ثقافة

النبي وحقيقة التشريع

هـل يمتلك الرسول الاكرم صلى الله عليه واله وسلم الحق في ان يضع مايراه من المصلحة على شكل قانون المسلمين حتى مع عدم نزول الوحي الالهي بشان تلك المسالة ؟.

لاشك في ان هذا الامر ليس محالا بشرط ان يمنحه اللّه تعالى مثل هذا الحق اي حق التشريع , و مفاد الكلام هنا هل وقع مثل هذا الامر, وهل تشهد الادلة النقلية على ذلك ام لا؟.

لـدينا الكثير من الروايات وبعضها صحيحة السند والبعض الاخر ضعيفة اذتقول: ان اللّه تبارك وتـعـالـى قـد فـوض الامر الى الرسول الاكرم صلى الله عليه واله وسلم والاوصيا من بعده والمراد من مسالة تفويض الامر هنا حق التشريع .

وقـد جـمع المرحوم الكليني الروايات المتعلقة بموضوع التفويض في الجزء الاول من اصول الـكافي , وصنفها في باب واحد, اذ ينقل في هذا الباب عشرة احاديث في هذا المجال , ومن جملة هذه الاحـاديـث نـقرا في حديث عن الامام الباقر والامام الصادق عليه السلام انما قالا: ان اللّه تبارك وتعالى فوض الى نبيه امر خلقه لينظر كيف طاعتهم , ثم تلى هذه الاية:﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ – الحشر – الآية – 7.

ونقرا في حديث آخر عن الامام الصادق عليه السلام:.ان اللّه عزوجل ادب نبيه على محبته فقال: وانك لعلى خلق عظيم , ثم فوض اليه فقال عزوجل: وما آتـاكـم الـرسـول فـخـذوه ومـا نـهـاكم عنه فانتهوا, وقال عزوجل: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ﴾- النساء – الآية – 80 . فـاذا الـقـرائن الموجودة في العبارات الواردة في هذا الحديث توضح بشكل جلي ما المراد من التفويض.

وقـد جـا فـي بعض هذه الروايات انه بعد هذا التفويض الالهي , مارس الرسول صلى الله عليه واله وسلم امر التشريع وشـرع بـعـض الـقـوانين , منها: ان اللّه تبارك وتعالى جعل الصلاة ركعتين واضاف الرسول صلى الله عليه واله وسلم ركعتين اخريين عليهما في صلوات الظهروالعصر والعشا, وركعة واحدة في المغرب , وتشريع الرسول صلى الله عليه واله وسلم هذا ملازم للفريضة الالهية والعمل به واجب , كما اضاف صلى الله عليه واله وسلم على ذلك 34 ركعة اخـرى اي ضـعف الفرائض بعنوان صلاة النوافل , واوجب اللّه تعالى صيام شهر رمضان المبارك , وقال الرسول صلى الله عليه واله وسلم باستحباب صيام شهر شعبان وثلاثة ايام من كل شهر.

ويـلاحـظ فـي احاديث اخرى واردة في امر تفويض التشريع الى الرسول صلى الله عليه واله وسلم ,نماذج اخرى من تشريعات الرسول صلى الله عليه واله وسلم.
وفيما يتعلق بالمراد من تفويض الامر هناك عدة احتمالات بخصوص هذه المسالة , منها:.

1 ـ تفويض امر التشريع للرسول صلى الله عليه واله وسلم كليا.
2 ـ تـشـريع جزئي في الموارد المحدودة , وفيها ان الرسول صلى الله عليه واله وسلم قام بتشريع بعض الاحكام قبل نزول الاحكام الالهية او بعدها, وامضاها اللّه تعالى.
3 ـ تفويض امر الحكومة والتدبير والسياسة وتربية النفوس والمحافظة على النظام.
4 ـ تـفـويض امر العطا والمنع فيعطي من بيت المال لمن يرى فيه الصلاح ,ويمنع من لا يرى فيه الصلاح .
5 ـ الـتفويض في بيان حقائق اسرار الاحكام , اي يبين للناس كل ما يرى فيه المصلحة من الاسرار والاحكام , ولا يفصح عن مالا يرى فيه المصلحة.

والـمعنى الثاني هو المستفاد من مجموع الروايات الواردة في باب التفويض , وهوان الرسول صلى الله عليه واله وسلم قـام بالتشريع في موارد محدودة باذن اللّه تعالى ولعلها لم تتجاوزحدود العشرة موارد, وان اللّه تـعالى قد امضى هذا الامر, وبعبارة اخرى , ان اللّه تبارك وتعالى قد اعطاه هذه الصلاحية في قيامه بالتشريع في بعض الموارد, ومن ثم امضاها اللّه تعالى.

ويستفاد ايضا من هذه الروايات وبشكل جيد, ان اللّه تبارك وتعالى , قد اعطاه هذا المقام لعدة اسباب:.
اولا: لكي يبين عظمة مقامه ومنزلته وبان تشريعاته من سنخ تشريعات اللّه تعالى.
والثاني: لكي يمتحن الناس ويرى مدى تسليمهم لاوامر النبي صلى الله عليه واله وسلم.
والثالث: ان اللّه تعالى قد ايده بروح القدس , واطلعه من خلال ذلك على اسرارالاحكام الالهية.

ومن خلال ماذكرنا, اعلاه تتضح لنا عدة امور
1 ـ يستفاد من مجموع روايات التفويض , ان اللّه تبارك وتعالى اعطى رسول الاسلام صلى الله عليه واله وسلم الولاية على التشريع اجمالا, لكي يمتحن طاعة الخلق من جهة ,ولتعظيم المقام الرفيع للرسول صلى الله عليه واله وسلم وبيان منزلته عند اللّه تعالى من جهة اخرى.

2 ـ ان هذا التفويض لا يتمتع بصفة الكلية والشمول , بل بتحقق في مواردمحدودة ومعدودة , ولهذا الـسـبب كان الرسول صلى الله عليه واله وسلم ينتظر نزول الوحي في الامورالمهمة التي كان المسلمون يسالونه فيها غـالبا, وهذا دليل على عدم شمول التفويض , والا لما دعت الضرورة الى ان ينتظر الرسول صلى الله عليه واله وسلم نزول الوحي , بل كان بمقدوره ان يشرع اي قانون يراه.

3 ـ هـذا المقام الرفيع اعطي له صلى الله عليه واله وسلم باذن اللّه تعالى , واضافة لذلك فان بعض القوانين التي شرعها الـرسـول صلى الله عليه واله وسلم , امـضاها اللّه سبحانه واقرها وبنا على ذلك فلادليل على تعدد الشارع والمشرع اطلاقا, بل ان تشريع النبي صلى الله عليه واله وسلم يعد ايضا فرعا من تشريع اللّه تعالى.

4 ـ هذا المقام الرفيع والسامي تحقق للنبي صلى الله عليه واله وسلم بعد النبوة و بعد ان صار مؤيدابروح القدس , وكان مـعـصـوما, ولم يطرا على فعله اي خطا او زلل , وبنا على ذلك فالذين لا يتمتعون بهذه الشروط لن تتحقق لهم مثل هذه المنزلة الرفيعة.

5 ـ بـالرغم من ان الائمة المعصومين عليه السلام كانوا مؤيدين بروح القدس , ولم يصدرعنهم اي خطا او انحراف اطلاقا, الا انهم لم يصدروا تشريعا جديدا, لانه بعد اكمال الدين واتمام النعمة الالهية , فان جـمـيـع الاحـكـام التي تحتاجها الامة الى يوم القيامة وطبقا للروايات الكثيرة التي قد تصل الى حد الـتـواتـر, قـد تـم تـشـريـعها ولم يبق مجال لاي تشريع جديد, وبناء على ذلك فان واجب الائمة الـمـعصومية عليه السلام اقتصر على توضيح وتبيين الاحكام التي وصلت اليهم عن الرسول الاكرم صلى الله عليه واله وسلم سواء بدون واسطة او بالواسطة .1


المصادر والمراجع

1-نفحات قرانية ج10ص60_63.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى