ثقافة

الصبر

نرى عند قراءتنا القران الكريم اهتماما بالغا بالصبر والصابرين وحثاً كبيراً على الصبر حيث يقول سبحانه وتعالى{ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ}(1) وقوله تعالى { وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ}(2) وقوله تعالى {وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ}(3) وقوله تعالى{ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}(4) وقوله تعالى{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ، أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}(5) ونرى الكثير من الآيات الكريمة تتحدث عن الصبر ومكانة الصبر وفضل الصبر، بل هناك الكثير من الروايات التي تتحدث في هذا المجال أيضا بتفصيل أكثر.. فما هو الصبر ؟وما هي أقسامه؟ فيجيبنا أمير المؤمنين (ع) قائلا : “الصبر أن يحتمل الرجل ما ينوبه، ويكظم ما يغضبه” ويجيب رسول الله(ص) حين سئل من الصابرون؟ قال : “الذين يصبرون على طاعة الله عن معصيته، الذين كسبوا طيبا وأنفقوا قصدا، وقدموا فضلا فافلحوا وانجحوا “(6) فعلمنا أن الصبر هو أن يحتمل الإنسان ما ينزل عليه من البلاء، وأن لا تخرج منه كلمات الجزع والكفر من البلاء.

 وعندما تكلم رسول الله (ص) عن أقسام الصبر قال: الصبر ثلاثة : صبر عند المصيبة، وصبر على الطاعة، وصبر عن المعصية”(7). 

وعندما تحدث أمير المؤمنين (ع) أيضا عن أقسام الصبر قال : ” الصبر إما صبر على المصيبة أو على الطاعة، أو عن المعصية، وهذا القسم الثالث أعلى درجة من القسمين الأولين”(8).

 وعليه نستخلص إن الصبر ينقسم إلى ثلاثة أقسام :

 1-صبر على المصيبة.

 2- صبر على الطاعة.

 3- صبر عن المعصية.

 وبيان كل واحد منهم يحتاج إلى شيء من التفصيل:  

أولا: الصبر على المصيبة :- المصائب التي يبتلى بها الإنسان في حياته كثيرة جدا منها فقد الأحباب، والمرض والفقر والمعاملة السيئة من الآخرين و…الكثير الكثير من أنواع المصائب والبلايا فكل واحد من هذه المصائب تهد قوى الإنسان وتجعله ذليلا ضعيفا، لا يقوى على الحراك والقيام بمسؤولياته وأمور حياته، ولكن الله سبحانه وتعالى أراد للمؤمنين العزة وأراد لهم أن لا ينهزموا أمام هذه المصائب فقال تعالى {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ، أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}(9).

 ما أجمل أن ينال العبد من ربه صلوات ورحمة، إن هذه المرتبة التي كرم الله بها رسوله حيث قال في كتابه{ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}(10) فهذه المرتبة العالية يعطيها الله الصابرين لأجله، والذين يلجئون إليه حال البلاء والمصاب.

تنقل قصة حصلت في زمن رسول الله (ص) : كانت امرأة لديها طفل وهي مسلمة من الأنصار، وكانت لا تجيد القراءة والكتابة، ولكنها مؤمنة ؛ كان الإيمان قد ترسّخ في نفسها، ولم يكن لديها إيمان برهاني عقلي – بحيث لو طلب منها أن تثبت وجود الله لأثبتته بالأدلة العقلية – ولكنها كانت على يقين والإيمان قد ترسّخ في قلبها، وتجسّد هذا الإيمان في صبرها حيث كان طفلها مريضاً، وكان زوجها عاملاً، وذات يوم ذهب إلى العمل، فمات الطفل وهو في العمل.

جلست هذه المرأة بجوار الطفل وبكت قليلاً، وفجأة أحست بأنّ زوجها قادم، فقالت تخاطب نفسها : إذا بكيت بجوار الطفل لن تعود له الحياة، فلماذا أجرح مشاعر زوجي وأؤذيه وهو الآن متعب، فقررت أن تصبر أمام البلاء، وجاءت أمام زوجها وفتح الزوج الباب وسلّم عليها، فابتسمت الزوجة لزوجها، فسألها عن طفلها.

 فقالت الحمد لله، فجلسا معاً وضحكا وتبادلا الحديث، وأزالت التعب عن قلب زوجها، وعرضت نفسها على زوجها وناما. 

إستيقظا قبل أذان الفجر اغتسلا وصليا صلاة الليل، أراد الزوج أن يذهب إلى صلاة الجماعة، فقالت الزوجة : لدي موضوع معك. قال : ما هو ؟ قالت : إذا وضع شخص عندك أمانة ثم أتى وقال أعطني إياها، فماذا ستفعل ؟ قال : سأعطيه الأمانة بدون تردد بل معيب أن أمانع فقالت : أصحيح هذا، قال : نعم.

قالت : قبل ثلاث سنوات أعطانا الله أمانة حتى يوم أمس، وبالأمس إستردّها، طفلك ميت وموجود في الغرفة خذه وادفنه.

 فقال الرجل { الحمد لله رب العالمين }، وذهب إلى الصلاة وكأن النبي(ص) كان مستعداً للقائه فما أن دخل حتى بادره الرسول (ص) قائلاً : “مبروك عليكم ليلتكم الماضية، القرآن يبارك لكما إذ يقول :{ فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ، وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ، وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ}(11).. فإنهم عندما صبروا لله ولم يجزعوا أمام المصيبة والبلاء وعدهم الله سبحانه وتعالى بمحبّته بقوله : {وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ}(12).  

ثانياً : الصبر على الطاعة : و هناك صبر آخر وهو الصبر على الطاعة بأن يداوم العبد على طاعة الله، ومن المعلوم إنّ الطاعة تحتاج إلى جهدٍ كبير وإلى تعب، فمثلاً طاعة الصوم تحتاج إلى صبر بدون طعام ولا شراب طوال اليوم، وعبادة الحج أيضاً متعبة وتحتاج إلى صبر وجهد، وطاعة الزكاة والخمس تحتاج إلى صبر بأن تخرج ما جمعت من أموال، والصلاة كذلك تحتاج إليه، وما يتعب أكثر هو أن لكل شيء من هذه الأمور وقتاً محدداً، فعلى الإنسان أن يقطع كل أعماله لكي يؤدي الصلاة في وقتها، وعليه أن يستيقظ من عزّ نومه لصلاة الصبح مثلاً، فضلاً عمّن يريد القيام بالمستحبات مثل صلاة الليل والتهجّد وقراءة القرآن، فإن ذلك كله يحتاج إلى جهد وتعب مضاعف، وعليه يحتاج إلى صبرٍ مضاعف، وقد يحتاج الفرد منّا أن يصلي الصلاة في وقتها، وأن يقوم الليل، ولكن من الصعب جداً المداومة على ذلك، وقد يستطيع الفرد منّا أن يصوم صياماً مستحبّاً، ولكن الدوام على الصيام المستحب يحتاج إلى صبر وإرادة قوية. وغيرها من العبادات يجري عليها ما يجري على الصلاة والصيام.

و لكي يتمكّن الإنسان المؤمن من الصبر عليه أن يسعى لأن يمتلك ملكة الطاعة بحيث يعيش حالة العشق والحب مع من يمارس هذه العبادة له وهو الله سبحانه وتعالى، وأن يجاهد نفسه في بداية الأمر بشكل كبير وهو أمر متعب جداً لدرجة أنّ رسول الله (ص) سمّاه بالجهاد الأكبر.

فإذا استطاع الفرد بأن يستمر في جهاده لنفسه وتزكيتها بالصبر والمداومة على العبادة، وأن يحوّل هذه العبادة من عبادة تكليف إلى عبادة عشق ومحبّة لأن العاشق لا يملّ من الجلوس والتحدّث مع معشوقه، وإن طال به المقام، بل تراه يفرح ويسعد حين يأتي موعد اللقاء وإذا تمكّن من أن يصل إلى هذه الحالة وهذه الدرجة فسيكون قد تجاوز مرحلة الخطر وقد وصل إلى درجة الصابرين ويكون قد نال محبة الله، ورضا الله وصلوات الله عزّ وجل وهذا ما نراه جلياً في نبي الأمة محمد (ص) الذي تحولّت الصلاة بالنسبة له أفضل اللذات حيث قال : ((جعل الله جلَّ ثناؤه قرة عيني الصلاة، وحببّ إليّ الصلاة كما حبّب إلى الجائع الطعام، وإلى الظمآن الماء، وإنّ الجائع إذا أكل شَبِع، وإنّ الظمآن إذا شرب روي وأنا لا أشبع من الصلاة))(13) وكقول أمير المؤمنين (ع) في وصفه رسول الله (ص) : (كان رسول الله (ص) لا يؤثر على الصلاة عشاء ولا غيره، وكان إذا دخل وقتها كأنه لا يعرف أهلاً ولا حميماً))(14).

 فهذه الحالة التي يعيشها رسول الله (ص) التي قد تجاوز فيها مرحلة التعب والجهد والشقاء بأن أصبح يعيش حالة من الأنس واللذة والعشق بحيث أنه لا يشبع منها لأنها توصله على المحبوب الحقيقي، وإلى الغاية التي ينتظرها ولا يؤثّر شيئاً عليها.  

ثالثاً : الصبر على المعصية : الصبر في المفهوم الإسلامي الأصيل هو تمرد الإرادة المسلمة على أهواء النفس، وشهواتها، التي تهدف إلى إخلاد الإنسان في الأرض، وهو امتلاك النفس، وحبسها على الخط المستقيم في مواجهة حازمة للضغوط الخارجية ومن أجواء فساد وعهر واختلاط، وأصحاب سوء وذلك كله يؤدي إلى إثارة غرائز الإنسان، وحثّه على ارتكاب المعاصي والابتعاد عن خط الله وطريق الله، والضغوط الداخلية من النفس الأمارة بالسوء، والشيطان اللعين وغرائز كامنة في داخل الإنسان بحيث هي الأخرى تحثّ الإنسان على الثورة على فطرته والتمرد عليها وأن يسعى لإشباع غرائزه عن أي طريق كان، ولكن الإسلام الحنيف وعد الصابر عن المعصية الخير الكثير وانّه سيكون من المقربين في يوم الدين ووعده محبّة من الله الكريم وصلوات ورحمة كل هذا إذا استطاع الإنسان من أن يسيطر على غرائزه وشهواته وصبر عن معصية الله كما تنقل قصة ابن سيرين صاحب تفسير الأحلام الذي صبر عن المعصية ورفض أن يعصي الله سبحانه وتعالى، حيث أن ابن سيرين كان بزازاً – أي بائع أقمشة – وجاءته امرأة واشترت من عنده عدداً كبيراً من الأقمشة وطلبت منه أن يوصل هذه الأقمشة إلى منزلها.

وبالفعل قام ابن سيرين بحمل البضاعة إلى منزلها وعندما وصلوا المنزل طلبت منه أن يدخل البضاعة داخل المنزل، وعندما دخل أغلقت الباب، وطلبت منه أن يمارس معها الفاحشة – والعياذ بالله – فرفض ذلك فهددته بأنه إن لم يخضع لطلبها فإنها ستتهمه بالفاحشة.

فطلب منها الذهاب إلى بيت الخلاء موهمٌ إياها بأنه يستعد للفاحشة وعندما دخل أخذ القاذورات ووضعها على كل جسده، وجهه ويديه وصدره وخرج لها فاشمئزت لرؤيته واضطرت إلى إخراجه من المنزل، فخرج ابن سيرين، ومنذ ذلك اليوم وهبه الله نعمة وعلم تفسير الأحلام لصبره عن المعصية، ورفضه ذلك في حال يصعب للإنسان أن يخرج منه، وقد آثر على أن ينجس ظاهره من أن ينجس باطنه وجوهره وروحه.

ولا ينحصر الصبر على المعصية في هذا الأمر فقط، بل في كثير من الأمور فمثلاً الغيبة فاكهة المجالس كما يقال، إذا كنت جالساً في مجلس وبدأت الغيبة فيه أخرج ولا تبقى مع أن الشيطان يزين هذه المجالس ومجالس اللهو، وأكل الحرام وغيرها من الأمور المحرمة إذا استطاع الإنسان أن يمسك نفسه عن ارتكابها فإن الله سبحانه وتعالى سيجازيه خير الجزاء في الدنيا والآخرة في الدنيا كما حصل لابن سيرين مثلاً وفي الآخرة{إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ}(15) أي بدون حد أو كفاية، كل ذلك لأننا صبرنا لحظة من لحظات هيجان الغريزة وهيجان الشهوة فإن الله يجعلنا من المقربين ومن الذين يحبهم والذين تتنزل عليهم صلوات من ربهم ورحمة فإنَّ هذا الجزاء من الله سبحانه جدير بأن يدفع الإنسان للصبر عن المعصية والصبر على الطاعة والصبر على البلاء لأن جزاءه بدون حساب ولا يمكن أن يعد وأن مرتبة الصابرين مرتبة لا تضاهى بمرتبة.

المصادر والهوامش

  • (1)  سورة النحل: 127.
  • (2)  سورة البقرة: 45.
  • (3)  سورة آل عمران: 146.
  • (4)  سورة الأنفال: 46.
  • (5) سورة البقرة: 155- 157.
  • (6)  ميزان الحكمة5 : 2069.
  • (7)  ميزان الحكمة 2: 1562.
  • (8) نفس المصدر.
  • (9) سورة البقرة: 155- 157.
  • (10) سورة الأحزاب: 65.
  • (11)  سورة الواقعة: 8- 10.
  • (12)  سورة آل عمران: 146.
  • (13) ميزان الحكمةج5 ص2149
  • (14) نفس المصدر.
  • (15)  سورة الزمر: 10.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى