليّ. قلتُ:

 أوّلاً: لا نسلّم وجود مراتب للملكيّة الاعتباريّة، نعم قد نسلّم وجود أنحاء للاختصاص كالإباحة المطلقة والإباحة اللازمة بالشّرط والحقّ والملك، وكذا الملك تارة يكون حقيقيّاً وأخرى اعتباريّاً، أمّا دعوى وجود مراتب للملكيّة الاعتباريّة فغير مسلّمة، ولا شواهد عقلائيّة على ثبوتها لو سلّمنا معقوليّة المراتب في الاعتباريّات.

ثانياً: لا مجال لهذا الاستصحاب؛ وذلك لأنّ السّبب النّاقل كالبيع قاطع لملكيّة الأوّل ومزيل لآثارها أيضاً؛ ضرورة أنّ حقيقة البيع -مثلاً- نقل العين وتمليكها وتبديلها بالعوض، والمراد نقل حقيقة الملكيّة الاعتباريّة، لا مرتبة منها، وبعد اليقين بزوال الملكيّة وآثارها لا معنى للاستصحاب المتقوّم بالشّكّ في البقاء([8]). الاحتمال الثّاني: أنّ المراد بالعلقة المراد استصحابها هو سلطنة إعادة العين في ملك المالك الأصليّ، وهذه العلقة لا يقين بحدوثها، بل اليقين على عدمها حين كونه مالكاً للمال؛ إذ السّلطنة الفعليّة على إعادة المال لملكه المتوقّفة على خروج المال عن ملكه لا يجتمع مع ملكيّته الفعليّة للمال، وبعد انتقال المال من ملكه يشكّ في حدوثها فالجاري عدمها.

الاحتمال الثّالث: المراد من العلقة هو حقّ الفسخ الثّابت في كلّ بيع ما دام المتبايعان لم يفترقا عن المجلس، فيشكّ في ثبوت السّلطنة على الفسخ بعد الافتراق، فالجاري استصحابها ويترتّب عليها أثرها وهو نفوذ الفسخ.

ويلاحظ عليه:

 أوّلاً: أنّه أخصّ من المدعى؛ لاختصاص خيار المجلس بالبيع مع أنّ البحث عامّ لمطلق العقود، بل هو خاصّ أيضاً ببعض أفراد البيع؛ إذ بعض أفرادها لا يثبت فيه خيار المجلس.

 ثانياً: المقام من موارد دوران الأمر بين التّمسّك بعموم العامّ، مثل: (أوفوا بالعقود)، وبين استصحاب حكم الخاصّ وهو بقاء الخيار، والمرجع في مثل ذلك الى عموم العامّ؛ إذ المعاملة مشمولة لعموم الآية، وقد خرج عنه زمان المجلس بمقتضى >البيّعان بالخيار ما لم يفترقا<، وبعد الافتراق شُكّ في بقاء حقّ السّلطنة على الفسخ، وبالتّالي نشكّ في تخصيصٍ زائد لعموم العامّ، والمرجع عند الشّكّ في التّخصيص الزّائد هو أصالة العموم. وقد يتأمّل في هذا الجواب من جهة أنّ بحثنا في قيام الأصل العمليّ على أصالة اللزوم فالرّجوع إلى دليل (أوفوا بالعقود) خروج عن محلّ البحث.

 ثالثاً: دلّت الأخبار على انقطاع الخيار بالافتراق، فلا شكّ في بقاء حقّ السّلطنة على الفسخ الثّابت في زمن الخيار حتّى نستصحبه. الجواب الثّاني: أنّ المورد ليس من الموارد الّتي يكون فيها الاستصحاب السّببي حاكماً على الاستصحاب المسبّبي؛ وذلك لاختصاص الحكومة بمورد السّببية الشّرعيّة، وإلّا يكون المورد من الأصل المثبت، وفي مقامنا لا توجد سببيّة شرعيّة بين بقاء علقة المالك الأصليّ بملكه، وبين عدم ملكيّة المالك الثّاني للعين، نعم قد يوجد تلازم عقليّ بينهما، ولكن جريان الاستصحاب في موارد التّلازم غير الشّرعيّ من باب الأصل المثبت.

 الإشكال الرّابع: ما ذكره الآخوند ([9]) في حاشيته على المكاسب. وحاصله: أنّ المورد من باب الاستصحاب مع الشّك في المقتضي؛ لأنّ الشّك في بقاء الملك وعدم بقائه ناشئ عن الشّكّ في أنّ الملكيّة الّتي جُعلت بعد البيع، هل هي تقتضي البقاء وإن حصل فسخ أو لا اقتضاء فيها للبقاء بعد تحقّق الفسخ؟، وحيث إنّ الشّيخ الأعظم وتبعه المحقّق النّائيني لا يرى جريان الاستصحاب عند الشك في المقتضي، فبناء على هذا المبنى لا يجري استصحاب الملكيّة في المقام.

 ويلاحظ عليه: أنّ موردنا ليس من باب الشّكّ في المقتضي؛ لأنّ المقصود بالشّكّ في المقتضي هو الشّكّ النّاشئ عن احتمال زوال المجعول بنفس مضي الزّمن، أي: في حدّ ذاته ليس له استعداد البقاء، كما في خيار الغبن فإنّه إذا شُكّ أنّ خيار الغبن فوريّ أو ليس بفوريّ؟ فاستصحاب خيار الغبن لما بعد الزّمان الأوّل استصحاب مع الشّكّ في المقتضي؛ لأنّه لا يحرز بقاء خيار الغبن مع مرور الزّمن، أو كما إذا شكّ في بقاء وجوب ردّ السّلام حتّى بعد ذهاب الفوريّة العرفيّة؛ فإنّ استصحاب وجوب ردّ السّلام بعد الآن الأوّل يعبّر عنه بأنّه استصحاب مع الشّكّ في المقتضي.

 فالمقصود بموارد الشّكّ في المقتضي هو ما إذا كان المجعول الشّرعيّ ممّا يحتمل زواله بنفس الزّمن، وأمّا إذا لم يحتمل زواله بالزّمن وإنّما احتمل زواله بسبب آخر فهذا ليس من موارد الشّكّ في المقتضي، بل من موارد الشّكّ في الرّافع، فإذا شككنا في أنّ النّجاسة هل تزول بغسلة واحدة أم لا؟ فهذا شكّ في الرّافع وليس شكّاً في المقتضي، وكذلك إذا شككنا في المقام في أنّ الملكيّة هل تزول بالفسخ، أم لا؟ فهذا من موارد الشّكّ في الرّافع وليس من موارد الشّكّ في المقتضي؛ لأنّنا لا نحتمل أنّ الملكيّة تنتهي وتنقضي بمجرّد مرور الزّمن، وإنّما ما نحتمله زوالها بعمل كالفسخ والبيع وأمثال ذلك.

 فالمورد ليس من موارد الشّكّ في المقتضي وإنّما هو من موارد الشّكّ في الرّافع فيجري الاستصحاب بلا إشكال. وإن شئت قلت: إنّ الأحكام المجعولة على ثلاثة أقسام:

 1-ما يكون معلوم الدّوام في نفسه ما لم يطرأ عليه رافع، كالملكيّة والزّوجيّة‌ والطّهارة والنّجاسة وغيرها من الأمور الاعتباريّة، فإنّها بنفسها مقتضٍ للبقاء ما لم يطرأ عليه رافع.

 2-ما يكون مغيّاً بغاية معيّنة بحيث ينعدم ذلك بنفسه بعد حصول تلك الغاية، من غير أن يكون له استعداد البقاء في عمود الزّمان، كالزّوجيّة المنقطعة، فإنّ ذلك ينصرم بنفسه بعد تحقق غايته بلا استناد إلى عروض عارض له. 3- ما يكون مشكوك الغاية، كما إذا تحقّقت زوجيّة بين رجل وامرأة، ولم يعلم كونها دائميّة أو منقطعة([10]). أمّا القسم الأوّل فلا شبهة في أنّ الشّكّ في بقائه من قبيل الشّكّ في الرّافع، فيجري فيه الاستصحاب على مسلك الشّيخ الأعظم وغيره.

 وأمّا القسم الثّالث فلا شبهة في أنّ الشّكّ فيه من قبيل الشّكّ في المقتضى، فلا يجري فيه الاستصحاب على مسلك الشّيخ ؛ لأنّ المتيقّن إذا لم يكن بنفسه مقتضياً للبقاء وقابلاً للجري العمليّ على طبقه، لاحتمال كونه محدوداً بحدّ معيّن لم يكن عدم ترتيب الآثار عليه عند الشّكّ في بقائه من مصاديق نقض اليقين بالشّكّ.

 وأمّا القسم الثّاني فمع العلم بتحقّق الغاية لا مجال لأنْ يجري فيه الاستصحاب. كما أنّه لا شبهة في جريان الاستصحاب فيه مع الشّكّ في بقائه قبل تحقّق الغاية؛ لأنّ ذلك من موارد الشّكّ في الرّافع.

 وإذا شكّ في حصول الغاية فحينئذٍ قد يكون الشّكّ فيه من ناحية الشّبهة الحكميّة، كالشّكّ في أنّ الغاية لوجوب صلاتي المغرب والعشاء هل هي نصف الليل أم هي طلوع الفجر، وقد يكون الشّكّ في ذلك من ناحية الشبهة المفهوميّة، كالشّكّ في أنّ الغروب الّذي جعل غاية لوجوب صلاتي الظّهر والعصر، هل هو استتار القرص أم هو ذهاب الحمرة المشرقيّة.

 وقد يكون الشّكّ في ذلك من ناحية الشّبهة الموضوعيّة كالشّكّ في طلوع الشّمس الّذي جعل غاية لوجوب صلاة الصّبح. أمّا القسمان الأوّلان فالشّك في موردهما من الشّكّ في المقتضى فلا يجري فيهما الاستصحاب على مسلك الشّيخ .

 وأمّا الثّالث فلا شبهة في جريان الاستصحاب فيه؛ لأنّ الشّكّ في طلوع الشّمس وعدمه وإن لم يكن شكًّا في الرّافع حقيقة؛ إذ الرّافع إنّما يكون زمانيًّا، لا نفس الزّمان ولكنّه بمنزلة الرّافع في أنظار أهل العرف.

 وإذن فيكون ذلك مشمولًا لأدلة حجّيّة الاستصحاب. الإشكال الخامس: ما أشار له الشّيخ الأعظم ([11]) من كون المورد من باب استصحاب الكلّيّ من القسم الثّاني، فبناء على عدم جريانه لا يصحّ استصحاب الملكيّة الثّابتة للمشتري حين العقد.

 بيانه: أنّه بناء على عدم جريان استصحاب الكلّيّ من القسم الثّاني لا يجري استصحاب الملكيّة؛ وذلك لأنّ القسم الثّاني من أقسام استصحاب الكلّيّ هو ما إذا كان المستصحب كلّيّاً وكان منشأ الشّكّ في بقائه تردّد الفرد الّذي تحقّق الكلّيّ في ضمنه بين فرد مقطوع الارتفاع وفرد مقطوع البقاء، كما إذا عُلِم بتحقّق حدث ووضوء بعده، فإن كان الحدث الّذي تحقّق من الحدث الأصغر فقد ارتفع قطعاً بالوضوء, وإن كان من الحدث الأكبر فهو باقٍ قطعاً, فاستصحاب كلّيّ الحدث بعد الوضوء مع تردّد الفرد بين مقطوع الارتفاع ومقطوع البقاء غير جارٍ عند جمعٍ من الأعلام؛ لأنّ المناط في جريان الاستصحاب الشّكّ في البقاء, ولا شكّ في البقاء، لدوران الفرد الحادث بين مقطوع الارتفاع ومقطوع البقاء، وهذا منطبق على محلّ كلامنا؛ فإنّ زيداً إذا باع داره من بكرٍ ثمّ فسخ زيدٌ البيع, فإنّ استصحاب الملكيّة -أيْ ملكيّة المشتري- ليس بجارٍ؛ لأنّ الملكيّة ذات فردين جائزة ولازمة، فإن كانت الملكيّة الّتي تحقّقت بهذا البيع هي الجائزة فقد ارتفعت قطعاً بالفسخ, وإن كانت هي اللازمة فهي باقية قطعاً, فالشّكّ في بقاء الملكيّة بعد فسخ البائع ناشئ من الشّكّ في الفرد, وهل هو الفرد الجائز أو اللازم؟ فإذا لم نقل باستصحاب القسم الثّاني من الكلّيّ لم يجرِ الاستصحاب في الملكيّة؛ لتردّدها بين فرد مقطوع الارتفاع وفرد مقطوع البقاء.

 وقد أجيب عن هذا الإيراد -مع غمض النّظر عن الجواب المبنائيّ، وهو القول بجريان الاستصحاب في القسم الثّاني من الكلّيّ- بوجهين: الوجه الأوّل: أنّ المورد ليس من استصحاب الكلّيّ أصلاً، بل هو من استصحاب الشّخص والفرد؛ وذلك لأنّ اللزوم والجواز ليسا نوعين من الملك؛ إذ ليس عندنا ملكيّة جائزة وأخرى لازمة كي يقال بأنّ الملك كلّيّ ذو فردين: فرد مقطوع الارتفاع وهو الملك الجائز, وفرد مقطوع البقاء وهو الملك اللازم، بل الجواز والملك حكمان شرعيّان للعقد نفسه لا للملكيّة المسبّبة عن العقد، فإنّ العقد الّذي هو سبب للملك، على نحوين فتارة يقبل الفسخ شرعاً, وتارة لا يقبله, فقابليّة العقد للفسخ وعدم قابليته حكمان شرعيّان موضوعهما العقد، ومن الواضح أنّ تعدّد حكم السّبب لا يستلزم تعدّد المسبّب وهو الملك، فالمسبّب عن العقد وهو الملك حقيقة واحدة، وإن كان السّبّب وهو العقد منقسماً لقسمين قسم قابل للفسخ شرعاً, وقسم ليس بقابل.

 نعم، لو كانت حقيقة السّبب متعدّدة بأن كان للعقد حقيقتان فحينئذٍ يمكن أن يقال بأنّ تعدّد حقيقة السّبب وهو العقد موجب لتعدّد حقيقة المسبّب وهي الملكيّة، أمّا إذا كان السّبب وهو العقد حقيقة واحدة أيضاً إلّا أنّ حكمه الشّرعيّ يختلف باختلاف الموارد؛ إذ تارة يحكم عليه الشّارع بقبوله للفسخ، وتارة يحكم بعدم قبوله، فهذا من التّعدّد في الحكم الشّرعيّ للسّبب، لا من التّعدّد في حقيقة السّبب، ولا من التّعدّد في حقيقة المسبّب.

 والنّتيجة: أنّه إذا كان المسبّب وهو الملكيّة حقيقة واحدة، فاستصحاب الملكيّة من استصحاب الفرد، وليس من استصحاب الكلّيّ كي يدخل في القسم الثّاني من أقسام استصحاب الكلّيّ.

 وإن شئتَ قلتَ: إنّ المستصحب أمر جزئيّ؛ إذ الملحوظ أمراً واحداً فارداً لا يتنوّع ولا يتقسّم إلى أقسام، كما لو استصحبنا طهارة هذا الثّوب؛ إذ استصحاب الكلّيّ متوقّف على وجود حقيقتين متباينتين عرفاً يلحظ الجامع بينهما، فاستصحاب الجزئيّ له موردان: المورد جزئيّ في حدّ نفسه كهذا الثّوب، أو يكون من الكلّيّ غير القابل للانقسام.

 وفي مقامنا افاد الشّيخ الأعظم : إنّ الملكيّة الّتي يراد استصحابها هي من الاعتبارات البسيطة الّتي لا تتنوّع ولا تتعدّد، ومقتضى ذلك أنّها لا تنقسم في نفسها إلى متزلزلة ولازمة، بل الملكيّة أمر اعتباريّ بسيط واحد فارد، وإنّما التّزلزل واللزوم من الأحكام الشّرعيّة المترتّبة على حصول الملكيّة، فالتّزلزل حكم شرعيّ مجعول من قبل الشّارع من قبيل الأحكام الوضعيّة، الّتي معناها أنّ استمرار العقد منوط بعدم الفسخ، وهذا حكم شرعيّ في رتبة متأخّرة على ذات الملكيّة، فنسبة الملكيّة لهذا الحكم -التّزلزل- نسبة الموضوع للحكم، وكذا اللزوم، فهو حكم شرعيّ وضعيّ مجعول على الملكيّة، مقتضاه استمرار العقد وعدم ارتفاعه حتّى بالفسخ.

 ومن الواضح أنّ الأحكام الشّرعيّة في رتبة متأخّرة عن ذات الموضوع، وما كان في رتبة متأخّرة لا معنى أن يكون منوّعاً ومقسّماً لما كان في رتبة متقدّمة، فالحكم لا يقسّم الموضوع، بل هو يعرض على الموضوع المتحقّق، فمثلاً: لا ينقسم أكل الميتة إلى ميتة محرّمة وميتة محلّلة، بل هي أمر حقيقة واحد، والحرمة والجواز إنّما هما من الأحكام الشّرعيّة الّتي لا تغيّر حقيقة الميتة، فهنا حقيقة واحدة وهي إضافة خاصّة بين الملك والمالك يقال له: “ملكيّة”، ولا تتعدّد حقيقة الملكيّة إلى لازمة ومتزلزلة.

 فإن قلتَ: إن كانت الملكيّة أمراً واحداً بسيطاً، فلماذا يتغيّر الحكم حينئذٍ؛ إذ تارة يحكم الشّارع عليها باللزوم وأخرى يحكم عليها بالجواز، فمقتضى كونها أمراً فارداً أن يكون الحكم فارداً واحداً، فتغيّر الحكم يكشف عن تغيّر الموضوع، وإلّا لو كان الموضوع واحدًا لكان الحكم واحداً.

 قلت: بأنّه يوجد عندنا سبب ومسبّب، فالسّبب هو العقد الموجب للملكيّة ككونه بيعاً أو صلحاً أو هبةً…إلخ، والمسبّب هو الملكيّة الحاصلة من هذا السّبب، والتّعدّد بلحاظ السّبب لا المسبّب، فالحكم الشّرعيّ من اللزوم والتّزلزل والجواز تعدّدَ بسبب تعدّد السّبب، فتارة يكون السّبب مقتضياً لأنْ يجعل الشّارع الجواز كالجعالة، والهبة غير المعوّضة، وأخرى يقتضي السّبب التّزلزل كالبيع الخياريّ، وأخرى يقتضي جعل اللزوم كالبيع مثلاً، فاختلاف الحكم ناشئ من اختلاف السّبب لاختلاف المسبّب، بل المسبّب الحاصل عن طريق هذه الأسباب المختلفة حاصل من أمر فارد واحد وهي الإضافة الخاصّة.

 واستدلّ الشّيخ الأعظم على أنّ الجواز واللزوم من أحكام السّبب لا من أحكام المسبّب بأنّه: لو كان الجواز واللزوم صفتين للملكيّة نفسها، لكان اتّصاف الملكيّة بالجواز أو اللزوم إمّا بجعلٍ من قبل البائع أو بجعل من قبل الشّارع، فهنا احتمالان كلاهما باطل: الاحتمال الأوّل: أنّ البائع عند إنشائه للبيع قصد إيجاد الملكيّة اللازمة، أو قصد إيجاد الملكيّة الجائزة، فالجواز واللزوم وصفان مجعولان من قبل البائع، فلازم ذلك أنّ المدار على قصد البائع، إن قصد الملكيّة الجائزة فالعقد جائز، وإن قصد الملكيّة اللازمة فالعقد لازم، مع أنّه واضح البطلان؛ إذ قد يقصد البائع الملكيّة اللازمة لكن الشّارع يحكم بقابليّة العقد للانفساخ لأجل خيار الغبن أو خيار العيب، وقد يكون العكس، فلا أثر لقصد البائع وعدمه.

 الاحتمال الثّاني: اتّصاف الملكيّة بالجواز واللزوم من قبل الشّارع لا من قبل البائع، بمعنى أنّ ما قصده البائع طبيعيّ الملكيّة إنّما الشّارع هو الّذي يحكم بأنّ ما حدث من الملكيّة هو الجائز أو اللازم، وهذا أيضاً باطل؛ إذ لازمه أن يكون إمضاء الشّارع على غير ما قصده المنشِئ، والعقود تابعة للقصود, فلا يحتمل أن يكون إمضاء الشّارع من حيث هو إمضاء على خلاف ما قصده المنشئ؛ إذ لا يكون إمضاء مع أنّه مغاير لما قصد هذا خلف كونه إمضاء.

 فإذا ثبت لنا أنّ اللزوم والجواز ليسا وصفين للملكيّة لا من قبل البائع ولا من قبل الشّارع، إذاً هما حكمان شرعيّان للعقد، واختلاف أحكام السّبب لا يوجب اختلاف المسبّب.

 قال الشّيخ الأعظم¤: >ودعوى: أنّ الثابت هو الملك المشترك بين المتزلزل والمستقرّ، والمفروض انتفاء الفرد الأوّل بعد الرّجوع، والفرد الثّاني كان مشكوك الحدوث من أوّل الأمر، فلا ينفع الاستصحاب مدفوعة مضافاً إلى إمكان دعوى كفاية تحقّق القدر المشترك في الاستصحاب، فتأمّل-: بأنّ انقسام الملك إلى المتزلزل والمستقرّ ليس باعتبار اختلاف في حقيقته، وإنّما هو باعتبار حكم الشّارع عليه في‌ بعض المقامات بالزّوال برجوع المالك الأصليّ.

 ومنشأ هذا الاختلاف اختلاف حقيقة السّبب المملّك، لا اختلاف حقيقة الملك. فجواز الرّجوع وعدمه من الأحكام الشّرعيّة للسّبب، لا من الخصوصيّات المأخوذة في المسبّب.

 ويدلّ عليه مع أنّه يكفي في الاستصحاب الشّكّ في أنّ اللزوم من خصوصيّات الملك أو من لوازم السّبب المملّك، ومع أنّ المحسوس بالوجدان أنّ إنشاء الملك في الهبة اللازمة وغيرها على نهج واحد-: أنّ اللزوم والجواز لوكانا من خصوصيّات الملك، فإمّا أن يكون تخصيص القدر المشترك بإحدى الخصوصيّتين بجعل المالك، أو بحكم الشّارع.

 فإن كان الأوّل، كان اللازم التّفصيل بين أقسام التّمليك المختلفة بحسب قصد الرّجوع، وقصد عدمه، أو عدم قصده، وهو بديهيّ البطلان؛ إذ لا تأثير لقصد المالك في الرّجوع وعدمه.

وإن كان الثّاني، لزم إمضاء الشّارع العقد على غير ما قصده المنشئ، وهو باطل في العقود؛ لما تقدّم أنّ العقود المصحّحة عند الشّارع تتبع القصود، وإن أمكن القول بالتّخلّف هنا في مسألة المعاطاة؛ بناءً على ما ذكرنا سابقاً انتصاراً للقائل بعدم الملك: من منع وجوب إمضاء المعاملات الفعليّة على طبق قصود المتعاطيين<([12]). الجواب الثّاني: أنّه يُحتمل أن تكون الملكيّة المتزلزلة والملكيّة المستقرّة فرداً واحداً لا فردين، ومجرّد الاحتمال يكفي لجريان استصحاب الملكيّة حتّى لو لم نقل بجريان الاستصحاب في القسم الثّاني من أقسام الكلّيّ؛ وذلك لأنّ مقتضى إطلاق دليل الاستصحاب وهو >لا تنقض اليقين بالشّكّ< شموله لكلّ مورد يشكّ فيه في البقاء, خرجنا عنه في فرض إحراز أنّ المورد من الكلّيّ من القسم الثّاني، فإذا أحرزنا أنّ المورد من الكلّيّ من القسم الثّاني كما في استصحاب كلّيّ الحدث بعد الوضوء لم يجرِ الاستصحاب، وأمّا إذا لم نُحرز أنّه من الكلّيّ فيكفينا في جريان الاستصحاب احتمال كون الملكيّة الجائزة واللازمة فرداً واحداً من الملكيّة، لا فردين بمقتضى إطلاق دليل الاستصحاب.

 وأُشكل عليه: بأنّه مع احتمال كون المورد من موارد القسم الثّاني من أقسام الكلّيّ فالتّمسّك بدليل الاستصحاب في نفسه تمسّك بالعامّ في الشّبهة المصداقيّة، نظير ما لو قال المولى: “أكرم كلّ عالم”، وقال في دليل آخر: “لا تكرم النّحويّ”، فإنّه يستفاد منه أنّ الموضوع للأمر بالإكرام العالم الّذي ليس بنحويّ، فإذا شُكّ في عالم أنّه نحويّ أم لا، فالتّمسّك بـ”أكرم كلّ عالم” تمسّك بالعام في الشّبهة المصداقيّة.

 والمقام من هذا القبيل؛ وذلك لأنّ اللزوم والجواز إن كانا صفتين لنفس الملك كان استصحاب الملك من استصحاب الكلّيّ، وهو خارج عن دليل الاستصحاب، وإن كان اللزوم والجواز صفتين شرعيّتين للسّبب المملّك وهو العقد، فيكون استصحاب الملك من استصحاب الفرد الدّاخل تحت دليل الاستصحاب، فإذا لم يحرز أحدهما وقع الشّكّ في أنّ المورد من الموارد الّتي يجري فيها الاستصحاب، أو من الموارد الّتي لا يجري فيها؟ فلا يجري دليل الاستصحاب؛ إذ مرجعه إلى الشّكّ في كون المورد مصداقًا لدليل الاستصحاب أم لا، فالتّمسّك بإطلاق الدّليل في مثله تمسّك بالعامّ في الشّبهة المصداقيّة، فما ذكره الشّيخ من الجواب عن أصل الإشكال وهو كفاية احتمال كونه من استصحاب الفرد في جريان الاستصحاب غير متين([13]). ولكن دافع المحقّق النّائينيّ والسّيّد الخوئيّ« عن كلام الشّيخ، وقالا بأنّه في المقام يكفي في جريان الاستصحاب احتمال كون استصحاب الملكيّة من استصحاب الفرد بوجهين: أوّلهما: ما ذكره المحقّق النّائينيّ أجاب المحقّق النّائينيّ في منية الطالب عن الإشكال بقوله: >أنّه بعد ما ظهر في وجه التّأمّل خروج هذا القسم من الكلّيّ من عموم (لا تنقص) عقلاً، فإذا شكّ في أنّ اللّزوم من خصوصيّات الملك حتّى لا يجري الاستصحاب، بناء على عدم جريانه في هذا النّحو من الكلّيّ، أو من لوازم السّبب الملك أيْ من الأحكام الشّرعيّة حتّى يجري، فيشكّ في أنّ المورد من موارد جريان الاستصحاب أو ليس مورداً له، وكلّ ما كان كذلك لا يجري فيه الاستصحاب للشّكّ في كون المورد من مصاديق العامّ، وهذا نظير اعتبار الاتّصال بين الشّكّ واليقين فإنّه إذا شكّ فيه لا يجري الاستصحاب، وحكمه حكم العلم بالانفصال هذا ملخّص ما يتوهّم في المقام.‌

 ودفعه واضح وحاصله: الفرق بين المخصّص اللّفظيّ والمخصّص اللّبيّ، والمخصّص في المقام لبّي؛ لأنّ عدم جريان الاستصحاب إنّما هو لاعتبار خروج عقد الحمل عن عقد الوضع عقلاً، لا لقصور في اللّفظ فإذا أحرز هذا المانع لا يمكن إجراء الاستصحاب، وأمّا إذا شكّ فيه فيؤخذ بالعموم، وليس من قبيل الشّكّ في الموضوع والشّبهة المصداقيّة.

 فالحقّ جريان الاستصحاب في مورد الشّكّ في أنّ اللّزوم من خصوصيّات الملك أو من لوازم السّبب المملّك<([14]). وبيان ذلك: أنّه قد تقرّر في علم الأصول أنّه إذا كان المخصّص للدّليل لبّيّ كحكم العقل، يقتصر في التّخصيص على الموارد المتيقّنة, كما إذا قال المولى: “اللهم العن كلّ أمويّ”, وحكم العقل من الخارج بأنّ المؤمن لا يحتمل لعنه من قِبل المعصوم، فإذا عُلم أنّ هذا الفرد أمويّ، وشكّ في أنّه مؤمن أو ليس بمؤمن، صحّ التّمسّك بعموم “اللهم العن كلّ أمويّ”؛ وذلك لأنّ المخصص هو حكم العقل بقبح لعن المؤمن، فبما أنّ المخصّص ليس دليلاً لفظيًّا وإنّما هو حكم العقل, والمفروض أنّ الأحكام العقليّة لا يتصوّر في موضوعها الإبهام, فلأجل ذلك لا يحكم العقل بقبح لعنه هو من أحرز كونه مؤمناً, أمّا مع الشّكّ في ذلك فلم يحرز حكم العقل به، فيندرج تحت العامّ.

 وبعبارة أخرى: الشّكّ في أنّ هذا الأمويّ مؤمن، أم لا؟ ليس شبهة مصداقيّة للدّليل بل هو شكّ في أصل التّخصيص؛ لأنّنا نشكّ في شمول العقل بقبح اللعن في مثله، فهو شكّ في دائرة المخصّص سعة وضيقاً، فيصحّ التّمسّك بالعامّ.

 وهنا أيضاً نقول مقتضى إطلاق دليل الاستصحاب >لا تنقض اليقين بالشّكّ< جريانه في كلّ مورد يشكّ فيه في البقاء، فإذا شككنا أنّ ملكيّة المشتري باقية بعد فسخ البائع، أم لا؟ فمقتضى إطلاق دليل الاستصحاب جريان استصحاب الملكيّة، ولكنّ العقل حكم بأنّه لو كان المستصحب كلّيّاً، ودار فرده الحادث بين فرد مقطوع الارتفاع وفرد مقطوع البقاء؛ فإنّه لا يجري الاستصحاب فيه لعدم تصوّر الشّكّ في البقاء، إذاً فما خرج عن عموم دليل الاستصحاب هو حكم العقل بعدم جريان الاستصحاب في الكلّيّ من القسم الثّاني، فبما أنّ المخصّص لعموم >لا تنقض اليقين بالشك< العقل، فيقتصر فيما خرج على الأفراد المتيقّنة، وهي ما أحرز كونها من الكلّيّ من القسم الثّاني، وأمّا في المشكوك في أنّها منه أو ليست منه، فهي مندرجة تحت دليل الاستصحاب؛ لأنّ مرجع الشّكّ إلى الشّكّ في سعة التّخصيص، باعتبار أنّ المخصّص حكم العقل, وحكم العقل لا يتصوّر الإبهام والتّردّد في موضوعه ومناطه، فلا محالة يكون الموضوع المحرز في الحكم العقليّ هو ما أحرز كونه كلّيّاً من القسم الثّاني، والمشكوك منه يندرج تحت دليل الاستصحاب.

 ولكنّ السّيّد الخوئيّ أشكل على ذلك بقوله: >إنّ هذه الكبرى الّتي أفادها وإن كانت مسلّمة في نفسها -على ما نقّحناه في علم الأصول-، ولكنّها لا تنطبق على ما نحن فيه، بداهة أنّ التّمسّك بالعامّ في الشّبهة المصداقيّة فيما إذا كان هناك فرد معلوم، ودار أمره بين دخوله في أفراد المخصّص، وعدم دخوله في ذلك من ناحية شبهة خارجيّة.

 كما إذا تردّدت اليد الموضوعة على مال النّاس بين كونها يد ضمان وكونها يد أمانة. وكالماء المردّد بين كونه معتصماً، وكونه غير معتصم وكالعامّ المردّد بين دخوله تحت الخاصّ ودخوله تحت العامّ، فإنّ أشباه هذه الأمثلة من صغريات التّمسّك بالعامّ في الشّبهة المصداقيّة. وأمّا إذا شكّ في صدق عنوان العامّ على فرد فهو ليس من موارد التّمسّك بالعامّ قطعاً.

 والمقام من هذا القبيل. والسّرّ في ذلك: أنّ قوام الاستصحاب إنّما هو باتّحاد القضيّة المتيقّنة مع القضيّة المشكوكة؛ لكي يكون رفع اليد عن اليقين السّابق من نقض اليقين بالشّكّ. ومن الظّاهر أنّ هذا المعنى لم يحرز في المقام؛ إذ بناء على المناقشة الأولى الّتي وجهوها على الاستصحاب الكلّيّ، كانت القضيّة المتيقّنة غير القضيّة المشكوكة.

 فإذا احتمل كون الاستصحاب من الاستصحاب الكلّيّ لم يمكن التّمسّك بأدلّة الاستصحاب، لعدم إحراز انطباق العنوان المأخوذ فيها على مورد الشّكّ<([15]). وحاصل ما أفاده : بأنّ الكبرى الّتي ذكرها النّائينيّ وهي أنّه إذا كان المخصّص حكم العقل فلا مانع من التّمسّك بالدّليل- تامّة كما قرّر في الأصول، ولكنّها لا تنطبق على محلّ كلامنا؛ فإنّ مورد هذه الكبرى ما إذا كان الفرد الخارجيّ معلوم الاندراج تحت العقل، نظير ما إذا قال: >على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي< وشككنا أنّ يد زيد على المال هل يد أمانة، أم لا؟ فحينئذٍ نحرز أنّ يد زيد على المال يدٌ ليست مالكة قطعاً، فيشملها عموم >على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي<، وما خرج عنها هو حكم العقل بأنّ اليد الأمينة خارجة عن هذا العموم، فإذا شُكّ في أنّ يد زيد يد مستأمنة أم ليست بمستأمنة يصحّ التّمسّك بعموم >على اليد…< باعتبار أنّ المخصّص حكم العقل، وحكم العقل موضوعه ما إذا أحرز كونها يد أمانة، وحيث لم يحرز يتمسّك بالعموم.

 أمّا في محلّ الكلام فالشّكّ في أصل صدق العامّ، وليس الشّكّ في موضوع حكم العقل؛ والسّرّ في ذلك أنّ قوام دليل الاستصحاب بحال القضيّة المتيقّنة والقضيّة المشكوكة، وهذا لم يحرز في المقام؛ إذ لو كان المستصحب هو الفرد لكانت القضيّة المتيقّنة والمشكوكة متّحدة، ولو كان المستصحب هو الكلّيّ، فلم يحرز اتّحاد المتيقّن والمشكوك؛ كي يجري بلحاظه الاستصحاب، فالتّمسّك بدليل الاستصحاب فيه تمسّك بالعامّ في الشّبهة المصداقيّة لنفس العامّ.

 ثانيهما: ما أفاده السّيّد الخوئيّ ([16]). وتوضيحه يحتاج إلى مقدمة وهي: أنّ المناقشات المتوجّهة على القسم الثّاني من أقسام الاستصحاب الكلّيّ وإن كانت كثيرة، ولكنّ المهمّ منها أمران:

 1-أنّ وجود الكلّيّ بوجود فرده، وعدم الكلّيّ بعدم فرده. وعليه فالكلّيّ في ضمن الحصّة الزّائلة مقطوع الزّوال، وهو في ضمن الحصّة الأخرى مشكوك فيه من أوّل الأمر، إذاً فالكلّيّ مردّد بين مقطوع الزّوال ومشكوك الحدوث.

 والجواب عن ذلك: أنّ وجود الكلّيّ ليس إلّا عين وجود فرده، غاية الأمر أنّ الفرد ملحوظ بشرط شي‌ء، والكلّيّ ملحوظ لا بشرط، أي: عارياً عن الخصوصيّات الفرديّة والمشخّصات الوجوديّة، وعليه: فإذا كان وجود الكلّيّ أمراً يقينيّاً، وكان التّردّد في‌ خصوصيّاته صحّ أن يقال: إنّه متيقّن الوجود، ويشكّ في بقائه؛ فتكون أركان الاستصحاب في نفس الكلّيّ تامّة.

 2- أنّ الشّكّ في بقاء الكلّيّ، وفيما هو القدر المشترك بين الفردين مسبّب عن الشك في حدوث الفرد، الّذي يبقى معه القدر المشترك على تقدير حدوثه.

 وإذا حكم بأصالة عدم حدوثه لزم منه ارتفاع القدر المشترك؛ بداهة أنّ الأصل السّببيّ حاكم على الأصل المسبّبيّ. والجواب عنه: أنّ الشّكّ في بقاء الكلّيّ وارتفاعه ليس مسبّباً عن الشّكّ في حدوث ذلك الفرد الّذي نشكّ في حدوثه، بل إنّما هو من لوازم كون الحادث ذلك الفرد الّذي لا يحتمل بقاؤه، أو الفرد الّذي لا يحتمل ارتفاعه، ومن الواضح أنّه ليس هنا أصل يعيّن أحدهما.

 ومثال ذلك: أنّه إذا تردّد الحدث الصّادر من المكلّف بين الأكبر والأصغر ثمّ توضّأ فإنّه حينئذٍ يشكّ في ارتفاع ذلك الحدث وبقائه. وعليه فلا يترتّب على أصالة عدم حدوث الأكبر ارتفاع كلّيّ الحدث، إلّا بضميمة القطع بأنّ الحادث هو الحدث الأصغر، ومن البيّن أنّ هذا لا يثبت بأصالة عدم حدوث الأكبر.

 وأضف إلى ذلك: أنّ أصالة عدم حدوث أيّ واحد من الفردين معارض بدواً بأصالة عدم حدوث الفرد الآخر، وتسقطان بالمعارضة، فيبقى استصحاب كلّيّ الحدث سليماً عن المعارض.

 وفي المقام استصحاب عدم الفرد اللازم من الملكيّة يعارض استصحاب عدم الفرد الجائز منها الّذي يرتفع بالفسخ، فيسقطان؛ للمعارضة، فيرجع إلى استصحاب نفس الكلّيّ الّذي هو متيقن سابقاً، ومشكوك فيه لاحقاً.

 فإذا اتّضح ذلك نقول: إنّه إذا قلنا بعدم جريان الاستصحاب في القسم الثّاني من الكلّيّ، وشككنا في أنّ الاستصحاب فيما نحن فيه هل هو من الاستصحاب الشّخصيّ‌؛ لكي يحكم بجريانه، أم هو من الاستصحاب الكلّيّ؛ لكي يحكم بعدم جريانه، فإن كان المانع عن جريان الاستصحاب في الكلّيّ هو المناقشة الأولى المتقدمة، أعني بها: تردّد الكلّيّ بين كونه في ضمن الفرد الّذي لا يحتمل بقاؤه، وبين كونه في ضمن الفرد الآخر الّذي هو مشكوك الحدوث من الأوّل، فلا يجري الاستصحاب هنا؛ لأنّه إذا خرج القسم الثّاني من الكلّيّ عن أدلّة الاستصحاب وشككنا في أنّ المورد من القبيل الخارج، أو من القبيل الباقي تحت العامّ، كان التّمسّك بعموم تلك الأدلّة تمسّكاً بالعموم في الشّبهة المصداقيّة، وهو لا يجوز.

 وإن كان المانع عن ذلك هو المناقشة الثّانية المتقدّمة، أعني بها: حكومة الأصل السّببيّ عليه، فلا مانع عن استصحاب الملكيّة؛ لأنّه إن كان الاستصحاب كليّاً فالمانع موجود: وهو الأصل الحاكم، وإن كان شخصيّاً فالمانع غير موجود.

 وحينئذٍ فيقع الشّكّ في وجود المانع عن استصحاب الملكيّة، وعدم وجوده، ومن البيّن الّذي لا ريب فيه، أنّه ما لم يحرز الأصل الحاكم لا مانع عن جريان الأصل المحكوم، فلا مانع عن استصحاب الملكيّة في المقام. وهذا هو مراد الشّيخ الأعظم من الجواب الثّاني؛ إذ الإيراد المهمّ على جريان الاستصحاب في القسم الثّاني من الكلّيّ هو الإيراد الثّاني.

 ومن هنا يتّضح تماميّة التّقريب الثّاني لإثبات لزوم العقد عند الشّكّ على نحو الشّبهة الحكميّة بناء على جريان الاستصحاب فيه الشّبهات الحكميّة.

 ثمّ إنّه يظهر من كلمات الشّيخ الأعظم ([17]) التّفصيل في جريان الاستصحاب بين حالتين، فتارة يكون أثر العقد منجّزاً، كالتّمليك أو التّسليط كما في موارد البيع والصّلح، وتارة يكون أثره معلّقاً كعقد السّبق والرّماية والوصيّة -بناء على كونها عقداً- فالملكيّة مترتّبة على حصول المسابقة في السّبق، وفي الوصيّة على الموت، ففي الحالة الأولى يجري استصحاب بقاء الأثر لحصوله بمجرّد العقد، أمّا في الحالة الثّانية لا يوجد أثر بمجرّد العقد حتّى يستصحب، بل الجاري استصحاب بقاء ملكيّة صاحب المال الثّابت قبل تحقّق السّبق أو الموت.

 وقد ناقشه بعض الأعلام’، وحاصل ما أفاده: أنّه لا فرق بين العقد ذي الأثر المنجّز، وبين العقد ذي الأثر المعلّق في جريان الاستصحاب، وذلك؛ لأنّه بعد صدور العقد من الطّرفين يوجد اعتبار من الشّارع للنّفوذ، فعندما أوصى الموصي قبل الموت بالتّمليك بعده في الوصيّة التّمليكيّة، فهو قد اعتبر الملكيّة بعد الموت، بحيث يكون الاعتبار فعليّاً والمعتبر استقباليّاً، وفي عقد المسابقة التزم الطّرفان بأنّه من سبق فله المال، وهذا الالتزام فعليّ، ولكن متعلّقه -أيّ الملكية- استقباليّ، فلو تحقّق الفسخ من أحدهما فيشكّ في بقاء حكم الشّارع واعتباره المتعلّق بعقد الوصيّة والسّبق فيستصحب بقاء الأثر الشّرعيّ، فالمستصحب ليس نفس الملكيّة حتّى يقال هي غير موجودة حين تحقّق العقد، بل المستصحب اعتبار الشّارع وإمضاؤه؛ لالتزام الطّرفين بتمليك الآخر المال بعد المسابقة أو الموت([18]). ويضاف لذلك: ما ذكره المحقّق الإيروانيّ وسيّد العروة«([19])، من جريان الاستصحاب التّعليقيّ -الّذي يقبله الشّيخ الأعظم في أصوله – في الأثر الشّرعيّ-لا في العقد أو الالتزام الّذي هو أمر تنجيزيّ- كالملكيّة، فعندنا يقين سابق بثبوت الملكيّة للموصى له على تقدير موت الموصي، وبعد تحقّق الفسخ نشكّ في بقاء هذه القضيّة التّعليقيّة، فتستصحبها لما بعد الفسخ.

 ومن مجموع ما ذكرنا يتّضح أنّ هناك ثلاثة اتّجاهات في مقتضى الأصل العمليّ عند الشّكّ في اللزوم على نحو الشّبهة الحكميّة: المسلك الأوّل: جريان الاستصحاب في الأثر الشّرعيّ، ونتيجة ذلك عدم تأثير الفسخ واللزوم، وهو مسلك المشهور.

 المسلك الثّاني: أنّ الأصل يقتضي عدم اللزوم، وهذا ما يظهر من كلمات العلّامة ([20]). المسلك الثّالث: التّفصيل بين العقد ذي الأثر المنجّز، وبين العقد ذي الأثر المعلّق، فالأصل في الأوّل نتيجته اللزوم بينما في الثّاني الأصل نتيجته عدم اللزوم وتأثير الفسخ، وهذا ما يظهر من الشّيخ الأعظم .

 واتّضح أنّ الصّحيح ما عليه المشهور، وهو جريان الاستصحاب في الأثر الشّرعيّ.

المصادر والمراجع

  •  ([1]) بغية الرّاغب في مباني المكاسب، تقرير لأبحاث الشيخ الوحيد الخراساني، ج1، ص139.
  • ([2]) مصباح الأصول، السيد الخوئي، ج3 ص20-22، بحوث في علم الأصول، السيد  الشاهرودي، ج6، ص25-30.
  • ([3]) المعروف في كلمات السيد الخوئي قده المعارضة المذكورة، ولكنّه في كتاب القضاء والشّهادات تقرير الشّيخ محمّد الجواهريّ حفظه الله ص186 اختار حكومة استصحاب عدم الجعل الزّائد على بقاء المجعول.
  • ([4]) أفاده سيّدنا الأستاذ العلّامة السّيّد منير الخباز (حفظه الله) في بحث فقه العقود (غير مطبوع).
  • ([5]) نقله سيدنا الأستاذ العلّامة السّيّد منير الخباز (حفظه الله) عن أستاذه الشّيخ الميرزا جواد التّبريزيّ (رحمه الله) في بحث فقه العقود (غير مطبوع).
  • ([6]) كتاب المكاسب، الشيخ الأنصاري، ج‌5، ص 22.
  • ([7]) كتاب المكاسب، الشيخ الأنصاري، ج‌5 ص 22.  
  • ([8]) هدى الطّالب إلى شرح المكاسب، السيد جعفر الجزائري المروّج، ج9 ص251.
  • ([9]) حاشية الآخوند على المكاسب، ص13.
  • ([10]) مصباح الفقاهة (المكاسب)، السيد الخوئي، ج‌2، ص127.
  • ([11]) كتاب المكاسب، الشيخ الأنصاري، ج3، ص51.
  • ([12]) كتاب المكاسب، الشيخ الأنصاري، ج3، ص51.
  • ([13]) أفاده سيّدنا الأستاذ العلّامة السّيّد منير الخبّاز (حفظه الله ) في بحث فقه العقود (غير مطبوع).
  • ([14]) منية الطّالب في حاشية المكاسب، النائيني، ج‌1، ص61.
  • ([15]) مصباح الفقاهة، السيد الخوئي، ج2 ص132.
  • ([16]) مصباح الفقاهة، السيد الخوئي، ج‌2 ص 129.
  • ([17]) المصدر السّابق، ج5 ص23.
  • ([18]) بغية الرّاغب في مباني المكاسب، الشيخ الوحيد الخراساني، ج1، ص148.
  • ([19]) حاشية سيّد العروة، ج2، ص379، حاشية المحقّق الأيرواني، ج3، ص25.
  • ([20]) مختلف الشّيعة، العلامة الحلي، ج6، ص22 وص255.
المصدر
مجلة رسالة القلم

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى