ثقافة

أنا في غاية الوحدة القسم الأول

مقدِّمة قال الإمام أمير المؤمنين عليُّ بن أبي طالب (عليه السلام): «صـاحـب هـذا الأمـر الـطَّـريـد! الـشَّـريـد! الـفـريـد! الـوحـيـد»(2). عزيزٌ قد نُسي، والعالم في انتظاره. شخصٌ يحيا بمفرده وحيداً. شخصٌ يحتاجه المجتمع البشريُّ كاحتياج خلايا البدن إلى القلب.

 جاء طبيباً من جهة إله العالم ليكون قرب المجتمع البشريِّ الملقى على السَّرير ليداويه، وينجيه من الغدد السَّرطانيَّة والموت.

 هل رأيت مريضاً ملقى على فراش المرض وقد غاب عن وعيه، وقد انتشرت الغدد السَّرطانيَّة في كلِّ بدنه، ويقذف الدِّماء من كلِّ جزءٍ من بدنه، وهو غائبٌ عن وعيه، ويهذي، ولكنَّه وهو في هذه الحالة، لا يعطي طبيبه الرَّحيم إلى الآن الإجازة لمداواته؟ فذهب هذا الطَّبيب الرَّحيم إلى إحدى زوايا الحجرة وقد بقي منتظراً. ساعةً واحدةً. يوماً واحداً. شهراً واحداً. سنةً واحدةً. عشر سنوات. قرناً واحداً، قرنين… لا. ينتظرنا ليل نهار: أكثر من أحد عشر قرناً ونصف القرن، على أنَّ قلبه ممتلئٌ من محبَّتنا، لكن لديه شكوى منَّا؛ فقلبه بحرٌ موَّاجٌ بالمحبَّة، بحيث أنَّك لو جلست قرب ساحله، لأصبحت منقاداً لتواصل قطرات دموعه التي تغسل عينه المغمومة كأمواج السَّاحل الهادئ، وترجع إلى باطن قلبه. لديه عويلٌ وبكاءٌ وغصصٌ مخزونةٌ بصدره… يبحث عن مواسٍ يشاركه البكاء… بكائه يجعل العرش في اهتزاز… بكائه يهزُّ القرآن… غمومه جعلت من عيون المؤمنين سحباً ممتلئةً من قطرات الدُّموع وفي هطول.

إلهي ماذا حصل ليكون حجَّتك، خليفتك وممثِّلك المعصوم، ووعدك الحتميُّ لموجودات العالم، والآتي لإصلاح العالم، الآن كجدِّه الغريب أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي كان يضع رأسه في البئر، ويحكي له آلامه.

 إن ما أُريدَ تبيانه في هذا المقال المقتضب هو مدى ظلامه إمام زماننا عزيز الزهراء الغائب أرواحنا فداه، ومدى وحدته وغربته وابتعادنا عنه وعن إجابة استغاثاته المدوية الذي ينادي فيها قلبه الجريح: هل من ناصر ينصرنا، هل من معين يعيننا، هل… وهو-هذا المقال- مقتطفات جُمعت بعد أن تُرجمت من كتاب “در أوج تنهايى” في منتهى الوحدة، للشيخ علي رضا نعمتي الأستاذ في الحوزة العلمية بقم المقدسة، وهو الحاوي لمضامين مهمة يحاكي فيها المؤلف الشعور الإنساني، يحاكي القلب، الوجدان، لكي يُحسسه ويُعلمه بواقع مولاه وسيده الذي يعيش في هذه الأيام بل في هذه اللحظات أقسى حالات الوحدة والهجران والغربة من محبيه.

 “اَللّهُمَّ هذا دينُكَ أصْبَحَ باكِياً لِفَقْدِ وَليِّكَ فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد وَعَجِّلْ فَرَجَ وَليِّكَ رَحْمَةً لِدينِكَ. اَللّهُمَّ وهذا كتابك أصْبَحَ باكِياً لِفَقْدِ وَليِّكَ فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد وَعَجِّلْ فَرَجَ وَليِّكَ رَحْمَةً لِكَتابِكَ. اَللّهُمَّ وَهذِهِ أعْيُنُ المُؤمِنينَ أصْبَحَتْ باكِيَةً لِفَقْدِ وَليِّكَ فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد وَعَجِّلْ فَرَجَ وَليِّكَ رَحْمَةً لِلْمُؤمِنينَ. اَللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد”.

 انطلاقة مضت سنين، لكنَّ غمومه لم تصل إلى نهايتها، وفي كلِّ يومٍ تُثقِلُ قلبه الرَّحيم المصائبُ الجديدة! عين عزيز الزَّهراء÷ موجَّهةٌ إلى الباب، إلى أن نرجع من سفر المعصية، ولا نقول بأنَّه غائب، فقد ذهبنا في سفر الغفلة وغِبنا عنه، ولا ندري به.

 كلُّ الألف ومائة وعدَّة سنوات -منذ أن بدأت الغيبة- في جهةٍ، وزماننا هذا في جهةٍ أخرى، تنزل به مصائب جديدة، فتُضاعِف غمومه.. عاش عشرات ومئات السِّنين وحيداً وفريداً، لكنَّ وحدته الآن في أشدِّ صورها بالنِّسبة إلى بقيَّة حياته.

هو يمضي حياته في “أوج الوحدة”! ألم يعلِّمنا الشُّهداء الأعزاء الدَّرس بأنَّ الحياة تعني الفداء بالرُّوح والمال لأجل الإمام صاحب الزَّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)؟ ألم يكتب الشُّهداء هذا الدَّرس بالدَّم؟ ألم يعلِّمونا أنَّ الفداء ليس فقط بالرُّوح والمال وبإعطاء البدن، بل فنُّ الرِّجال حين لا يكون من نصيبهم الشَّهادة بالبدن، أن يفدوا الإمام صاحب الزَّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) بالتَّعلُّقات القلبيَّة والأهواء النَّفسيَّة، وماء الوجه، والمقام، والمال؟ الإمام صاحب الزَّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) في هذا الزَّمان في أوج الوحدة، لأنَّنا بواسطة الانتصار والانقلاب الإسلاميِّ الكبير جالسون في فصل الإمام صاحب الزَّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، وحصلنا على علاماتٍ حسنة، وأخذنا درساً ممتازاً من الشُّهداء الغالين، لكن بعد ذلك انشغلنا بأمورنا، وظننَّا بأنَّ مُدرِّسنا العزيز ليس حاضراً في الفصل.

 قلنا هو غائب، وهذه حجَّةٌ وادِّعاءٌ حتَّى نلعب لعب الأطفال في الفصل! إذن عندما شُكِّلَ الفصل في زاوية المدرسة الكبيرة، وهي الكرة الأرضيَّة، أعني به فصل إيران بيد عناية معلِّمنا الكبير الإمام (قدِّس سرُّه) فقد سطر دروس أوج وحدته على اللوحة السوداء(3). لو لم يتواجد في هذه المدرسة أيُّ فصل، لن يكون الإنسان بهذا القدر في غصَّة، لأنّا سنقول أنَّ كلَّ النَّاس ذهبوا خلف الدُّنيا والمادِّيَّات، ولا يُنتظر منهم شيءٌ.

 لكن مع كلِّ هذا اللُّطف والعناية، وأنَّ الإمام صاحب الزَّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) يرانا نحن الشِّيعة لائقين ليقيم لنا هذا الفصل، لماذا الغفلة عنه بعد هذا؟ لماذا بعد اثنين وعشرين سنةٍ تقريباً على إقامة هذا الفصل(4)، نرى الشَّباب والرِّجال والنِّساء غافلين عن الإمام صاحب الزَّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، ولا يرونه موجوداً في حياتهم، ويظنُّون بأنَّه بقي الكثير على ظهوره؟ كما أنَّه:

  1. ليس لنا الحقُّ أن نعيِّن زماناً للظُّهور.

  2. وكذلك ليس لنا الحقُّ أن نربط الظُّهور المقدَّس بزمانٍ مستقبليٍ.

 ولنعلم بأنَّ هذين الأمرين خارجان عن الصِّراط المستقيم لأهل بيت العصمة والطَّهارة (عليهم السلام). نحن نعتقد بأنَّ الثورة الإسلامية كانت طلوع صبحٍ، على أفق الزَّمان المظلم، وزمان البُعد عن الله، وهو بشارة طلوع شمس جمال الإمامة الذي ينتظره كلُّ الأنبياء والأولياء  (عليهم السلام).

نحن بحركةٍ واحدةٍ ونحن متوحِّدين يكفي لنوجِّه الكرة الأرضيَّة نحو شمس الهداية، ونكون سبباً لظهور نوره المقدَّس على أفق العالم البعيد عن المعنويَّات، لماذا ضَعُفت هذه الحركة بالتَّدريج، ونسينا الشَّمس؟ بعد كلِّ هذه الألطاف والمحبَّة العجيبة، نسينا صاحب هذه النِّعم الإمام بقيَّة الله (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، كما أنَّنا نبذل السَّعي الحثيث في نشر الثَّقافة الواسعة لكن لا نبذله لأجل الإمام (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، نحن فقط نذكره في النِّصف من شعبان -لأجل ميلاده السَّعيد- وهو إحياءٌ لذكره بصورةٍ قليلةٍ أيضاً.

في غاية الوحدة في نهاية الوحدة… بأيِّ شيءٍ تذكِّرك هذه الكلمة؟ هل حدث لك إلى الآن أن كنت بين مجموعةٍ، والكلُّ لا يدير لك أيَّة أهمِّيَّةٍ أو يتوجَّه إليك؟ هل شعرت وأحسست بالغربة والوحدة في ذلك الوقت؟ عندما تحيا بين مجموعةٍ، وهي تعمل أعمالاً وأفعالاً خلاف توجُّهك، ألن تشعر بالوحدة؟ الآن إذا رأيت إنساناً كاملاً يحيا بين مجموعة أناسٍ تبلغ من العدد ستَّة مليارات شخص، وقد عرَّفه الله تعالى بواسطة أنبيائه العظام (عليهم السلام) إلى النَّاس، ليتَّبعوه، ويتَّجهوا بواسطته إلى السلام والسَّعادة والكمال الإنسانيِّ، والكلُّ يتَّجه إلى جهةٍ، وهو يتَّجه إلى جهةٍ أخرى، بأيِّ إحساسٍ سوف يشعر؟ ألن يشعر بالوحدة بمقدار وبعدد الستَّة مليارات شخص؟!! بهذا القدر هو وحيد، لدرجة أنَّ مجموعةً أنكرت وجوده، ومجموعةً رغم أنَّه حيٌّ تقول أنَّه لم يولد وسيولد في المستقبل، ومجموعةً لديها اعتقادٌ به لكنها متأثِّرةٌ بأكثر أهل الأرض وليس لديها توجُّهٌ والتفاتٌ له، وهذه هي نهاية الوحدة: … فقسمٌ من هؤلاء يقول بأنَّ الإمام صاحب الزَّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) لن يظهر الآن، لأنَّ العالم ليس متهيِّئاً ومستعدّاً. … وقسمٌ يقول اذهب وادعُ أن لا يأتي الإمام صاحب الزَّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، وإلا ماذا سيفعل معي ومعك؟!! … وقسمٌ يقول لا تذكر الإمام صاحب الزَّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) كثيراً، وإلا سيقولون لك أنت من أيِّ مجموعةٍ وفرقةٍ؟! … وقسمٌ يقول ليس لدينا لياقةٌ ومقدرةٌ على لقاء الإمام صاحب الزَّمان  (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، نحن عصاة، ليته لا يظهر الآن لأنَّنا لم نهذِّب أنفسنا ونصنعها.

 لماذا؟ لماذا أنا وأنت لهذه الدَّرجة نذكره بصورةٍ قليلةٍ، حتى يُقال هذا الكلام المتقدِّم عنه؟ لماذا لا نرفع ونطهِّر وجه التَّشيُّع الجميل من هذه الأفكار المتقدِّمة وأمثالها من الأذهان؟ لماذا جنودنا الفدائيُّون -فدائيُّو الإمام صاحب الزَّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)- يسمحون بأن يقال هذا الكلام حول محبوبهم، وأن يصبح منسيّاً؟ لماذا عُملت الثورة الإسلامية!! العَلم الذي رُفع في الجمهوريَّة الإسلاميَّة باسم الإمام صاحب الزَّمان – أرواحنا فداه- ولأجل استقباله، والقائم بها أعني الإمام الخميني (قدِّس سرُّه) الذي أوجد هذا الزِّلزال بواسطة الفيوضات الغيبيَّة، والعنايات اللانهائية للإمام بقيَّة الله – أرواحنا فداه-، هذه الرَّاية كانت جسماً بلا روح وما إن جاء الاسم المقدَّس لحجَّة الله -أرواحنا فداه- حتى رجعت الحركة والحياة إليها.

 أليس من افتخاراتنا أنَّ الإمام صاحب الزَّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) منَّا، ولا بدَّ علينا أن نُعرِّف الدُّنيا عليه؟ أليس من الواجب أن نُعرِّف عالم اليوم -عالم الفكر والعلم- على روح هذه الحركة؟ هل عملنا هذه الثَّورة حتى نصل إلى الخبز والقوت؟ هل بذلنا الدِّماء حتى نصل إلى اقتصادٍ له رونق؟ هل قدَّمنا جرحانا من أجل أن نقول للأعداء أهلاً وسهلاً؟ هل كلُّ هذا الفداء لغير استقبال الإمام وليِّ العصر -أرواحنا فداه-، ومن أجل شيءٍ آخرَ له قيمة؟ هل الإمام الرَّاحل (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) على أقلِّ تقديرٍ من سنة 1342 – هجري شمسي- حاملٌ لراية استقبال الإمام وليِّ العصر “أرواحنا فداه” -يعني راية الثَّورة والجمهوريَّة الإسلاميَّة- وتقبَّل أن يُعرِّض نفسه والملايين للشَّهادة إلا لأجل حفظ هذه الرَّاية؟ وهل له هدفٌ آخر غير استعداد العالم لاستقباله؟ يقول هذا العظيم (قدّس سرّه): “لا بدَّ أن يعلم مسؤولونا أنَّ الثورة ليست محدودة بإيران، ثورة شعب إيران هو نقطة بدء الثورة الكبرى في العالم الإسلاميِّ لراية الإمام الحجَّة -أرواحنا فداه -، حيث منَّ الله به على جميع المسلمين وأهل العالم وجعل ظهوره وفرجه في العصر الحاضر”(5).

 نحن نعتقد أنَّ الله المتعال بواسطة الإمام وليِّ العصر -أرواحنا فداه- جعلنا نحن الشِّيعة مورد كلِّ هذه العنايات الخاصَّة، ولم يسمح للأعداء بأن يمحونا من الوجود، وذلك من أجل أن يفهمنا، أنَّه يمكنكم أن تهيِّؤوا أرضيَّة الظُّهور والقيام العالميِّ الإماميِّ؛ حيث أنَّ كلَّ عالم الوجود؛ في انتظار الصُّلح والعدالة.

 أظهر الشِّيعة أنَّهم بواسطة فدائهم يستطيعون تحمُّل مسؤوليَّة ظهور الإمام صاحب الزَّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، فقد قدَّموا لأجل إثبات هذا الأمر إلى الآن عشرات الآلاف من الشُّهداء للإسلام.

 الآن لماذا نحن غافلون وأقلُّ شيءٍ عندنا هو الالتفات والتوجُّه للإمام صاحب العصر والزَّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)؟ أقلُّ سهمٍ ونصيبٍ مشاركةٌ في الأفلام حول الإمام صاحب الزَّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، وأقلُّ سهمٍ ونصيبٍ مشاركةٌ في التَّبليغات ونشر المعرفة، وأقلُّ سهمٍ ونصيبٍ مشاركةٌ في المؤتمرات، وأقلُّ سهمٍ ونصيبٍ توجُّهٌ للنَّاس، بل لا بدَّ أن يقال أنَّه في كثيرٍ من الموارد لا يوجد نصيبٌ وسهمٌ في مشاركةٍ يُذكر فيها.

 لماذا نحن الشِّيعة نتقبّل وسوسة وإلقاءات الشَّيطان الذي يلقيها بصورةٍ خفيَّة في قلوب النَّاس؛ أي أنَّنا عُصاةٌ وليس لدينا لياقةٌ له، وإذا جاء سوف يجازينا ويقتصُّ منَّا! إذا كان الشِّيعة تقبَّلوا هذا الكلام، ماذا سيكون تصوُّر أهل العالم لظهوره؟  تصوُّر أنهارٍ من الدِّماء، تصوُّر حروبٍ وخرابٍ ودمارٍ، تصوُّر… ولذلك وللأسف على هذا الأساس أنتج الأعداء فيلماً لتخريب صورة الإمام وليِّ العصر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) -باسم تنبُّؤات نوستر داموس- ونشروه في أرجاء الدُّنيا.

 ألا نعلم بأنَّ الشَّيطان صوَّر هذا الأمر، وقد صدَّقه حتى الأشخاص الطَّيِّبون ليطفئ شوق القلوب لظهوره ومجيئه؟! عندما يصدِّق عموم الشِّيعة هذا الكلام ويتصوَّروا من الإمام وليِّ العصر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) كلَّ هذه الخشونة والتَّخويف، سوف لن يدعوا من أعماق قلوبهم لفرج الإمام صاحب الزَّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، وسيقولون إن شاء الله يأتي ويظهر في زمانٍ لا نكون فيه، ولا نصاب بالخجل أمامه، بهذا التَّفكير لن يجري على لسانهم دعاءٌ يكون باعثاً لظهور بقيَّة الله -أرواحنا فداه-، وإذا جرى لن يكون من أعماق قلوبهم.

 النَّاس الآخرون -غير الشِّيعة والمسلمين- لا يوجد في تفكيرهم هذا الأمر أصلاً؛ حتى يدعوا لأجل ظهور الإمام وليِّ العصر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف).

الكثير من الشِّيعة مبتلون بنجاسة المعاصي، وقد ابتعدوا عن الإمام وليِّ العصر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) وسُلِبَ عنهم توفيق الدُّعاء والحركة نحو هذا العظيم.

هنا يحسُّ ويشعر الإمام صاحب الزَّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) بالغربة، حتى وهو بين الشِّيعة يرى نفسه وحيداً أيضاً.

 وحدة الإمام وليِّ العصر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) من جهة أنَّ الشِّيعةَ لديهم تصوُّراتٌ بعيدةٌ عن الواقع حوله.

 لدينا تصوُّراتٌ عن الإمام وليِّ العصر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) الكثير من النَّاس يعلمون فقط بأنَّ الإمام وليَّ العصر -أرواحنا فداه- هو إمامنا الثَّاني عشر، وقد غاب عن الأنظار، وفي أيِّ وقتٍ يريد الله إظهاره سيظهره، ولا يعلمون أيَّ شيءٍ آخر حوله، ومشغولون بالعمل وبحياتهم.

يفهم أولئك، وهم الذين من الممكن أن يشكِّلوا أكثر النَّاس، كلمة “غائبٍ عن الأنظار” أنَّ الإمام صاحب الزَّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) لا يمكن أن يُرى.

 أولئك ليس لديهم تصوُّرٌ واضحٌ عن غيبة الإمام وليِّ العصر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، ويتصوَّرون بأنَّ غيبته تعني عدم إمكانيَّة رؤيته، أو أنَّه في السَّماوات أو أمثال هذه الأمور.

مجموعةٌ وهي كبيرة أيضاً، تعتقد بأنَّ الإمام وليَّ العصر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) لن يكون ظهوره الآن، ومن الممكن  -والعياذ بالله- أن لا يظهر حتى بعد عشرة آلاف سنة.

البعض أيضاً بسبب خداع ووسوسة الشَّيطان -حيث أنه يتحدَّث بصورةٍ لطيفةٍ- يقول: أين نحن وأين الإمام صاحب الزَّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)؟ نحن ليس لدينا لياقة لقائه وو…. كلُّ هذه الأمور هي أغصانٌ فرعيَّةٌ لغصنٍ أصليٍّ، وكلُّها ترجع إلى نقطةٍ واحدةٍ، ونتيجتها هي أنَّه ليس للإمام صاحب الزَّمان  (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) في حياتنا العمليَّة والفعليَّة وجودٌ يستحقُّ أن يُذكر. الإنسان له عملٌ وحياة، والإمام صاحب الزَّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) محترمٌ جدّاً وفوق العين، لكن عندما يكون ظهوره بعد مائة سنة، ماذا سيكون تأثيره في حياتنا الآن؟ من الممكن أن تقول لا يوجد شخصٌ له هذا التفكير.

 أنا أقول صحيحٌ أنَّ الإمام وليَّ العصر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) من الاعتقادات ويدور على ألسنة النَّاس، وصعبٌ أن يقال هكذا، لكن هذه هي طريقة تفكيرهم بصورةٍ عمليَّةٍ.

 لو كان النَّاس يقبلون ويصدِّقون واقعاً أنَّ الإمام وليَّ العصر – روحي فداه – من الممكن أن يظهر في كلِّ صبحٍ وعصرٍ، يقيناً سوف يتغيَّر دوران حركتهم الفكريَّة والعمليَّة مائة وثمانين درجة، وما كانوا انعطفوا وتوجَّهوا إلى الدُّنيا والمادِّيَّات. عندما ينتظر قائدٌ من النَّاس أمراً، وهم متوجِّهون نحو ما يريدون، ويعملون وفق ما تميل له أنفسهم، فمن الطَّبيعيِّ أنَّه مهما ذكروه بكلِّ اسمٍ وذكرٍ جميلٍ ومحترمٍ وو… هو بصورةٍ عمليَّةٍ وحيدٌ، ويشعر بالغربة.

 والآن المجتمع الشَّيعي -بصورةٍ عامَّةٍ- هكذا، وليس لديه توجُّهٌ لما يحبُّه حضرة وليِّ العصر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) بصورةٍ كاملةٍ، وبصورةٍ عمليَّةٍ تركوه وحيداً، على أنَّهم يذكرون اسمه باحترامٍ وتعظيمٍ.

 لماذا لا ينادي النَّاس الإمام صاحب الزَّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)؟ عندما تكون مجموعةٌ محاصرةٌ بالسَّيل، والزَّلازل، أو عدوٍّ سفَّاكٍ للدِّماء، إلامَ سيكون توجُّهها بصورةٍ كبيرةٍ؟ ألن يتوجَّهوا بصورةٍ كاملةٍ ومائة بالمائة إلى قوى منجيةٍ؟ عندما تكون مجموعةٌ محاصرةٌ بالنَّار في بناء ألن تتوجَّه إلى قوى الإطفاء بصورةٍ كاملةٍ، وتنادي بكلِّ وجودها رجال الإطفاء؟ عندما تكون وسط أمواج البحر في حال الغرق ويمدُّ شخصٌ يده نحوك، ألن يكون كلُّ توجُّهك نحوه؟!! إذاً لماذا اليوم المجتمع البشريُّ حيث أكثر النَّاس في حال الغرق في أمواج الفساد المخيفة لا ينادون المنجي الإمام صاحب الزَّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)؟!! لماذا ترتفع ألسنة اللَّهب بالفساد وسفك الدِّماء والظُّلم والفقر والكذب وظهور الفتن والمشاكل في أكثر الأماكن من بناء المجتمع البشريِّ اليوم رغم ترقِّيه وعظمته، وقد أرسل الله لهم مأمور النَّجاة الإمام بقيَّة الله -أرواحنا فداه-، ولا ينادونه ولا يتوجَّهون إليه؟ لماذا أهل العالم الذين هم تحت حصار سيل الشَّهوات التي تجرفهم وتأخذ بهم إلى جهنَّم، ولا يتوجَّهون إلى منجي بني الإنسان، الذي بشَّر بظهوره الله الكبير بواسطة أنبيائه (عليهم السلام) الأعزَّاء مثل النَّبي عيسى (عليه السلام) والرَّسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله)؟ لماذا لا يعقدون جلساتٍ دوليَّةٍ لأجل معالجة آلام المجتمع البشريِّ بمعرفة الإمام وليِّ العصر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)؟ ولماذا لا يحقِّقون في طرق الوصول إلى الحكومة العالميَّة؟ ولماذا نحن الشِّيعة الذين لدينا اعتقادٌ به بصورةٍ أعمقَ وأدقَّ، ونحن نعتبر وجوده المقدَّس حيّاً وحاضراً بين البشر، لا نهيِّئ المقدِّمات لهذا الهدف المقدَّس؟ هل ينبغي علينا الجلوس إلى أن يظهر نور جماله في العالم، وبعد ذلك نصمِّم أن نعرِّفه لأهل العالم؟ لسان حال الإمام صاحب الزَّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) هل لا بدَّ أن نسمع لسان حال الإمام صاحب الزَّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) وهو يقول: أنت لم تعمل لي شيئاً، ولم تُعرِّفني إلى أهل الدُّنيا، لو تعرَّف عليَّ أهل الدُّنيا لطلبوني بالقلب والرُّوح؟ أنتم معتقدون بي، ووُضِع عليكم اسم شيعتي، وأنتم لا تتوجَّهون إليَّ، وأنا مثل جدِّي سيِّد الشُّهداء (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) في الدُّنيا، اليوم بقيت غريباً ووحيداً.

يوجد كلامٌ في كلِّ مكانٍ وعن كلِّ شيءٍ إلا عنِّي، على أنَّ الله أرسلني لأجل نجاة البشريَّة من طوفان الفساد وسيل الشَّهوات ونار الفتنة والاختلاف بين النَّاس حتى أُنجِّيهم وأنقذهم، لكن كلما مددت يدي نحو هؤلاء، فإنَّهم لا يضعون يدهم في يدي، ويُصرُّون على البقاء في الفساد. هل بقيت بمفردي وحيداً؟ لو لم أكن وحيداً لتحقَّق لي الظُّهور.

هذه هي نهاية وحدة الإمام وليِّ العصر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) بين الشِّيعة الذين لديهم إمكاناتٌ عظيمةٌ من النَّاحية الثَّقافيَّة والماليَّة، ولكن هذه القوى لا تنزل إلى ميدان العالم من أجل التَّعريف به.

 لو بقي الإمام صاحب الزَّمان – أرواحنا فداه – وحيداً فريداً بين أناسٍ لا يعتقدون به لم يكن عجيباًً.

ولو كان الإمام  (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) بين المسلمين الذين يعتقدون به بصورةٍ كليَّةٍ ويُنسى، أيضاً لم يكن عجيباًً.

 لكن عندما يكون مِنْ بين شيعته الذين يستطيعون أن يوجِّهوا أهل الدُّنيا نحوه، ونسوه، هذا الأمر هو العجيب، وهو حاكٍ عن عميق غربته ووحدته، كأبٍ رحيمٍ في منزله ويعيش الغربة.

عندما شاركت في مؤتمر كل زاهدان – 17- 1416هجري قمري – ذكرت هذه الحكاية العميقة، وأنا أفكِّر في نفسي، كيف نُسي الإمام وليُّ العصر – أرواحنا فداه – لهذه الدَّرجة وهو بيننا؟ فهكذا مؤتمر يُعقد بعد 18 سنة تقريباً بعد انتصار الثورة العظيمة التي قامت وتشكّلت باسمه. 

نعم لأنَّنا نحن الشِّيعة نحمل الرَّاية المقدَّسة للجمهوريَّة الإسلاميَّة التي هي باسمه (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)؛ لذلك يُنتظر منَّا أشياءٌ عظيمة.

 الانتظار هو في الثَّورة الثَّقافيَّة، في نشر المعرفة ونحن متَّحدون والكلُّ يدٌ واحدة -كما جاء في رسالة وليِّ العصر “أرواحنا فداه” للشَّيخ المفيد-(6)، وأن نطرح ونقدِّم الإمام وليَّ العصر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) للدُّنيا، وأن ندافع عن اسمه المقدَّس، ونعرِّف العالم على نور هدايته، وهذا شكرٌ للنَّجاة من زمان ظلم الشَّاه، والوصول للنِّعمة الكبيرة لحكومة الجمهوريَّة الإسلاميَّة وولاية الفقيه.

أذان صبح الظُّهور عندما لا يكون لدى المؤذِّن مكبِّر صوتٍ، من غير المنتظَر أن يصل صوته لتلك الجهة التي تبعد مائة متر، لكن عندما يكون لديه مكبِّر صوتٍ قويّ، أو شبكة راديو، يُنتظر منه أن يوصل صوته لكلِّ النَّاس.

 ذاك المؤذن الذي لدينا نحن الشِّيعة هو كلُّ هذه الإمكانات التي بين أيدينا وهي مكبِّرات الصَّوت، حتى نوصل صوت الإمام صاحب الزَّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) إلى كلِّ الدُّنيا، وقد جعلها بين أيدينا، وينتظر منَّا أن نوصل صوته المبارك لكلِّ الأماكن، وعلى الأقلِّ أن نعرِّف الشِّيعة على الإمام وليِّ العصر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) يوماً بعد يومٍ بصورةٍ أكثر.

نعم، اقترب ليل الجهل والظُّلم من آخره، وأصحاب القلوب المتيقِّظة، وأولئك الذين كانوا في ظلمات الغيبة الكبرى وينتظرون طلوع صبح علم المعنويات والعدالة والنُّورانيَّة، في صدد أن يوقظوا أهل العالم، مثل مؤذنٍ في يده مكبِّر صوت، لأجل طلوع شمس الهداية وظهور منجي آخر الزَّمان وبتأدية صلاة العبوديَّة وإطاعة الله وإبعاد الآلهة المصنوعة من أفكار ورغبات البشر التي تبرز الجهل، استيقظوا حتى لا يبقى مكانٌ مظلمٌ وبدون نورٍ في العالم، ليزول الظلم كاللَّيل بطلوع شمس منجي آخر الزَّمان من ساحة الحياة.

الإمام الرَّاحل الخميني (قدِّس سرُّه) مغموم مثلما ذكرت في كتاب “شمس الهداية” أنِّي رأيت في عالم الرُّؤيا: الإمام الرَّاحل (قدِّس سرُّه) في عالم البرزخ وهو يحمل راية استقبال وتشريف الإمام وليِّ العصر  – أرواحنا فداه –  – يعني النِّظام المقدَّس للجمهوريَّة الإسلاميَّة الإيرانيَّة – كان ينظر إلينا نحن الشِّيعة كيف نحفظ هذه الرَّاية، ونستعدُّ لاستقبال ظهور بقيَّة الله – أرواحنا فداه – وكان مغموماً لذلك.

ألا نعلم بأنَّ الهدف من تشكيل الحكومة الإسلاميَّة في زمان الغيبة الكبرى هو إعداد العالم لأجل ظهور الإمام وليِّ العصر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)؟ ألا ينبغي أن نلتفت إلى المطر والغيث النَّازل المملوء من البركة من محبَّة وأدعية الإمام صاحب الزَّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) المستمرَّة أكثر من عشرين سنة – الآن أكثر من واحد وثلاثين سنة-، وأن نسأل أنفسنا لماذا يُنزل الإمام وليُّ العصر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) كلَّ هذا اللُّطف والعناية؟ ألا ينبغي للمحلِّلين السياسيِّين لمذهبنا أن يوضِّحوا للنَّاس هذه الحقيقة أنَّ كلَّ هذا اللُّطف والمحبَّة لنا من جانبه هو لنعرِّف أهل العالم على منجيهم، ونهيِّئ الأرضية لظهوره الموفور بسروره؟ ألا نرى كيف حفظ دولتنا في مقابل حملة الأعداء الدُّوليَّة في الحرب العدوانيَّة؟ هل نسينا كيف أنَّه بواسطة دعائه احترق جنود أمريكا المعتدون في صحراء طبس؟ هل نسينا كيف قدَّم شبابنا الأعزَّاء أرواحهم الشَّريفة بعشقٍ فداء ساحة بقيَّة الله -أرواحنا فداه-؟ ألا نرى، ونشعر كيف أنَّ الإمام وليَّ العصر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) وسط كلِّ هذه الفتن وأمواج البلاء التي تجري من حولنا -يعني الشَّرق الأوسط- وهو يعمُّنا بالأمن والطَّمأنينة؟ ألم نسمع رسالة الإمام وليِّ العصر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) التي أرسلها إلى الشَّيخ المفيد – رضي الله عنه- حيث قال فيها: «إنَّا غير مهملين لمراعاتكم، ولا ناسين لذكركم، ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء واصطلمكم الأعداء…»(7)؟ إذاً لماذا هكذا نسينا الإمام وليَّ العصر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)؟ لماذا؟ لماذا بدل أن نتوجَّه إلى الرُّقي المعنويِّ والقرب من الإمام وليِّ العصر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، نتوجَّه أكثر إلى التَّقدُّم الاقتصاديِّ وننجذب إلى العالم المادِّيِّ ونراقبه، ونريد أن لا نتأخَّر عنهم فقط؟ هل هذه المراقبة بقيمة فقدان المعنويَّات وركنها في الأسفل؟ المسلم والشيعيُّ الحقيقيُّ لا بدَّ أن يتوجَّه إلى الدُّنيا وآخرته أيضاً(8).

نتصوَّر بأنَّ ظهوره ليس في هذا الزَّمان يفهم الذِّهن أمرين هما العلَّة الأصليَّة التي بسببها نسينا الإمام وليَّ العصر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف):

أحدها: أنَّنا نعتقد بأنَّ ظهوره لن يكون في هذا الزَّمان، ونراه بعيداً.

ثانياً: لم نصدِّق بأنَّ طلبنا وتوسُّلنا بالله لظهوره المقدَّس (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) بجدٍّ ونحن متَّحدون، هو سببٌ وباعثٌ على فرجه وقيامه. نضرب مثالاً: في زمان حكم البهلويِّ المنحوس كان كلُّ مكانٍ في هذا البلد تحت تسلُّطه الظَّالم، لم يظنّ أحدٌ من النَّاس بأنَّه سيأتي يومٌ تنهار فيه هذه الحكومة، ويعتبرونه بعيداً، ولا يصدِّقون أيضاً، أنَّهم لو اتَّحدوا، وعملوا على إسقاط هذه الحكومة، وطلبوا هذا الأمر سوف يوفَّقون للحصول عليه.

 لكن بمجرَّد أن أزال الله المتعال بعناية بقيَّة الله – أرواحنا فداه – وتوصيات الإمام الرَّاحل (قدِّس سرُّه) هاتين المشكلتين اللتين ذكرتا في الأعلى عن أذهان النَّاس، وصدَّق النَّاس:

 1. أنَّه من الممكن إسقاط هذه الحكومة في زماننا وإيجاد حكومة إسلاميَّة.

 2. باتحادنا نستطيع أن نصل لهذا المقصد والهدف.

 بدأ حركته وفي مدَّةٍ قصيرةٍ -سنة تقريباً- اقتلع جذور ظلم خمسين سنة، ورمى بها بعيداً، – على أنَّ ذلك كان بسبب مقدِّمات سنينٍ مضت -.

 مشكلتان على طريق نَّهضة الإمام (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) إلى الآن فإن هاتين المشكلتين موجودتان فوق طريق النَّهضة العالميَّة للإمام وليِّ العصر -أرواحنا فداه- في أذهاننا نحن الشِّيعة بصورةٍ عامَّةٍ -ليس في ذهن مجموعةٍ أصلحت أفكارها-:

 أحدها: أنَّنا لا نصدِّق بأنَّه من الممكن أن يكون الظُّهور في زماننا، ونراه بعيداً.

ثانياً: لم نصدِّق أنَّنا نستطيع بواسطة التوسُّل بالله المتعال ونحن متوحِّدون ومتَّحدون أن نطلب الظُّهور.

 طبعاً، لا بدَّ من الالتفات إلى أنَّ الدُّعاء من أجل الفرج لا بدَّ أن يكون مثل الدُّعاء لأجل انتصار الثّورة الإسلاميَّة، حيث كان الكلُّ متوحِّداً ويريد انتصار الثَّورة بالعمل والدُّعاء، ولم يتأسَّفوا على الفداء بالأرواح.

 ولذلك لا بدَّ من الدُّعاء الخالص من أجل فرج الإمام وليِّ العصر -أرواحنا فداه-، وأن نجعل الأقدام ثابتةً في ميدان العمل والحركة وأن تكون الحركة عظيمة، وأن نصبغ ثقافة عموم المجتمع بلون ورائحة التوجُّه إلى الإمام بقيَّة الله -أرواحنا فداه -، حتى يصدِّق ويعتقد الشِّيعة بأنَّ ظهور الإمام وليِّ العصر -أرواحنا فداه- يكون عند تثبيت قدمٍ واحدةٍ منهم، مثلما جاء في بعض الرِّوايات التي سوف نذكر إحداها الآن وهي بهذا المعنى.

 ظهور الإمام صاحب الزَّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) عند تثبيت قدمٍ واحدةٍ منَّا.

 يقول الإمام علي الهادي -صلوات الله عليه- في رواية: «إذا رُفِعَ عَلَمُكُم من بين أظهركم فتوقّعوا الفرج من تحت أقدامكم»(9). عندما يغيب إمام زمانكم – عَلَمُكُم – اعلموا أنَّ الفرج قريبٌ بمنزلة قرب الأرض التي أسفل أرجلكم بالنسبة لكم.

 بمعنى أنه مثلما أن الأرض التي أسفل أرجلكم هي أقرب شيءٍ لكم، لو تنظرون إليها، هكذا أيضاً لو توجَّهتم للإمام صاحب الزَّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) ولفرجه، ولم ترفعوا أعينكم عنه، والكلُّ مجتمعون ومتوحِّدون يطلبون فرجه، سيكون ظهوره قريباً. عندما يريد إنسان شيئاً، ويرتبط هذا الشَّيء بعمله وسعيه، سيكون وصوله إلى الهدف بحركة قدمٍ واحدةٍ منه، وظهور الإمام ولي العصر – أرواحنا فداه – من هذا القبيل.

 ظهوره في حركة قدمٍ واحدةٍ منَّا؛ لا بدَّ أن نطلب ظهور الحقِّ والعدالة بواسطته، ونعلن الجهوزية، على أنَّ الكثير في الوقت الحاضر لديهم خوفٌ من ظهور وليِّ العصر -أرواحنا فداه- والأسوء من كلِّ هذا، هو رضاهم على الوضع الفاسد الموجود.

 ظهور الإمام صاحب الزَّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) مثل “التَّوبة” الصَّادقة والنَّصوحة، حيث أنَّ توبة كلِّ شخصٍ في أوَّل حركة قدمٍ منه، ولا يوجد شخصٌ يستطيع أن يقول بقي الكثير حتى أتوب، وأترك طريق البعد عن الله والمعصية.

 هل الشَّخص الذي انحرف عن الجادَّة، وذهب لغير الطَّريق – مثل العصاة – عندما يلتفت أنَّه جاء إلى الطَّريق الخطأ، يستطيع أن يقول إلى الآن لديَّ الوقت وأنا في سعةٍ من الزَّمن، حتى أرجع للطَّريق الصَّحيح؟ هل من الصَّحيح أنَّ المجتمع الذي يعلم بأنَّه نسي الإمام صاحب الزَّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) وفي كل يومٍ يسير في هذا الطَّريق أكثر، أن يتقدَّم فيه؟ وهل من الصحيح أن يبقى قروناً في الابتعاد عن الطَّريق الإلهيِّ -يعني الإمام صاحب الزَّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)-، ويقول أيضاً إلى الآن لم يحن الوقت أن أرجع إلى الطَّريق، ولم يصِل الوقت أن أطلب ظهور وليِّ العصر -أرواحنا فداه-؟ ولذلك كما أن الشَّخص ليس له الحقُّ، أن يؤخِّر التَّوبة والرُّجوع والإنابة إلى الله، كذلك ليس للمجتمع الحقُّ أن يؤخِّر التَّوبة والرُّجوع الاجتماعيَّ نحو الله والذي هو طلب ظهور الإمام صاحب الزَّمان – أرواحنا فداه – وأن يحرم نفسه من التَّوبة والرُّجوع إلى قوانين الفضيلة والسَّعادة والحقِّ وحكومة منجي آخر الزَّمان.

 لماذا يبكي الدِّين؟ لماذا الدِّين في بكاء؟ بسبب غفلتنا نحن الشِّيعة عن الإمام وليِّ العصر -أرواحنا فداه-.

 بسبب نسياننا الإمام وليِّ العصر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف).

 بسبب اعتبارنا ظهوره بعيداً جدّاً.

 بسبب تصديقنا الحرب الإعلاميَّة ووساوس الشَّيطان حول الإمام وليِّ العصر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، بأنَّه سوف يأتي ويقتل كل العصاة.

 بسبب تصديقنا بأنَّنا أين نحن وأين الإمام وليُّ العصر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف).

 بسبب أنَّنا نحن الشِّيعة أعطينا أقل الأهميَّة لذكر الإمام صاحب الزَّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) وذكر اسمه.

 والخلاصة أنَّ القرآن في بكاء، والدِّين في بكاء، والمؤمنون الحقيقيُّون في عويلٍ، بسبب إعطائنا الشَّيطان الفرصة أن نقبل كلامه، وأنَّه إذا ذكر شخصٌ الإمام صاحب الزَّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) كثيراً فهو ليس بإنسان صالحٍ، ولا ينبغي أن يذكره بصورةٍ كثيرةٍ، وهكذا وبأيدينا جعلنا الإمام وليَّ العصر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) لا يُذكر، وينسى قائد عالم الإنسانيَّة العظيم.

 الدِّينُ يريد المنفِّذَ والمرشدَ هل رأيت عندما يفقد طفلٌ أباه، أو يضيِّعه كيف يصبح باكياً؟ الدِّين يطلب ويريد المنفِّذ والمرشد أيضاً؛ لأنَّ الدِّين هو مجموعة قوانين الله لأجل حياة الفرد والمجتمع البشريِّ، ومثل كلِّ القوانين، لا بدَّ لكي يُعمل بها من منفِّذٍ ومرشدٍ ومطبِّقٍ لقوانين الدِّين أي الإمام صاحب الزَّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف).

 عندما يكون الدِّين بدون الإمام صاحب الزَّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، مثل الطِّفل بدون مدبِّرٍ ومسؤولٍ يصبح باكياً، وكلُّ شخصٍ وبأيِّ شكلٍ تريده نفسه، وأهواؤه النفسية، سيستفيد منه.

 القرآن الكريم كلام الله، ولا بدَّ بوسيلة الإمام المعصوم من جانب الله من تفسير وتبيين حقائقه للنَّاس، حتى لا يفسِّر كلُّ شخصٍ الآيات بحسب منفعته ومصلحته، وتكون وسيلةً للوصول إلى الأهداف الشَّخصيَّة، وإلى أهداف المجموعة، وأهداف الأهواء النفسيَّة.

 عندما لا يكون الإمام المعصوم ظاهراً ومبيِّناً القرآن، حتى يقف بوجه التَّفاسير القائمة على أساس الأهواء النَّفسانيَّة، يصبح القرآن مثل الطِّفل الذي سقط بيد شخصٍ غير مؤهلٍ، فيصبح باكياً، وتطرح حقائقه مقلوبة.

 وتلك العين التي ينبغي عليها البكاء على الدِّين والقرآن، هي عين المؤمنين الباكية لمظلوميَّة وغربة القرآن المحزون والسَّاكبة للدُّموع.

المؤمنون هم الذين وبسبب نسيان الإمام وليِّ العصر -أرواحنا فداه-، محبوب الله، ضالَّة الله، تنكسر قلوبهم له.

 المؤمنون الذين لا يرون الإمام وليَّ العصر -أرواحنا فداه- بينهم، هم كطفلٍ بدون مدبِّرٍ ومسؤولٍ، حين لا يرى أباه في المنزل يصبح باكياً لعدم وجوده.

 قلوب وصفها الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) حيث قال: «وكم من مؤمنٍ متأسِّفٍ حرَّانَ حزينٍ عند فقدان الماء المعين»(10).

 أنت أحد هؤلاء المؤمنين، أو يمكنك أن تكون منهم، وتسكب الدُّموع لفراقه، وتطلب فرجه من الله، حتى لا يشتكي منَّا الإمام صاحب الزَّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف).

كيف ندعو وكيف نطلب الفرج؟ لا بدَّ أن يكون كلُّ توجُّهنا نحو الإمام وليِّ العصر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) وظهوره المقدَّس، وهكذا نوجِّه النَّاس نحوه، ليرفعوا الأيادي بالدُّعاء سواء في خلوة البيوت، وفي كلِّ الأوقات بالدُّعاء، وكما أنّهُ إذا كان شخصٌ ما وكان ابنُه قطعة قلبه ملقىً على الفراش في المشفى، ويدعو من حرقة قلبٍ، لا بدَّ من الدُّعاء هكذا لأجل فرج الإمام صاحب الزَّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، فهل نحن كذلك؟ الشخص العطشان، والذي يرى بأنَّ اتصال العطش يؤذيه، هل سيجلس بدون اهتمام؟ ألم يصل هذا الزَّمان الذي نفكِّر فيه قليلاً في روحنا العطشى؟ العطشى لماء الله العذب، والتي من شدَّة العطش أصبحت بدون رمقٍ وحياةٍ؟ ماء الحياة هو العلم والعصمة المتلاطمة بالأمواج في محيط قلبه الذي لا ينتهي، ومقدار قطرة واحدة منه تعطي النَّجاة من الظُّلم والموت والفقر.

 في حال أنَّ مجموعة وسائل المعرفة وقنوات الاتصال في بضعة أيام تستطيع أن تسوق كلَّ توجُّه النَّاس إلى شيءٍ واحدٍ، حتى أنَّهم يستطيعون جعل أولئك مجبورين لأجل انتصار فريق كرة القدم أن يرفعوا أيديهم بالدُّعاء، ألا يستطيعون توجيه أولئك هكذا لأجل الدُّعاء لظهور الإمام صاحب الزَّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) بصورةٍ جدِّيَّةٍ ومن أعماق قلوبهم، وجعلهم معتقدين ومصدِّقين بأنَّهم إذا قاموا بذلك، سيكون باعثاً وسبباً لظهوره في هذا الزَّمان؟ لماذا؟ إنّهم يستطيعون، لكن وسوس الشَّيطان في قلوبهم، حيث يقول ليس معلوماً أنَّه بواسطة السَّعي والفعاليَّات والعمل أن يتحقَّق ظهور الإمام صاحب الزَّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف).

 صدَّقوا كلامه بأنَّ لا أثر لسعي هؤلاء في تقديم ظهوره (عجّل الله تعالى فرجه الشريف).

 يظنون بأنَّ الكلام حول الإمام صاحب الزَّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) مثل الوقائع التَّاريخيَّة، ما دام لم يصل وقتها السَّنوي أو مناسبتها، لا يمكن أن نحييها.

 هل هكذا تفكير لا يستحقُّ البكاء؟ هل الإمام صاحب الزَّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) لهذه الدَّرجة غريب، حتى ننتظر أن يصل يوم مناسبته، لنذكره؟ كلُّ لحظةٍ هي مناسبة لا بدَّ أن نعلم أنَّ كلَّ الأزمان مناسبةٌ لذكر الإمام وليِّ العصر – أرواحنا فداه-، وكلُّ الأماكن لا بدَّ أن تزيَّن بذكر اسمه (عجّل الله تعالى فرجه الشريف).

 فهو صاحب زماننا (عجّل الله تعالى فرجه الشريف). الإمام صاحب الزَّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) هو قائد وإمام الزَّمان والمكان وكلِّ لحظات حياة البشر.

فهل نجد أنسب وأفضل من زمان الغيبة الكبرى لذكر الاسم المقدَّس للإمام صاحب الزَّمان – أرواحنا فداه -؟ لأجل غريقٍ أيُّ زمانٍ هو أفضل… أيُّ زمانٍ أفضل لشخصٍ غريقٍ بين أمواج البحر العاتية لأجل أن يصرخ وينادي المنجي؟ هل عندما يرى الإنسان نفسه في خطر؟ أو عندما يصبح غريقاً ولا يستطيع التَّنفُّس؟ أو عندما ينقذونه؟ ويجلس فوق اليابسة؟ هل يوجد زمانٌ أنسب من هذا الزَّمان زمن مصارعة الموت لمناداة المنجي؟ زمان الغيبة الكبرى هو زمان ابتلاء البشر بأمواج الفساد العاتية، والظُّلم، والحرب، والفقر ومئات البلاءات الأخرى الحارقة للعائلات، حيث في كلِّ يوم تبتلع آلاف الأشخاص بفمها، ولا يستطيع أحدٌ أن ينجي البشر، إلا هذه الذخيرة الإلهية التي لا يناديها أحد.

 هل رأيت غريقاً، بدل أن ينادي منجيه، يلتجئ إلى عدوِّه، ويطلب منه المساعدة؟ هذا العدوّ نفسه هو الذي رماه في أمواج الموت، ويرفع له شعار المحبَّة! وهذا الشَّيطان اللَّعين الذي يوسوس للنَّاس، ويمنع النَّاس من مناداة وطلب مساعدة منجيه الحقيقيِّ أي منجي آخر الزَّمان حضرة الإمام صاحب الزَّمان – أرواحنا فداه – ويقول: الآن لم يصل الوقت حتى تناديه، العالم ليس مهيَّأً لظهوره، الآن… هنا نقول هل التوجُّه إلى الإمام بقيَّة الله -أرواحنا فداه- وطلبه، وإحياء ذكر اسمه المقدَّس في المجتمع، يحتاج إلى مناسبة؟ لا بدَّ أن يقال لهولاء المغفَّلين: هل يمكنك أن تجد زماناً لا يكون مناسباً لغريقٍ لمناداة منجيه؟ نعم، لكي ينجو الغريق الكبير -يعني المجتمع البشريُّ- من أمواج الموت والفقر والحاجة والحرب والاختلاف وسفك الدِّماء والفساد -يعني لحظة ظهور حضرة بقيَّة الله أرواحنا فداه- لا بدَّ من مناداته في كلِّ لحظةٍ، وفي كلِّ الأمكنة والأزمنة وفي كلِّ مناسبةٍ وتزيين الحياة البشرية بذكر اسمه (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) المقدَّس.

إمامنا الصادق (عليه السلام) سكب دموعه عليه (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) البكاء على فراق الإمام وليِّ العصر – أرواحنا فداه -، وسكب الدُّموع على فقدانه والاغتمام، هو من تعاليم الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) لنا نحن الشِّيعة.

 فدعاء النُّدبة منقولٌ عنه، وهذا العظيم نفسه في عويلٍ من فراق الإمام وليِّ العصر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) فعندما حضر عنده أصحابه مثل سدير والمفضل، ورأوه في حال البكاء والغمِّ الشَّديد، قالوا: طار عقلنا، وداخلتنا الوحشة، ما هذه المصيبة التي نزلت على الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) حتى يبكي هكذا، هل ابنه ذهب عن الدُّنيا، هل نزلت به مصيبةٌ مهولةٌ؟ أيُّ مصيبةٍ جعلته هكذا في حرقة؟ بعد مدَّة رفع رأسه، وقال في جوابه: «هذا العويل والبكاء في فراق المهديِّ  (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، الذي سلبت غيبته النَّوم مني، وجعلتني في مصيبةٍ دائمةٍ»(11).

عندما يكون الإمام المعصوم مثل الإمام الصادق (عليه السلام) يسكب الدُّموع على فراق الإمام صاحب الزَّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، ويندبه وفي عويل، ويخاطبه بسيِّدي ومولاي، إذاً ما الذي يجب علينا فعله؟ وكيف نسكب الدُّموع على سيِّدنا ومولانا؟ ذلك الزَّمان الذي لم يكن زمان مصيبة غيبة الإمام صاحب الزَّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) ونجد الإمام الصادق (عليه السلام) يسكب الدُّموع على هذه المصيبة، إذاً نحن في عمق هذه المصيبة ونمضي في آثارها المؤسفة، كيف لا نسكب الدُّموع ونعول ونندب؟ لماذا نحن لهذه الدرجة نسينا الإمام ولي العصر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) الذي هو في زماننا، ويحيا مثلنا، ولا ندخله في حياتنا أبداً.

مجموعةٌ لا تصدِّق بأنَّه سوف يظهر في زماننا، وتتصوَّر بأنَّ ظهوره سوف يكون في زمانٍ بعيدٍ في المستقبل.

 هذا التَّفكير بأنَّه قد بقي الكثير ليظهر الإمام صاحب الزَّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، هو مِنَ إلقاءات الشَّيطان، وهو أمرٌ بعيدٌ عن عقائد وكلام أهل بيت العصمة (عليهم السلام)؛ الذين يعتبرون ظهور الإمام صاحب الزَّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) قريباً جدّاً، ويقولون: بأنَّ أعدائنا يتصوَّرونه بعيداً(12).

إذا كنَّا نريد الظُّهور فهو قريب تعلمون لماذا؟ لأنَّ ظهور الإمام صاحب الزَّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) من الممكن أن يتحقَّق بصورتين: أوَّلاً: أن يكون النَّاس متوحَّدين مجتمعين، ويطلبونه من الله تعالى.

 ثانياً: أن لا يضع النَّاس اليد على الأخرى، وهم جالسون ينتظرون وقوع الحوادث، وانتشار الظُّلم والابتعاد عن الله – زمان غيبة الإمام صاحب الزَّمان – وفي النِّهاية من الممكن أن يحقِّق الله الفرج في آخر الزَّمان.

 من البديهيِّ أن تكون توصيات أهل بيت العصمة والطَّهارة (عليهم السلام) بأن لا يتهاون النَّاس ولا يهملوا، وأن يبذلوا السَّعي والجهد، ويتَّحدوا، لأجل تعجيل ظهور حضرة بقيَّة الله  – أرواحنا فداه – وإذا عملوا هكذا سوف يتحقَّق الظُّهور ولا علاقة له بانتشار الظُّلم في الدُّنيا!! وشاهد هذا الأمر من روايةٍ عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) حيث يقول: «عندما طال على بني إسرائيل العذاب، بقوا أربعين يوماً يعولون ويبكون في محضر الله، وطلبوا الفرج والانعتاق، عند ذلك أوحى الله إلى موسى وهارون (عليهما السلام) أن يُنجُّوا بني إسرائيل من يد فرعون، وفي النَّتيجة الفرج -النبي موسى (عليه السلام)- الذي من المفترض أن يتحقَّق بعد مائة وسبعين سنة، أُلغي تأخيره إلى عشر سنوات»(13).

عند ذلك قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): أنتم الشِّيعة إذا عملتم هكذا – طلبتم الفرج لنا – سوف يفرِّج الله، لكن إذا وضعتم يداً على يد، ولم تدعوا توسُّلاً ودعاءً حقيقيّاً بقلبٍ منكسرٍ وأنتم متوحِّدون سيصل الأمر إلى نهايته، لا يُعتبر مقبولاً لدى الله تواصل الظُّلم والجور، ويفرِّج الله(14).

لذلك إذا اتَّحد النَّاس -على الأقلِّ الشِّيعة-، وطلبوا فرج الإمام بقيَّة الله – أرواحنا فداه – سيصل بسرعة، لكن إذا لم يعملوا لذلك، ومضوا كما في زماننا الحاضر، وأكثر من ذلك قائلين سوف يفرِّج الله، وبقوا مشغولين بأعمالهم وحياتهم الخاصَّة، سيتأخَّر الفرج أكثر فأكثر، كما حصل إلى الآن فقد مضت قرونٌ وسنواتٌ بسبب الإهمال واللامبالاة.

هذه مصائبٌ ولا بدَّ من الجلوس اليوم كالإمام جعفر الصادق (عليه السلام) وسكب الدُّموع بإخلاص له، فهذا العظيم لأجل هكذا مصائب هو في عويل، وعَلَّمَ الشِّيعة وأعطاهم الدَّرس بدعاء النُّدبة، حتى لا يقول بعض الأشخاص من قليلي المعرفة أو الذين يفتقدون المعرفة بالإمام صاحب الزَّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف): لماذا تذكرون هكذا الإمام صاحب الزَّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، وليس من المفترض أن تذكروه كثيراً هكذا.

لو التقى هؤلاء الأشخاص بالإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، لا بدَّ أنَّهم سوف يوبِّخونه ويلومونه، ويقولون له: لا تذكر اسم الإمام صاحب الزَّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، فالوقت ما زال مبكِّراً جدّاً، حتى يأتي، والدُّنيا إلى الآن ليست مهيَّئة و…. يا ليت العلماء، المثقفين، المؤمنين… أتمنى أنْ يقومَ علماؤنا أهل الدِّين، وأهل منابرنا، وكل محبِّي الإمام صاحب الزَّمان -أرواحنا فداه-، ويحدثوا انقلاباً ثقافيّاً، ويقفوا أمام هذه الحرب الإعلانية السَّيئة على الإمام صاحب الزَّمان -أرواحنا فداه- ويوجدوا الشَّجاعة في القلوب الخائفة، وينفوا المخاوف الكاذبة التي سبَّبها الشَّيطان، ويشوِّقوا قلوب النَّاس إلى عصر ظهور المحاسن، والصُّلح، والإنسانيَّة، والصَّفاء، ومحبَّة النَّاس لبعضهم، أعني عصر ظهور بقيَّة الله -أرواحنا فداه-.  

(القسم الثاني والأخير يأتي في العدد القادم إن شاء الله تعالى)

الهوامش والمصادر

  • (1) للشيخ علي رضا نعمتي.
  • (2) إكمال الدِّين وتمام النِّعمة، الشَّيخ الصَّدوق ص 303.
  • (3) من دروسه في إيران: 1. إخراجه الشاه من إيران. 2. توجيهه الشباب إلى الله. 3. حادثة طبس و….
  • (4) وهو عمر الثورة وقت كتابة هذا الكتاب.
  • (5) ماهنامه آموزشي، اطلاع رساني معارف، شماره 48، مرداد وشهريور 1386، صفحات 17 – 19.
  • (6) بحار الأنوار، العلامة المجلسي ج 53 ص 177: «ولو أن أشياعنا -وفقهم الله لطاعته- على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم، لما تأخر عنهم اليمن بلقائنا، ولتعجلت لهم السعادة بمشاهدتنا على حق المعرفة وصدقها منهم بنا. فما يحبسنا عنهم إلا ما يتصل بنا مما نكرهه ولا نؤثرُهُ منهم. والله المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلاته على سيدنا البشير النذير محمد وآله الطاهرين وسلم».
  • (7) بحار الأنوار، العلامة المجلسي ج 53 ص 175 – اللأواء: الشدة، اصطلمكم: استأصلكم -.
  • (8) بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 44 ص 139: عن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام): «واعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً».
  • (9) الكافي، الشيخ الكليني ج1 ص341.
  • (10) كمال الدِّين، الشيخ الصدوق ص 371: عن الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) قال: «ثم قال (عليه السلام): «بأبي وأمي سمي جدي (صلّى الله عليه وآله) وشبيهي وشبيه موسى بن عمران (عليه السلام)، عليه جيوب النور، يتوقد من شعاع ضياء القدس يحزن لموته أهل الأرض والسماء، كم من حرى مؤمنة، وكم من مؤمن متأسف حران حزين عند فقدان الماء المعين، كأني بهم آيس ما كانوا قد نودوا نداء يسمع من بُعدٍ كما يسمع من قرب، يكون رحمة على المؤمنين وعذابا على الكافرين» حرى: الحري: فعلى من الحر وهي تأنيث حران، وهما للمبالغة. يريد أنها لشدة حرها قد عطشت ويبست من العطش.
  • (11) إكمال الدِّين، الشيخ الصدوق (قدِّس سرُّه)352: «سيدي غيبتك نفت رقادي، وضيقت علي مهادي، وابتزت مني راحة فؤادي سيدي غيبتك أوصلت مصابي بفجايع».
  • (12) سورة المعارج، الآية 5 – 6: ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾، وبحار الأنوار، العلامة المجلسي ج 53 ص 96 – 97: في دعاء تجديد العهد: «اَللّهُمَّ رَبَّ النُّورِ الْعَظيمِ… وَعَجِّلْ لَنا ظُهُورَهُ، إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعيدًا وَنَراهُ قَريبًا».
  • (13) الرواية الموجودة تختلف في عدد السنين.
  • (14) بحار الأنوار، العلامة المجلسي ج 4 ص 118.
المصدر
مجلة رسالة القلم

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى