ثقافة

تفسير الإثني عشري

الحمد لله ربّ العالمين، والعاقبة للمتقين، والصّلاة والسّلام على أشرف الخلقِ أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين، وعلى صحبه المنتجبين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين.

لا ريبَ في أنّ تفسير القرآن الكريم أشرف العلوم وأجلّها قدراً، باعتبار أنّ موضوعه كلام الله المعجز الذي: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾(2).

وقد انبرى النبي (صلَّى الله عليه وآله) -بقوّة- لحمل وظيفته القرآنية في الناس: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾(3)، وسار أهلُ بيته المطهرون (عليهم السلام) من بعده على نهجه ومنهجه، فتخضّبوا بدمائهم في سبيل صيانته وحفظه.

ومن المسلّمات أنّ ثقل القرآن والعترة أساسٌ لكلِّ من أراد فهم القرآن الكريم وإدراك مقاصده، وذلك لما ورد عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أنه قال: «إنّي تارك فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض»(4).

وقد تصدّر علماء الإمامية مضمار تفسير القرآن -متبعين أئمتهم (عليهم السلام)- وبذلوا جهوداً كُبرى، تنوعت بتنوع الاختصاصات في مختلف العلوم والمعارف، وسماحة الفقيه الحُجَّة الشيخ عيسى أحمد قاسم الاثنا عشري (دام ظله) من هؤلاء الأعلام الذين خصصوا عُمرهم العزيز في تعلّم القرآن وتعليمه، فهو -رعاه الباري- وإن لم يقم بتأليف كتاب في التفسير -كما يظهر-، إلاّ أن الجهد التفسيري الذي قدّمه في محاضراته عبر السنوات الطوال، يُشكّل تراثاً ضخماً، وكنزاً ثميناً، يكشف عن جهد علمي ومعرفي، وقدرة علمية واستنباطية متميزة.

وحريٌّ بالمكتبة الإسلامية أن تعتزّ بمثل هذا العطاء التفسيري، ويجدر بالطاقات أن تنبري لتفريغ المنطوق المسموع إلى المكتوب المقروء، ليكون أكثر سهولة في الوصول إليه، وأبكر استفادة من ثمراته الطيبة.

ورغبت -في هذه الوريقات- تسليط الضوء على هذا البعد المغيّب من عطاءات الفقيه الاثني عشري(دام ظله وعطاؤه)، راجياً فتح الباب أمام المهتمين بالقرآن للقيام بالإعدادات والقراءات والدراسات التي يُظهر هذا التراث إلى الملأ، والله من وراء القصد، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أُنيب.

معنى تفسير القرآن عُرف التّفسير اصطلاحاً بتعريفات عديدة، والمفسّر الاثني عشر (دام ظله) قد عرفه تعريفاً غرضياً فقال: “ربما انصرفت كلمة التفسير إلى محاولة فهم الظاهر القرآني”(5)، وهذه المحاولة: “عملية تنتهي بتقديم نتائج فكرية”(6). والظاهر أنّ الوجه في تخصيصه (دام ظله) التّفسيرَ بالنتائج الفكرية، ليميز بينه وبين التّدبر الذي ذهبَ إلى أنه: “عملية تنتهي بتقديم دروس ومُبينات وجدانية ونفسية تتدخل في صياغة المواقف، وتوجه السلوك بعد أن تتحول شيئاً من ذات الإنسان وخبراته الباطنية ومشاعره الدفينة وارتكازاته المؤثرة”(7).

خطوات التفسير ومن أجل الوقوف على فهم الظاهر القرآني رسم (دام ظله) خطوتين أساسيتين:

الخطوة الأول: فهم المعنى: وفي هذه الخطوة يقوم المفسّر بـ”دراسة خصائص اللفظ مفرده ومركبه وعطاءات سياقه وقرائته”(8)، وعبر هذه الدراسة يتمّ “التوفر على القضايا التي يثيرها الكلام مباشرة -المعنى المطابق- أو غير مباشرة -المعنى اللازم- إذا كان ذلك طبقاً لقوانين اللغة، والمحاورة، وما يقدمه السياق”(9). ومن الواضحات أنّ  مراعاة «دلالة اللفظ» من أهمّ الأسس المنهجية للتفسير. فلا بد للمفسّر أن يلتفت إلى الموارد التي يدخل اللفظ على مراد معيّن ليتعرف على ما إن كان انطباقه على المعنى بالدلالة المطابقية -من باب انطباق الكلي على مصاديقه أو الكلّ على أجزائه- أو بالتّضمن بأن يدخل الجزء في الكل دلالةً أو الالتزام -لازم ذلك اللفظ أو لازم ذلك اللازم-.

الخطوة الثانية: استخراج النتائج: في هذه الخطوة تتم “الموازنة والمقارنة بين مختلف الآيات في الموارد المتعددة إذا كانت تتلاقى على موضوع واحد من قريب أو بعيد”(10)، وعبر هذه المقايسة بين مجموع الكلمات في الموضوع الواحد سوف يصل المُفسر إلى مقاصده من النص.

متطلبات التفسير ويصوغ المفسِّر الاثني عشري (دام ظله) آليات لمن أراد تفسير القرآن الكريم، ومتطلبات يتبناها المفسِّر (دام ظله) فيما إذا أراد الاشتغال بالعملية التفسيرية والنأي بنفسه عن التفسير بالرأي، وهي كما يلي(11):

المطلب الأول: “علوم معروفة كعلوم اللغة وعلوم القرآن، وعلم التفسير نفسه”. ومصنفات علوم القرآن والتفسير تضمّ في جنباتها الأبحاث القرآنية المهمة، وأسس التفسير الكثيرة، والتجارب التفسيرية ضخمة، وكلّ ذلك يُمكِّن المفسّر من البناء والتأسيس عليها في التأصيل والتطوير والإبداع.

المطلب الثاني: “إلمام بأصول الإسلام وأسسه العقيدية والأخلاقية والتشريعية”.

المطلب الثالث: “مراجعة الثابت من تفسير أهل البيت (عليهم السلام)، وفهمهم للإسلام، ومضامينه التفصيلية، لأنهم مدرسة الوحي وأهلها”.

المطلب الرابع: الاستعانة “بالناتج الفقهي الضخم المتميز والناشئ في ضوء الكتاب الكريم، وسنة المعصومين محمد وآله الطيبين”.

المطلب الخامس: “ذوق أدبي”، أي: حاسة فنية، وقدرة وجدانية يحسّ ويقدّر ويُميَّز بها جمال أدب النّص القرآني ودقته، فيحسن إصدار الأحكام عليه.

وتذوّق الأدب القرآني لن يحصل إلاّ بعد فهم لغة القرآن التي جاء بها وأساليبه وتركيباته ويفهم مضمونها فهماً صحيحاً. فالذوق قائم على العلم.

وأهمية التّذوق الأدبي -في العمل التفسيري- تكمن في اعتماده على الخيال، مما يعني أنّ أمام المفسّر فرصة واسعة للانطلاق مع ذلك الخيال لكي يتصّور أنَّ ما لم يصل إليه أحد قبله، غير متقيد إلاّ بالخطوط العامة الموجودة في النصّ الذي يقرأه.

المطلب السادس: “حاسة نقد راقية ومرهفة”، تمكِّنه من وزن أقوال اللغويين والمفسرين. والناقد في تحليله أو تعليله يستخدم كلّ ما يستطيع استخدامه من أدوات وعلوم وملكات كالذوق فإنه قوام النقد الأدبي ومرجعه. والنقد لا يحقق غايته من دون الفهم والعلم. كما أنه حاسة لا تنمو إلاّ بالتعليم والممارسة.

وكأنه (دام ظله) أراد بهذا المطلب أن يشير إلى أنه من دون هذه الحاسة لن يتمكن المفسّر من الإبداع والتجديد في الفكر والفهم.

المطلب السابع: “نباهة ذهنية”. و”النابه: خلاف الخامل”(12)، مما يعني التمتع باليقظة في الوقوف على الآيات، ملتفتاً متنبهاً إليها، ممارساً استنطاقه لها بجدية واهتمام.

المطلب الثامن: “تتبع واسع”… “النظر الموسع، والتتبع الدقيق لكل نصوص وكلمات الموضوع الوارد، وما يتعلق به من قريب أو بعيد في الكتاب والسنة”.

المطلب التاسع: “قدرة استنتاجية متقدمة على مستوى الذهن”، ويَشترط (دام ظله) في ذلك: “أن لا نفرض أنفسنا وقناعاتنا المسبقة على الكتاب، إنما نعطي للكتاب أن يفتينا في ما لدينا من قناعة وثقافة وعادات وأفكار وسلوك. فالصحيح أن نكون تلامذة للكتاب نتعلم منه، ونحكّم عنده خبراتنا لا أساتذة لم نستنطقه بما نعتقد أو نقول على عكس ما هو الصحيح من أن نستنطق حول ما نعتقد أو نقول”.

المطلب العاشر: “ترسّم منهجة واضحة من منهجيات التفسير”. وسوف أشير -إن شاء الله تعالى- إلى الأنماط والمناهج التفسيرية التي اعتمدها في تفسيره (دام ظله).

المدرك التفسيري إن العمل التفسيري من الأعمال العظيمة والشريفة، ولكنه محفوف بالمخاطر الكبيرة، والرجوع إلى المنابع العذبة، والتعرف على التجارب الضخمة، مما يخفف من تلك المخاطر، ويعين المسافر على الإبحار في القرآن بزاد نافع، وخارطة مفيدة، وإليك إشارة لبعض تلك المنابع والمدارك:

المدرك الأول: الأحاديث الشريفة: وبحسب الاستقراء الناقص يجد المتتبع أنّ الغالب عند الفقيه الاثني عشري (دام ظله) أنه لم يذكر تمام السّند للحديث الذي يستشهد به، وإنما يرسل الحديث بلا سند عن المعصوم أو يذكر من كان بصدر السند فيه دون ذكر الطريق إليه، ولعلّ ذلك عائد إلى كون البحوث التفسيرية بحوثاً منطوقية وليست تدوينية.

وسيجد القارئ الكريم بعض الشواهد المبينة لهذا المورد في طيات مباحث هذه الوريقات.

نعم هناك بعض النكات العابرة في شأن طرق السند، وذلك مثل قوله (دام ظله): “أما الرواية عن ابن عباس، وقد تكون عن طريق أهل البيت (عليهم السلام)”(13). ولعل هذه العنعنة لرؤيته لها في مصادرنا.

المدرك الثاني: أقوال اللغويين: والملاحظ -بحسب الاستقراء الناقص- أنه لم يذكر أسماء المصنفات اللغوية عند ذكر مواردها، بل ولا ذكر القائل ليكشف بذلك عن المُصَنَّفِ، وربما مردُّ ذلك إلى أن البحث التفسيري إلقائياً وليس كتبياً، أو لاشتهار تلك الأقوال أو انحصارها في مصادر معروفة لدى المهتمين. وسيأتي بيان لشواهد لغوية عند التعرض للمهنج اللغوي.

المدرك الثالث: أقوال المفسرين: والمنظور في تفسير الاثني عشري (دام ظله) ذكره لأقوال المفسرين ناقلاً أو متبنياً أو ناقداً أو مستغرباً.

وليس في النقل أسلوبٌ محدّدٌ، فتجده مرة ينقل قول القائل من دون ذكر اسمه، وأخرى ينسبه إلى صاحبه، وثالثة ينسبه إلى قائل بصفة من صفاته، والظاهر أنّ هذه التعبيرات ليست منظورة نظراً دقيّاً، وإلاّ فقد وجدت قد استعمل الأمور المذكورة في مثل العلامة السيد محمد الطباطبائي (قدِّس سرُّه)، فنجده (دام ظله)، في قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾(14). ينقل قولاً في معنى الولاء قائلاً: “قال بعضهم”(15)، دون أن يُشير إلى صاحبه، ووصفه بالدّقة مرجحاً له، وبالمراجعة نعرف أنّ القائل هو العلامة الطباطبائي (قدِّس سرُّه) صاحب الكتاب الشهير: تفسير الميزان في تفسير القرآن(16).

وفي نفس الآية، قال (دام ظله) متسائلاً عن محل هذا الحزن: “في الآخرة فقط؟ أم في الآخرة والدنيا؟ يختار بعض محققي المفسرين أن الخوف والحزن عن أولياء الله الحقيقيين يشمل ساحة الآخرة والدنيا معاً”(17)، فنجد أنه (دام ظله) ينقل القول التفسيري واصفاً قائله بالمحقق دون أن يُعرف به، ومع المراجعة نجد أن المحقق هو العلامة الطباطبائي (قدِّس سرُّه) (قده).

وثالثاً صرّح (دام ظله) في نفس الآية باسم القائل، فقال: “يلاحظ المفسر الكبير السيد محمد حسين الطباطبائي أعلى الله مقامه، ورفع درجته في الجنان، يلاحظ سرا في الآية الكريمة(18)، يكتشف من خلاله أن أولياء الله المذكورين هنا ليس عموم المؤمنين؛ وإنما هم صفوة خاصة”(19)، ثمّ شرع (دام ظله) في بيان وجه التخصيص بالمؤمنين. فالظاهر أنه لا مناط في هذا التغيير إلاّ مقتضيات حاجات التعبير والصياغة.

وفي العموم ليس هذا مما يفقد التفسير دقته -بعد التصريح بالقائل وإن لم يعرف به-، بل في التفسير تعابير تكشف عن دقة المفسّر وورعه العلمي، وذلك مثل تعبيره: “حسب منقولهم: أن المشهور بين المفسرين والعلماء هو”(20). كذا وكذا، فلعل هذا التعبير منه (دام ظله)، لعدم استقرائه بنفسه أقوال المفسرين، ولذا نسب الشهرة إلى الناقلين، دون أن يتبناه.

والمهم ذكر شواهد على استفاداته من أقوال المفسرين، لنتعرف على منهجيته في التعاطي معها، ويكفي ذكر شاهدين تناولهما (دام ظله) في تفسيره لسورة العلق:

الشاهد الأول: في بيان ترجيحه لأحد الأقوال: نجده (دام ظله) يذكر ثلاثة أقوال ذكرت في شأن نزول: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾(21)، ويرجح أحدها، قال (دام ظله): “قلنا مشهور المفسرين والعلماء: أن السورة المباركة أول سورة تنزل على رسول الله (صلَّى الله عليه وآله). هناك رأي يقول: بأنها سورة الفاتحة. ورأيٌ آخر يقول: بأنها سورة المدثر، إلا أنهما رأيان نادران، شاذان بالمقابلة لهذا الرأي المؤكد بأن هذه السورة هي أول سورة نزلت من كتاب الله العظيم”(22).

الشاهد الثاني: ﴿اقْرَأْ﴾ أي القراءات المقصود؟ “بعضهم قال: أن هنا ﴿اقْرَأْ﴾ اقرأ لنفسك.. هنا عندنا أمران في الآيات الكريمة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ﴾. قال بعضهم اقرأ الأولى: اقرأ لنفسك، واقرأ الثانية: اقرأ لغيرك، اسمِع غيرك ما قرأته لنفسك، أو أن القراءة في الموقعين هي القراءة للغير، وهذا الذكر الثاني -الأمر الثاني- مؤكداً للأمر الأول.

وهناك رأي يقول: بأن ﴿اقْرَأْ﴾ الأولى، ليس بمعنى: اقرأ لنفسك، ولا بمعنى: اقرأ لغيرك. وكذلك ﴿اقْرَأْ﴾ الثانية على هذا المستوى، وإنما اقرأ القراءة الذهنية، أي: تلقى الوحي، واقرأ هذا، قد يقال: بمعنى ﴿اقْرَأْ﴾، أي: كن قارئا، بقطع هذا الفعل عن مفعوله كما يقولون، فمرة تقول مثلا لصاحبك، اقرأ الكتاب الفلاني، أو الصحيفة الفلانية… قصدك قراءة خاصة. فالقراءة الخاصة تحتاج إلى مفعول به، تبين أنها تتعلق بهذا الكتاب أو تتعلق بتلك الصحيفة مثلا، ومرة تريد أن تقول له: تلبس بالقراءة… كن ممن يقرؤون. هنا لا تأتي بمفعول معين. ﴿اقْرَأْ﴾ أي كن من الذين يقرؤون، لا تبق بلا قراءة، تلَّبس بالقراءة، المطلوب هو أصل الفعل وهو القراءة، وليس المطلوب قراءة خاصة.

يقول بعضهم: الفعل هنا ليس مقطوعا عن مفعوله، بمعنى أن المطلوب أصل القراءة، أنت أيها الذي لا تقرأ، كُن قارئا، تحول من طريقة عدم القراءة… من واقع عدم القراءة، إلى واقع أن تقرأ، ليس هذا هو المطروح، وليس المطروح: أن اقرأ لنفسك، وليس المطروح: أن اقرأ لغيرك.

نقول بأن اقرأ هنا، ليس بمعنى: كن قارئاً بعد أن لم تكن قارئاً؛ لأنه إذا قالوا بأن السورة هي أول سورة، فالمقصود هو قراءة شيء معين، وهي قراءة القرآن الكريم، إذا كانت أول سورة، فالمقصود أن أقرأ القرآن، وهل يُقرأ القرآن، بمعنى: أن يتابع للفظه، أو أن يقرأ القراءة الذهنية، المهم أن يتلقى الوحي، وهذا تلقي الوحي قد يكون أمراً تشريعياً، وقد يصلح أن يكون -والله العالم- أمراً تكويناً، يعني صِر بأذن الله وبقدرة الله قادراً على تلقي الوحي، وليست كلَّ النفوس طبعا قادرة على تلقي الوحي، هذا الرأي لم يذكر، لم أجده بين الآراء، إلاَّ -أنه يظهر الآن- أنه ليس بالبعيد أيضا… أن يكون الأمر هنا -حتى لو كان بتلقي الوحي- تكوينيا، وأن معناه: كن الذي تستطيع أن تقرأ. أن تتلقى الوحي. بمعنى: أمر تكويني على حدّ كُنْ فيكون.

هناك قول أيضا: أن ﴿اقْرَأْ﴾ أمر تكويني، بمعنى: أخرج من كونك غير قارئ إلى كونك قارئاً بإذن الله، أي: أنت الآن تصير قارئاً، ولكن يعارض هذا الفهم -والله العالم- أنه لم يذكر أو يعرض فيما يذكرونه من روايات: أن الوحي النازل كان مكتوباً، وإنما كان متلواً من الملك جبرائيل (عليه السلام). القراءة: قراءة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) لما يقرأه جبرائيل (عليه السلام)… لا نحتاج إلى قراءة الحروف، ما دام جبرائيل (عليه السلام) يلقي ما أوحى به الله (سبحانه وتعالى) إليه… ما علّمه الله (سبحانه وتعالى) يلقيه إلى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) مشافهة، فهذا لا يحتاج إلى أن توجد القراءة التكوينية عند رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، بمعنى: فهم قراءة الحروف والكلمات المكتوبة”(23).

و”ما يختاره السيد محمد حسين الطباطبائي (أعلى الله مقامه): أنّ اقرأ بمعنى تلقى الوحي، ويرجح أن القراءة المطروحة هنا، المأمور بها، هي قراءة ذهنية، ويفهم منه أن الأمر تشريعي، إلا أنّ المقام لا يتنافى أبداً مع أن يكون الأمرُ تكوينياً، بمعنى: إيجاد الأهلية الفعلية في كيان رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) حين تلقي الوحي. العملية الصعبة الشاقة، التي لا تصلح لها كل النفوس، ولا تصلح لها نفس إلاّ بعناية خاصة من الله (سبحانه وتعالى)”(24).

أنماط تفسيره (دام ظله) الناظر في الجهد التفسيري للفقيه الحجة الشيخ عيسى أحمد قاسم الاثني عشري (دام ظله) يجد أنه مارس أنماطاً ثلاثة رئيسة:

النمط الأول: التفسير الترتيبي: وهذا النمط من التفسير “يتجه إلى تفسير القرآن سورة سورة، وآية بعد آية”(25)، وقد ألقى الفقيه الاثنا عشري (دام ظله) دروساً كثيرة جداً في تفسير القرآن ابتدأ به من أول القرآن متدرجاً في تفسير الآيات تباعاً، مستعيناً على فهم الآية أو المقطع القرآني بآليات التفسير، من الظهور، أو الآيات الأخرى التي تشترك مع تلك الآية في مفهوم من المفاهيم، أو الأحاديث الشريفة، مع أخذ السياق بعين الاعتبار.

النمط الثاني: التفسير الموضوعي: وهذا النمط من التّفسير “يُحاول فيه المفسّر إيراد الآيات الواردة في موضوع خاص في مجال البحث، وتفسير الجميع جملة واحدة وفي محل واحد”(26)، وقد اشتغل (دام ظله) بالأسلوب العنواني -إن صح التعبير- أكثر من غيره، وأعني به تركيز نظره على موضوع معين من موضوعات الآية، وتوظيف المناهج المتعددة في تفسيره واستخراج الدروس المستلهمة منه، وقد عالج موضوعات كثيرة في مسيرته التفسيرية، مثل: (أنواع النظر إلى الكون)، (الدين)، (الولاء لله)، (التوحيد)، (العدل)، (الابتلاء)، (الصّبر)، (الذلة)، (النّصر)، (الآخرة)، وعشرات المواضيع الأخرى.

واستعمل نمطاً آخر من التفسير الموضوعي، الذي يتركز الجهد العلمي التفسيري على تجميع الآيات الواردة في جميع القرآن حول موضوع معين، وتنظيم الأفكار النابعة من ضمها بعضاً إلى بعض، لاستخراج وحدة تصورية متكاملة، وموقف نظري قرآني واضح، ونظام فكري شامل، ومن أبرز الموضوعات التي عالجها الفقيه الاثنا عشري (دام ظله): (عبادة الله وعبادة الطاغوت في القرآن الكريم).

المناهج التي وظّفها (دام ظله) في تفاسيره

المنهج: “هو خطوات منظمة يتخذها الباحث لمعالجة مسألة أو أكثر ويتتبعها للوصول إلى نتيجة”(27). والنتيجة في مجال التفسير: استخراج معاني ومقاصد آيات القرآن والبرهنة على ذلك.

وبالنسبة إلى تعريف منهج الفقيه الإثني عشري التفسيري، فيمكن القول بأنّ أسلوبه (دام ظله) في التعامل مع النّص القرآني، هو الاستفادة من المناهج المتعددة متى ما اقتضت الحاجة لمنهج معيّن في تبيين معنى الآية ومقصودها.

وإليك عرضاً موجزاً لبعض المناهج التي استخدمها (دام ظله) وشواهد على هذه المناهج لنتعرف على كيفية استخراجه معاني ومقاصد الآيات:

المنهج الأول: القرآني: وهو المنهج الذي يشرح المفسّر فيه آية ويُفسرها بآية أُخرى مشابهة لها في الحكم والملابسات، لكنها أكثر وضوحاً وشمولاً من الأولى، وفي هذا المنهج يكون الاستشهاد بالآيات القرآنية لتفسير الآية المنظورة، لتكون مفسرة لمعنى حرف أو كلمة أو دلالتهما، أو تكون مبينّة للإجمال، أو مخصِّصة للعام، أو مقيِّدة للمطلق، وغير ذلك من الاستفادات التفسيرية الأخرى التي تضمنتها تلك الأحاديث.

وقد استعمل (دام ظله) التدبّر المندوب إليه في تفسير الآيات، فاستوضح معنى الآية منها نفسها أو من نظيرتها في نفس القرآن، فيشخّص المصاديق ويتعرفها “بالخواص التي تعطيها الآيات، كما قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾(28). وحاشا أن يكون القرآن تبياناً لكل شيء ولا يكون تبياناً لنفسه.

وقال تعالى: ﴿هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾(29).

وقال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً﴾(30).

وكيف يكون القرآن هدى وبينة وفرقاناً ونوراً مبيِّناً للناس في جميع ما يحتاجون ولا يكفيهم في احتياجهم إليه، وهو أشدّ الاحتياج!”(31).

وسوف أشير إلى نموذجين من الجهود التفسيرية للفقيه الإثني عشري (دام ظله) في استعمال المنهج القرآني:

النموذج الأول: في بيان اعتماده القرآن نفسه: وذلك كما في قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ﴾(32)، فقد قال (دام ظله) مبيّناً المراد من دين الله: “هل يمكن أن تتعدد الديانات عبر العصور؟ هل يبقى هناك من دين؟ هل يمكن أن تتعدد الديانات بتعدد العصور وبتعدد الأمكنة؟، الآية الكريمة ماذا تقول؟

الجواب: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾(33)، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ﴾(34). تحدد هاتان الآيتان أن دين الله في قوله تبارك وتعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ﴾، أيّ دين هو؟ الآيتان تفسران هذا الدين أنه الإسلام: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ﴾، هذه حقيقة ثانية تحدد لنا ماذا؟ تحدد لنا الدين، ينكر الله تبارك وتعالى على ابتغاء غيره هو الدين الإسلامي، يبقى الدين الإسلام”(35).

النموذج الثاني: في بيان اعتماده مباحث القرآن: وسوف أذكر شاهدين لاستفادته من مبحث الإطلاق، والمطلق: “ما دلّ على شائع في جنسه”(36).

الشاهد الأول: قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾(37)، قال (دام ظله): “هل الآية خاصة بيوم القيامة؟ لا داعي لتقييدها بيوم القيامة؛ يعني: ﴿لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ نستطيع أن نقيدها بيوم القيامة ونطبق نحن بمستوياتنا العادية، لكن من أين لنا أن نقيد مدلول الآية الكريمة المطلق، الآية الكريمة لم تقل لا خوف عليهم ولا هم يحزنون في يوم القيامة فقط، وإن كانت هناك آيات كريمة تتحدث عن يوم القيامة وأن المؤمن لا يخاف ولا يحزن، إلا أنه لما تأتي قضية تتعرف إلى موضوع معين، يعني الآن لما تأتي الآيات الكريمة فتقول أن المؤمنين يوم القيامة لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، هذه القضية ساكتة عن الحياة الدنيا، وهل أن فيها خوفاً وحزناً للمؤمنين، أو ليس فيها خوف وحزن للمؤمنين، فمعنى ثبوت ارتفاع الخوف والحزن في يوم القيامة، لا ينبغي أن يرتفع في الدنيا بالنسبة لجماعة خاصة، على كل حال: ﴿لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ يختار أن يبقيها على إطلاقها، يعني ليست مقيدة بيوم القيامة”(38).

الشاهد الثاني: قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾(39). وقوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ﴾(40)، قال (دام ظله): “هل الدين الإسلامي دين فئة؟ دين جيل؟ دين مكان؟ أو هناك إطلاق زماني وإطلاق مكاني؟ في الآيتين الكريمتين: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾(41)، فيه إطلاق مكاني وإطلاق زماني، يعني لكل الأزمان ولكل الأمكنة، في أي زمان أو في أي مكان ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ﴾(42)، للعرب… للفرس، لأيّ مكان؟ بل هناك إطلاق فوق هذا الإطلاق تأتي الآية الكريمة آية الفطرة: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾(43)، لتقول أن الدين لا يقبل التغير في ثوابته، أما التغيرات التي تعني أحكاما تتماثل مع تطور الحركة الحضارية، فتغيرها لا يعني تغير ما هو المهم في الدين من أصول فكرية وأصول عملية؟

فالدين الموحِّد، الدين المؤمن باليوم الآخر، الدين الذي لا يرضى بعبادة غير الله (سبحانه وتعالى)، الدين الذي يقيم علاقات الحياة على العدل والإحسان والصدق والأمانة والتعاون، ومثل هذه الأصول، هو دين ثابت في مسيحيته وموسويته وفي محمديته، فعلى لسان كل رسول، وفي كل كتاب مما أنزل الله (سبحانه وتعالى) [هي واحدة ثابتة].

فنحن أمام هذه الحقيقة الصارخة التي تواجه كل مسلم يعلن بأنه ينتمي للإسلام، وهي بأي حقيقة؟ حقيقة أن للبشرية دين واحد، ولا يقبل التبديل ولا التغير مطلقا، وأن السماوات والأرض كلها تنادي بمثل هذا الدين الواحد، تنادي هذا الدين الواحد، وهو يقوم على أرضية من لغة حية صادقة ناطقة، للكون والموجود والحياة، ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾(44)، هذه لغة حياة، لغة وجود، لغة كون، لغة كون تفرض أن لا دين إلا دين الإسلام، والإسلام ما هو؟ الإسلام طبيعي هو المنهج المحدد المعروف في عقيدته وأحكامه. هذا هو الواقع الإسلامي، وهذا ما يواجه الإنسان المسلم ويطالبه بأن يؤمن به”(45).

المنهج الثاني: الروائي: ولست أعني به الاقتصار في تفسير القرآن بالأخبار الشريفة فقط، كما فعل العلامة المحدّث السيد هاشم التوبلاني البحراني (قدِّس سرُّه) في تفسيره العظيم: البرهان، وإنما أعني بالمنهج الروائي -هنا-: اللجوء إلى سنّة النبي (صلَّى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام)، باعتباره طريقاً أساسياً في استكشاف المراد من النّص القرآني، إذ إنّ ما ورد عن المعصومين (عليهم السلام) خيرُ ما يُعين -بعد القرآن- في بيان ما أجمل من القرآن، ولم يمكن بيانه من موضع آخر منه، أو يُشكِّل تخصيصاً للعام أو يُقيِّد مطلقاً أو يشخص مصداقاً، وقد انتهج المفسّر الاثني عشري (دام ظله) إيراد أحاديث النبي (صلَّى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) التي تعرضت إلى الآية تفسيراً صريحاً أو ظاهراً أو يستفاد منها تقيد أو إطلاق، وما إلى ذلك من الاستفادات التفسيرية الأخرى.

ويمكن النمذجة لذلك بالآتي: النموذج الأول: اعتماده النص التفسيري الصريح: وذلك كما في تفسير قوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾(46)، فقد استشهد (دام ظله) -لاستبيان معنى (الفتنة)- بخبر معمّر بن خلاد قال: «سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾(47)، ثم قال لي: ما الفتنة؟ قلت: جُعلت فداك، الذي عندنا: الفتنة في الدين. قال: يفتنون كما يفتن الذهب، ثم قال: يخلَّصون كما يخلّص الذهب»(48)، ثمّ علّق (دام ظله) قائلاً: “الإنسان من خلال الفتنة، من خلال فتنة الغنى والفقر، الصحة والمرض، من خلال الكوارث، من خلال ما يعرض من مضلات ومن تحديات ومن مغريات ومن أمور مخوفة تهدده في حياته، وتفتتنه في دينه، يُخلّص كما يخلّص الذهب من شوائبه. هذه نار… هذه بوتقة تخلّص الإنسان من شوائبه، من نقاط ضعفه، فالافتتان بحكمة، الابتلاءات في الدنيا كانت من تقدير الله مصنعا لإنسانية هذا الإنسان، لكماله، فإنه من خلالها يخلّص كما يخلص الذهب من شوائبه، بشرط واحد: أن يأخذ بمنهج الله (عزَّ وجلَّ)،ويأتمر بأمره، وينتهي بنهيه.

فالفتن إذا انضم إليها الدور الصحيح، والموقف المطلوب -ديناً وعقلاً- من الإنسان، خلَّصت صاحبها من الشوائب والضعف والسذاجة. وما وجدت الفتن عبثاً ولا إضرارا، وإنما لتصنع الإنسان ومقاومته وقوته واستقامته، وإن كان على طريق المعاناة، وفي هذا كرامته وعلّو مقامه عند ربه الكريم إذا استقام”(49).

النموذج الثاني: اعتماده النصوص غير الصريحة: ويمكن التمثيل لذلك بشاهدين:

الشاهد الأول: قوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾(50)، ففي إطار تحليل معنى (أعزة) استشهد (دام ظله) بخبر جابر بن يزيد، عن أبي جعفر (عليه السلام) حيث أخذ منه مقطعاً من الخطبة التي ذكرها أمير المؤمنين (عليه السلام) بالمدينة بعد سبعة أيام من وفاة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله). فيها: «أيها النّاس إنّ المنيّة قبل الدّنيّة والتجلّد قبل التّلبّد»(51). وهو (دام ظله) أراد بهذا الاستشهاد أنْ يُقدِّم بُعداً من أبعاد العزّة التي قد تخفى، وتتمثل في امتناع المؤمن عن أن ينال منه حتى لو أدى ذلك إلى موته، ليظل عزيزاً أبيّاً، قال (دام ظله) معلِّقاً على الحديث الشريف: “الحديث يطرح أن المنيّة قبل الدّنيّة؛ فحين يكون الخيار إمّا عيش ذلّ وهوان وانحطاط، وإما أن يقبل الإنسان المؤمن الموت، فالموت مقدّم في خيار المؤمن على عيش الذلّة والمسكنة بما هو ذلٌّ ومسكنة، وهذا لا ينفي الأحكام الشرعيّة التي تتصل بموضوع الشهادة، وبموضوع الإقدام على الموت وضوابطهما.

ولكنّه من الواضح جدّاً أن الأمّة حينما يكون خيارها إمّا أن تقبل بالذلّة والهوان والانحطاط وأن تُعامل معاملة العبيد، وإمّا أن تُضحّي من أجل حريتها وكرامتها وعزتها، فهنا المطلوب من المؤمنين أن يعملوا على استرداد الكرامة والعزّة من دون أن يستسلموا لمسألة الذل والهوان. وأرجع لأقول بأن هذا يخضع لميزان الشرع الدقيق، ولا يرجع إلى اجتهادات الأفراد العاديين”(52).

الشاهد الثاني: قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾(53).

ففي ظلال هذه الآية يبيّن (دام ظله) المراد من حبّ الرسول (صلَّى الله عليه وآله) من خلال القرآن وربطها بنصوص روائية معززة لرأيه، فيقول: “وحب الرسول: ﴿قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾(54)، «عليّ مني بمنزلة هارون من موسى». «نفس عليّ هي نفس الرسول (صلَّى الله عليه وآله)». «حسين مني وأنا من حسين». «فاطمة بضعة مني»، إلخ.

فحب الله لا يتم بلا حب رسوله (صلَّى الله عليه وآله)، وحب رسوله لا يتم بلا حب أهل بيته، التخلف العملي عن حب أهل البيت (عليهم السلام)، يعني: تخلفاً عملياً عن حب الله تبارك وتعالى بلا أدنى إشكال، ليست قضية خطابية، وإنما هي قضية إسلامية علمية ثابتة، من نفض يده من أهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم)، فقد نفض يده من علاقته بالله (سبحانه وتعالى) -والمستجار بالله- وفي ذلك الخسران المبين، فقد أوكل نفسه للشيطان”(55).

والمفسّر الاثنا عشري (دام ظله) قد فعّل الأسس الضابطة لتوظيف دلالة الحديث الشريف، فيدقق النّظر والفكر في دلالة الأحاديث، قبل توظيفها في العملية التفسيرية، ويرفض ما يظهر منها التنافي مع القرآن أو موجبات العقول، ويمكن التمثيل لذلك بالروايات التي ذكرت بشأن نزول سورة العلق، فقد تناول (دام ظله) مجموعة منها بالنظر والتحليل، وسأذكرها كشاهد يُعرفنا بمنهجيته في التعاطي مع الأحاديث الشريفة، وإن كان فيها شيء من الطول قد لا تتحمله هذه الوريقات. قال (دام ظله): “فيما هو المروي عن طرق العامة: أن النبي (صلَّى الله عليه وآله) سمع صوتاً، أو جاءه ملك يقول له: ﴿اقْرَأْ﴾. قال: «ما أنا بقارئ»، فغطّاه بنمط، -النمط: هو نوع من البسط أو الثياب كان يتدثّر به رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أو يفترشه-، الملك غطى النبي (صلَّى الله عليه وآله) بالنمط -بمعنى سد به فاهه وأنفه-. تقول الرواية: حتى ظننت أنه الموت، ثم رفع عنه النمط، فعاد يقول له اقرأ، فجاء جوابه (صلَّى الله عليه وآله) ثانية: «ما أنا بقارئ»، ففعل به ما فعله في الأول، بأن غطى بالنمط بالمعنى الذي تقدم، أي سد فاه وأنفه، تقول الرواية حين ظننت أنه الموت، ثم رفع عنه النمط وعاد يقول له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾(56)، إلى آخر الآيات التي تمت قراءتها.

ثم ذهب إلى خديجة (عليها السلام) مفزعا، وهي التي طمأنته، وبشرته، وأخذته إلى ورقة بن نوفل ابن عمها، ليُسمعه ما قرئ عليه، ويصف له ما حدث له، فجاء جواب ورقة بن نوفل، بأنه النّاموس الذي نزل على موسى (عليه السلام)، وبشّره بالنبوة، وأنذره بأن قومه يخرجونه من مكة، وتمنى أن يكون حياً وقت دعوته (صلَّى الله عليه وآله)، ليدافع عنه أيما دفاع. هذه رواية.

ورواية أخرى جاء فيها: إن الرسول (صلَّى الله عليه وآله) أشفق من هذا الحادث على نفسه أن يكون قد أصابه مسّ من الجنون، حتى قصد أن يلقي بنفسه من شاهق انتحاراً، إلاّ أن جبرائيل (عليه السلام) ظهر له قبل أن يصل إلى ما قصد، وقرأ عليه فغفل ما قصد إليه، ثم إذا عاد إلى خديجة وجرى ما حكيناه قبل.

أما الرواية عن ابن عباس، وقد تكون عن طريق أهل البيت (عليه السلام)، ففيها أن الرسول (صلَّى الله عليه وآله) رأى الملك وأصابته غشوة، ظنتها قريش أو اتخذت منها قريش أو أرادت أن تتخذ منها قريش دعاية ضد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) حيث أخذته إلى خديجة، فتقول -أي قريش- هذا هو محمد (صلَّى الله عليه وآله) أصابه ما أصابه، إلا أن خديجة تقول: إنها الرسالة، أنه الرسول النبي الأمين مضمونا، بناء على قرائن ربما تكون سابقة، وعلى بشارات سمعتها عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، يفيق الرسول الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) فتقول له خديجة ماذا؟ فيقول إنه خير، وإني لأظن جبرائيل، نعم هكذا، ثم يعود ثانية إلى النقطة التي جاء منها (صلَّى الله عليه وآله)، فيظهر له الملك مخاطبا له أني جبرائيل، ويبشره بالرسالة.

بالنسبة للقصتين الأولتين، لا يبعد أن يكون منطلقهما سياسيا، فيه إعطاء كبير للبيت الزبيري، لعبدالله بن الزبير ودعوته ببيان أن الفضل في دعات الإسلام لخديجة وورقة بن نوفل.

الرواية لا يمكن أن تقبل؛ على أساس أن النبي (صلَّى الله عليه وآله) كان يشك في أن الذي جاءه، هل هو شيطان أو ملك؟ وأنه جنون وربما ظن من نفسه أن هذا مس من الجنون، ثم الرواية الثانية تصف الرسول (صلَّى الله عليه وآله) أنه يقدم على الانتحار تخلصاً مما ظنه جنوناً.

إنّ في هذا تهزيلاً شديداً لشخصية رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) من جهة.

ومن جهةٍ أخرى أن الرسول (صلَّى الله عليه وآله) يشتبه عليه الأمر، أن المخاطِب له شيطان أو ملك، بينما يأتي قوله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾(57)، ويصفه القرآن الكريم أنه على بيِّنة من ربه، كيف يكون الرسول الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) على بينة من ربه؟ وكيف يكون أتباعه على بينة من أمرهم؟ وحجة واضحة قطعية وهو الذي أخذ الحجية وأخذ البينة ممن؟ من ورقة بن نوفل الذي كان نصرانيا يكتب من الإنجيل! الرسول نفسه (صلَّى الله عليه وآله) يشك في أن هذا وحي أو ليس بوحي؟ أنه الملك أو الشيطان؟ أنّها الرحمة أو النقمة؟ رحمة الوحي أو نقمة الجنون؟ ثم يرجع الفضل كله إلى ورقة بن نوفل النصراني، فهو الذي ماذا؟ أكّد للرسول (صلَّى الله عليه وآله) بأن هذا وحي وليس جنونا، ثم يأتي قبل ذلك أنه ماذا؟ أن يقول له، يغطه بالنمط، أي يسد فاه وانفه، حتى يظن الموت لماذا؟”(58).

“فطبيعي موقع الرسول (صلَّى الله عليه وآله)، والرسالة أكبر من هذا الذي تصفه الروايات بكثير وكثير، وأن هذا الطرح يؤكد طرح بعض المحققين من كتّاب التاريخ، من أن منطلقه كان سياسيا، لإعلاء البيت الزبيري”(59).

فنجده (دام ظله) قد حاكم الأخبار بالنظر في دلالالتها فرفضها لتقليلها شأن النبي (صلَّى الله عليه وآله) الذي يؤمن به العقل السليم، ولمنافاتها للدور الذي أعطاه القرآن للنبي (صلَّى الله عليه وآله)، ووفق هذين الأمرين لم يستبعد أن يكون منطلق وضعها ودسها سياسياً.

المنهج الثالث: اللغوي: إن النصّ القرآني عبارة عن بناء لغوي قائم على قواعد اللغة ونظامها ولا يتخلف عنها، وتحليل النص لغوياً له أهميته في الكشف عن المعنى المراد فيه، ولذا أصبحت الحاجة إلى اللغة ضرورة لا تنكر، والمفسّر الاثنا عشري (دام ظله) قد وظّف المنهج اللغوي في إدراك دلالات النص في التركيب لاكتشاف معطياته في المعنى، ويمكن الإشارة بلمحة سريعة إلى موارد استفاداته اللغوية (دام ظله).

* الاستفادات التفسيرية من اللغوين: يفسّر الآية تفسيراً لغوياً، بحسب الحاجة إلى ذلك وفق ما يراه أهل اللغة، ويمكن ذكر شاهدين لذلك:

الشاهد الأول: قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾(60). فقد قال (دام ظله) في معنى: ﴿اقْرَأْ﴾: “القراءة: كما يقولون: جمع الحروف والكلمات.

وليس أيُّ جمع يسمى: قراءة. فجمع الفرد إلى الفرد من الناس أو من الحيوان أو من النبات، لا يسمى: قراءة، إنما القراءة: أن تجمع الحروف والكلمات. وهذا الجمع على مستويات:

مرة يكون الجمع جمعا ذهنيا على مستوى القراءة الصامتة، وعلى مستوى الحديث النفسي، فهنا جمع الحروف والكلمات، لكن على مستوى الذهن فقط.

ومرة تكون القراءة بجمع الحروف والكلمات بالتلفظ وللذات.

ومرة تكون القراءة بجمع الحروف والكلمات في التلفظ، ولإسماع الآخرين. والأخير قد يسمى تلاوة، كما في قوله تعالى: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾(61)”(62).

الشاهد الثاني: قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾(63)، نجده يستعين بأهل اللغة.. قال (دام ظله): “(الإصر): الثقل، وتفسير لغوي ثانٍ: هو الحبس، أهل الكتاب يقولون عنهم بأنهم كانوا بسبب تعدياتهم وتجاوزاتهم جاءت عليهم تشريعات فيها ثقل”(64)، وهذان القولان مُستفادان من مثل كتاب المفردات في غريب القرآن للراغب الإصفهاني(65).

* الاستفادة التفسيرية النحوية: إذ إنّ علم النحو من أهم العلوم اللغوية التي يوظفها المفسِّر في العمل التفسيري، فبه يفهم النّص القرآني ويقف على سرِّه ودلالاته. والمفسّر الاثنا عشري (دام ظله) قد اهتم بهذا الجانب عند اقتضاء الحاجة، ويمكن التمثيل له بالآتي:

الشاهد الأول: نجده (دام ظله) يذكر أقوال النحاة في «الباء» ويدرس الصالح منها في معنى «الباء» في قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾(66).

قال (دام ظله) في القول الأول: “اقرأ مفتتحا باسم ربِّك الذي خلق، أو مبتدِأ باسم ربِّك الذي خلق، فتكون للابتداء.

أو أنها للملابسة، أي: اقرأ متلبِّسا باسم ربك الذي خلق. يعني: اقرأ ومدة قرائتك أنت متلبس باسم الله، لا تفارق اسم الله مدة ما قرأت، فتكون قرائتك كلها دائمة على اسم الله، مصحوبة باسم الله.

أو تكون بمعنى: الدوام، والتكرير. الباء هذه تفيد الدوام والتكرير، يعني: مثلاً يقول: خذ بخطام الفرس، خذ بخطام الدابة، خذه، أيُّ أخذ؟ لا يصلح في امتثال هذا الأمر أن آخذه ثم أتخلى عنه، لكن حيث يأتي، خذ بخطام الدابة، معناه: الزمه ودُم عليه.

فـ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ لو كان هكذا، فمعناه: تقرأ الاسم وتتخلى، لكن إذا جاء، اقرأ باسم ربك، أي: دُم على قراءة اسم ربك.

أيضا يأتي من أقوالهم: أن الباء زائدة، ويأتي في أقوالهم هذه اللام زائدة، وليس معنى الزيادة في القرآن: الفضول لأنّ القرآن ليس فيه أيّ حرفٍ زائدٍ، ليس معنى الزيادة في القرآن أنّ مجيء الحرف فضول وعبث، وبلا أيّ قيمة، وإنما معنى الحرف الزائد في الكتاب الكريم -والنصوص البليغة أيضا- أنه لا يوضح متعلقاً من متعلقات الفعل. فأنت تقول في فعل «أكل»: «أكلتُ تفاحةً»، فهل أكلتَ التفاحة في الصباح أو في المساء؟ هل أكلتَها على الكرسي أو على الأرض؟ هل أكلتَها مع أحد أو لوحدك؟ إنّ كلّ هذه الأمور مجهولةٌ، ويفتقر «الفعل» إلى موضحِّات لتظهر هذه النقاط، فيأتي مثلاً: «أكلت التفاحة مع فلان»، فتتضح جنبة من جنبات الحدث، وهو حدث الأكل، وأن هذا الحدث ما كان حادثاً على نحو الاستقلال من هذا الشخص نفسه. وقولك أيضاً: «أكلت التفاحة على الكرسي»، يبين حيثية من حيثيات القضية. وقولك ثالثاً: «أكلت التفاحة في الصباح»، يبين حيثية جديدة أخرى من حيثيات القضية. إنّ الحرف الزائد لا يتكفل ببيان حيثية من حيثيات الفعل أو القضية أو الحدث، ولكنه يؤكد ذلك الحدث عيناً، فـ ﴿اقْرَأْ﴾ كما لو كان ﴿اسْمِ رَبِّكَ﴾ -هنا- مفعولاً به. وعدد من الفقهاء والمفسرين لا يرضى بأن يكون مفعولاً به.

وإذا قلنا بأن «الباء» للابتداء هنا، فهو ليس مفعولاً به، وإنما على تفسير صاحب الميزان -كأحد التفاسير-: اقرأ -كما قلنا- بمعنى: تلقى الوحي. فالمفعول به هو القرآن أو الوحي، ولكن قراءته متلبسة أو مبتدأة باسم الله.

وعلى القول بأن اسم الله مفعول به، فـ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾: طلب لقراءة اسم الرب تبارك وتعالى، إلاّ أنّ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ طلب مؤكَّد ومشدَّد عليه، فتكون الباء مفيدة للتأكيد ومع ذلك تسمى زائدة؛ لأنه لو نزعناها من التعبير، لا يختل التعبير في أصله، وإن فات غرض التأكيد، فتقول: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، وتقول: (اقرأ اسم ربِّك).

إنّ الثاني غير مؤكد، ولكنه سليم، ولم تضع حيثية من حيثيات الفعل، ولكن لما تحذف «في» من مثل: «قام زيد في الدار»، وتقول: «قام زيد الدار»، فإن التعبير سيكون مخلتفاً، فذاك الحرف يُسمّى حرفاً أصلياً، وهذا يسمى حرفاً زائداً، ولم نواجه واحداً قد قال بأنَّ هذا الحرف زائد، ويعني به: اللغو والنافلة والفضول في كتاب الله، وعلى هذا التقدير: إذا قلنا: ﴿اقْرَأْ﴾: كُنْ الذي يتلقى الوحي، كُنْ من ناحية الأهلية: المتلقي للوحي، كُن في استعدادتك في مستوى من يتلقى الوحي.

طبعا هذا المعنى يُشير إلى صناعة الله (عزَّ وجلَّ) لرسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بالأمر التكويني.

وإذا قلنا بأن الأمر تشريعي، فمعنى تلقى الوحي: تلقى القرآن باسم الله، مبتدئاً ومفتَتَحاً باسم الله. متلبِّساً باسم الله”(67).

الشاهد الثاني: قوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾(68)، فقد بيّن (دام ظله) معنى «الذلة» فيها بواسطة التدبر في التعبير بحرف (على) لا بحرف (اللام)، فقال (دام ظله): “هذه الذلّة في التعامل مع المؤمنين، ليست ذلّة انحطاط، وإنما هي ذلّة لين ورحمة وعطف وتواضع، ولذلك جاء قوله تعالى ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولم يأتِ “أذلة للمؤمنين”، فالمؤمن دائماً يعيش العزّة؛ عزّة الإيمان، وعزّة الكرامة بالصلة بالله تبارك وتعالى، وليس من مؤمن بموقع العبد ولو للمؤمن الآخر، ولكنّه يتعامل معه من موقع الإيمان، ومن موقع العطف الذي يفرضه الإيمان والرحمة بين المؤمنين يتعامل معه وكأنّه الذليل بين يديه تواضعاً لا ضِعة، في الوقت الذي تملأ نفسه عزّة الإيمان، وكرامة الإيمان، ولا تدخله روح الانسحاق أمام أيّ مخلوق من المخلوقات بما هو ذلك العبد، أو ذلك الشيء الممكن الذي لا يملك نفعاً ولا ضرّاً لنفسه فضلاً عن غيره”(69).

الشاهد الثالث: قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾(70)، قال (دام ظله): فـ”عندما تقول: «كنت أصلِّي»، ففيه دلالة على عملية استمرارية، بينما قول: «صليت» فتعني: أنّ حدثاً قد وقع. إذاً «كنت أصلِّي» تعني: صيغة استمرارٍ في الماضي، على حدّ: past continues عند الإنجليز، إنّ مثل هذه الصيغة موجودة عندنا، فتقول: «كانوا يفعلون ذلك»، و«قد فعل»، و«كان يفعل»، وكلها صيغ مختلفة. وهكذا حينما تلاحظ الآية الكريمة: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾(71)، فيبدو أن «التقوى» فيها، «تقوى» مستمرة، كانت في بداية الايمان، أو كانت سابقة للإيمان”(72).

الاستفادات التفسيرية البلاغية: تعتبر البلاغة علماً مهماً للمفسّر، ومباحثها الأساسية ثلاثة: الأول: المعاني: ويعرف به خواص تراكيب الكلام من جهة إفادة المعاني. والثاني: البيان: يعرف به خواص تراكيب الكلام من حيث اختلافها بحسب وضوح الدلالة وخفاءها. والثالث: البديع: يعرف به وجوه تحسين الكلام.

وقد اهتم الاثنا عشري (دام ظله) بعلم البلاغة في استجلاء دقائق الآيات وأسرارها ونكاتها. ويمكن النمذجة لذلك بأحد مباحث الإنشاء المندرجة تحت علم المعاني، وهو مبحث الإنكار التوبيخي الذي “يقتضي أنّ ما بعده واقع، وأنّ فاعله ملوم”(73)، نجده (دام ظله) قد وقف محللاً الاستفهام الوارد في قوله تعالى: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ * وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾(74)، متبنياً كونه استفهاماً إنكارياً، محللاً وجه الإنكار بمعونة الآيات الأخرى المتتالية، فقال (دام ظله): “﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ﴾: سؤالٌ إنكاري مفاده: النفي والإخبار المؤكّد، بأنّ قوم ثمود لن يتركوا آمنين كما يشتهون، لن يترك لهذا الإنسان أن يعبث ويلعب ويخرج عن قوانين الله حتى النهاية، إن له حداً محدوداً، إذا اصطدم انحرافه بالمسيرة الكونية، والحفاظ عليها بقدر الله غلبه قدر الله وأركسه، فلا بد من ضربة قاصمة من الله (سبحانه وتعالى) ترد المنحرفين عن خط الكون وعن خط الإرادة الإلهية في الأرض.

﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ﴾… خطِّطوا ما تخطِّطون، حاولوا ما تحاولون، شوِّهوا ما تشوِّهون، إلا أن إرادة الله فوق كل شيء، ولن تنحرف المسيرة الكونية وما قررته الإرادة الإلهية حتماً في شؤون المجتمع والناس عن مسارها أبداً.

السؤال الإنكاري.. هذا التقريع، هذا التهديد، هذا التوبيخ، هذا الوعيد، لماذا؟

الآيات الكريمة تقول: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾، متداخل متراكم كثير، ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ﴾، بحذاقة أو مع بطرٍ وأشر، نحت البيوت من الجبال لا يقوم على وسائل بدائية جداً، فهناك تقدم صناعي، وهناك تقدم عمراني، وهناك تقدم زراعي كل ذلك قد شهدته ثمود، فماذا يهددهم بعد ذلك؟ وهل هناك جور اقتصادي؟

الجواب: فيما يبدو من الآيات الكريمة، أن ليس هناك جور اقتصادي، وأن ليس هناك خلل في العدالة الاجتماعية وإنما المسألة مسألة أخرى. منطلق التهديد والوعيد شيء آخر، ليست المسألة في جميع أبعادها هو النَصَف الاقتصادي وهو العدالة الاقتصادية، إذا ساغت هذه العدالة مقنعاً وقفت مقنعة البشر، فإن شرع الله لا يقف عند هذا الحد، ويفرض على الحكام ويفرض على المتنفذين أمراً آخر فالعدالة في الإسلام أشمل من هذا وأكبر وأكمل وأعمق، ومهمة الحكم في الإسلام مهمة ترتقي لصناعة الإنسان، الصناعة الإلهية، وتربيته على خط الكمال الإلهي حتى يأتي إنساناً سوياً، عقلاً، ناضجاً، روحياً، قادراً، مستقيماً، نظيفاً… إنساناً في مشاعره وأحاسيسه ووجدانه.

محور العملية الحضارية في الإسلام الإنسان، الإنسان بحيث لا بد للحكم من أن يبلغ به مستواه الكبير الذي خطط له الله (سبحانه وتعالى) في مشروع الإنسان نفسه، فإن الإنسان في داخله مشروع كبير من الله (سبحانه وتعالى) معدٌ لمستوى فعليٍ كبير يتقدم به الملائكة فلا يصح لدولة من الدول ولا لإطروحة من الأطروحات ولا لنظام من الأنظمة الرسمية أن تهبط بهذا الإنسان من غايته الكبرى إلى أن تنحط به إلى مستوى الحيوان حتى باسم التقدم الاقتصادي والرفاه المعيشي.

﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾، الخطاب للجميع، فالجميع فيما يبدو أنهم كانوا في جنات… الجميع كانوا آمنين… الجميع كانوا في ﴿زُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾، الجميع كانوا في بيوت محصَّنة فنية، إذاً ما النقص؟ ما الخلل؟ ما موجب التوعد والتهديد من قبل الله (سبحانه وتعالى) وعدالته الصارمة؟

صالح (عليه السلام) يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾. مع التقدم الاقتصادي، مع الرفاه المعيشي، هناك فساد، هناك إسراف، والإسراف هو الميل عن خط الحق عن الأطروحة الإلهية المعصومة عن خط السماء عن الهدف الإلهي لهذا الإنسان، أي ميل عن هذا الهدف، أي ميل عن خط الله، في مسار الأمّة، وفي مسار النظام الرسمي في الأمّة، يعد إسرافاً، ويعد انحرافاً، ويعد ظلماً وزيغاً، ولا بد أن تطالب الأمّة نفسها، وتطالب حكامها بالاستقامة على خط الله وعلى خط الهدف الإنساني الذي خطط له المشروع الإنساني من صنع اليد المبدعة الإلهية.

﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ﴾، ما النقص؟ لا نقص إلا الخلل الروحي…إلا تقديم طاعة المسرفين على العادلين، الظالمين على العادلين، والمسرفين على المعتدلين، الخط الحضاري حين ينشغل بالنواحي المادية وبقضاء الحاجات البدنية فقط، ويضحي بحاجات الروح، وبالقيم الروحية من أجل البدن، فهو خط حضاري منحرف، يستحق أهله عقاب الله ووعيد الله وتهديده.

﴿وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾. المطلوب من الإنسان مجتمعاً وحكومة، المطلوب من الإنسان فرداً وجماعة أن يتحمل مسؤولية مهمة الإصلاح في الأرض، ويتفرغ لمسؤولية الإعمار الصحيح الزكي الذي يرضي الله (سبحانه وتعالى)، هذه هي المهمة الصحيحة، وهناك أمم وهناك شعوب وهناك حكومات، تتخلى عن وظيفة الإصلاح وعن وظيفة الإصلاح والإعمار، وأول ما ينبغي أن يعمر ويبنى ويزكى هي النفس البشرية، هو ضمير الإنسان، هو قلبه، هو عقله، هو روحه، حين يكون تخلٍ عن هذه الوظيفة الكبرى، لا يكفي بناء العمارات، ولا تكفي الزروع، ولا تكفي المصانع، أول ما يجب أن يبنى الأرواح والأنفس والأفئدة، وإلا كان فساد، وفساد كبير، وكان توعد من الله وتهديد.

قيادة ثمود كانت متحملة مسئوليتها بشكل لائق فيما يبدو من سياق الآيات الكريمة على المستوى المعيشي والاقتصادي، ولكنها كانت في تخلف شديد، وإسراف كبير من ناحية البعد الإنساني، وبعد الروح في الإنسان، والإنسان بروحه لا ببدنه، البدن من تراب وسيتحول إلى تراب، البدن يأكل الحيوان، وسيأكله الحيوان وأخسه الدود، ومن رأى أن قيمته في البدن فهو يضع نفسه على صعيد واحد مع الحشرات ومع الديدان، والديدان أكبر منه لأنها ستأكله”(75).

المنهج الرابع: العقلي: فتجد أنّه (دام ظله) قد استعان في فهم النّص بالتفكير العقلي السليم الملتزم بضوابط القرآن والسّنة وفهمٍ علمي يعتمد الحقائق العلمية الثابتة، مسترشداً بقوله تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾(76).

وتتلمس هذا المنهج من خلال طريقة دراسته للآيات واعتماد الضرورة والبديهيات العقلية، دامجا معها نصوص الشّرع، مما يصون الاستعمال العقلي عنده عن الرأي والاستحسان. ومن نماذج ذلك: قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾(77)، فقد استعمل (دام ظله) العقل في ترجيح النظرة الهادفة على النظرة العابثة، فيقول: في “النظرة العبثية والنظرة الهادفية: نظرتان يمكن أن تسود الإنسانية وأن الإنسانية لمنقسمة فعلاً حول هاتين النظرتين: (النظرة العبثية للكون)، و(النظرة الهادفية).

النظرة العبثية: نظرة ترى الكون وجد عبثاً، والإنسان بكل ما فيه من إبداع، ومن عوامل نهضته، ومن أسباب الرقي، وما يمثله الإنسان من نسيج متكامل يلتقي فيه كل شيء على طريق واحد من أجل غاية واحدة، يرى أن هذا الإنسان وما سخر للإنسان وجد لينتهي. فالخلق بهذا لا يكون هادفاً هذا العقل الكبير عند الإنسان، تصميم الإنسان بما فيه من إرادة، وبما فيه من مشاعر روحية، وفطرة عميقة لا تُستأصل مفتوحة على الله سبحانه، مفتوحة على عوالم غيبيّة ممدودة، هذا الشعور العميق المكين في داخل النفس البشرية الذي لا يرضى أبداً أن يجف وأن ينضب؛ الشعور بالحاجة للامتداد والخلود، هذه النظرة إلى الخلق والنظرة إلى الإمام في الإنسان. كل ذلك لا شيء وراءه ولا يرمي إلى هدف، هذه نظرة.

النظرة الهادفية: ونظرة أخرى على الخلق أن هذا الكون بما له من تصميم دقيق رائع، وهذا الإنسان بما هو عليه من انسجام، انسجام أبعاده انسجاماً متكاملاً يعني هدفاً ويسير إلى غاية. ثم أيُّ النظرتين أقدر على إعطاء الدفع لحياة الإنسان؟ وإعطاء الانسجام والتكامل في الحياة الاجتماعية عند الإنسان؟

إن مطالعة بسيطة لأشياء الكون منفردة، ثم لأشياء الكون المتشابكة ومتلاقية، تعطي نتيجة حتمية من خلال النظرة الموضوعية، أن شيئاً هنا مما وصل إليه علم الإنسان لا يقوم على غير تخطيط ولا ينطق إلا بالحكمة والهادفية والتصميم الدقيق، أن كل شيء يبتدأ من نقطة ينتهي ليسير على طريق ويؤدي دوراً، ويقوم بوظيفة، هذه الوظيفة حين ننظر للنظرة الثانية، نظرة الأشياء في مجموعها وفي علاقتها لا نجد أن وظيفة الشيء الواحد التي تعتلي كل أجزاءه وتتعاون كل أبعاضه بل كل خلاياه وذراته على إيصال الشيء إليها إلى تلك الغاية، لا نجد تلك الغاية منفردة مفصولة مبتورة عن غايات الأشياء الأخرى ومن أدوار الأشياء الأخرى، إنما تتجمع الأدوار وتلتقي الوظائف كلها من أجل أن تشكل هدفاً واحداً وتحافظ على مسار كونيٍّ خاص.

ثم إن هذا الكون الرائع الدقيق التصميم بكل شيء من أشياءه وبلحاظ مجموعه وعلاقاته يمتنع على العقل على النظرة الموضوعية من العقل، أن يبقى وهو يعيش الهادفية والتصميم الدقيق في كل زواياه في كل خلاياه في كل ذراته في العالم الداخلي للذرة الواحدة، ثم في مجراته ومجموعاته من بعد أن يعيش الكون هذا التصميم والهادفية والعلاقات المنسجمة المنضبطة في كل دقائقه وزواياه وخلاياه وذراته، يمتنع في الذرة العقلية الموضوعية أن يبقى المجموع بلا هدف وأن يوجد المجموع  عبثاً، هذا شيء”(78).

ويستثير العقل بالعقل حين يتناول قوله تعالى: ﴿وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾(79)، فيقول (دام ظله): “أيخلق الله (سبحانه وتعالى) هذا الخلق بهذه الإمكانات ليكابر الله؟ ليعصي الله؟ وليحطم خلق الله؟ وليعبث في الأرض؟ ويلعب بالمقدرات ثم يذهب؟ لماذا يريد الله (سبحانه وتعالى) الإنسان الذي يفسد في الكون؟ أترضون أنتم لأنفسكم أن توجد موجودات تفسد عليكم نظافتكم ووجودكم، فكيف نرضى من الله (عزَّ وجلَّ)، كيف يرضى العقل من كمال الله وحكمة الله وعلم الله (عزَّ وجلَّ) أن يوجد هذا الإنسان بدوره المفسد التخريبي ثم ليذهب، أو ليصلي، يصوم، يسجد، يعبد، يسبِّح باسم الله ثم يذهب، إنه المنكر الكبير”(80).

مميزات تفسير الاثني عشري يتميز تفسير الفقيه الاثني عشري (دام ظله) بمميزات تجعله تفسيراً بنّاءً:

الميزة الأولى: تتمثل في البعد التأصيلي: تأصيل وتعزيز الانتماء إلى الدين، وبناء رؤية عقائدية وإيمانية متينة.

الميزة الثانية: تتمثل في البعد العلاجي: معالجة الأمراض الأخلاقية والاجتماعية. فهو يملك قدرة على التشخيص الدقيق لأمراض الفرد والمجتمع عقائدية وفكرية ونفسية وميدانية وتربوية ونحو ذلك، كما يملك قدرة على تقديم الحلول والعلاجات المناسبة إليها، وهذه القدرة تتجلى في استفاداته الحيّة من الآيات القرآنية، واستنطاقها في معالجة تلك الأمراض، وتكاد لا تخلو آية من الآيات التي يتناولها من قيمة تستهدف التغيير الإيجابي للفرد والمجتمع، وتتطلع لرقي وكمال الإنسان. وما ذكر ليس انطباعاً يخرج به السامع والقارئ إلى تفسيره، بل يتلمسه كهاجس تقطر به كلماته، فحين تناول قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾(81)، قال -فيما قاله-: إنّ “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من صلب هذا الدين، وهي وظيفة ثابتة من وظائف الرسول الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) ومن وظائف الأئمة من بعده، وطبعاً، عملية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كانت تحتاج إلى علم رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وعلى صبر رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وإلى شفقة ورأفة ولين رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وإلى دُربة وحكمة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله).

أرأيت كم هي صعبة مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ وهل يثبت لنا الآن في ضوء كون هذه الوظيفة وظيفة للرسول (صلَّى الله عليه وآله) أنها تحتاج -بالإضافة إلى مجمل الأمّة- إلى متخصصين خبراء، تحتاج إلى خبراء متخصصين دقيقين جداً، يعالجون أمراض المجتمعات الإسلامية، إذا كانت هذه وظيفة من وظائف الرسول الأعظم (صلَّى الله عليه وآله)”(82).

الميزة الثالثة: تتمثل في البعد المقارن: فتجد في تفسيره قراءات للمذاهب الفقهية والفكرية المعاصرة والمقارنة فيما بينها وبين الإسلام أو فيما بينها وبين مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ويحدد نظرته وموقفه من هذه الرؤى، وأشير إلى شاهدين:

الشاهد الأول: قوله تعالى: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾(83). قال (دام ظله) في ظلال هذه الآية: “ليس «الأمر» كما تقول «البارجماتية»، وتقول الفلسفات المادية، بأنه لا قيم وبأنه لا أصول للأخلاق، إن هناك أصولاً أخلاقية ثابتة، وقيماً توزن بها أفعال الإنسان وتروكاته، وتقيَّم على أساسها إنسانيته، ووعيه العملي في الحياة والكون والوجود.

قالت «البراجماتية» الأمريكية، فلسفة ثابتة في أمريكا تسمى الفلسفة الواقعية، هذه الفلسفة تقول لا أخلاق، وإنما الميزان هو المصلحة المادية، إذا كانت الفلسفة المادية تقضي بالاعتراف العملي الآني بخلق معين، فيعترف به، وإذا انقلبت المصلحة بأن كان هذا الخلق مضاداً للمصلحة المادية، يذهب هذا الخلق، كل شيء، هذه الفلسفة لا ترفض الدين رفضاً مطلقاً ولا تقبل الدين قبولاً مطلقاً، لا ترفض الأخلاق رفضاً مطلقاً، ولا تقبل الأخلاق قبولاً مطلقاً، لا تقبل بشيء قبولاً مطلقاً، ولا ترفض شيئاً رفضاً مطلقاً، إنما الرفض والقبول نسبي دائماً، ومُقاس إلى المصلحة المادية، كل الفلسفات المادية تلتقي على رفض الأخلاق وأن هناك أصولاً ثابتة للسلوك البشري، ينبغي لهذا السلوك دائماً أن يأخذ بها، ليست هناك سنن ثابتة وقوانين ثابتة، ما [هو] موجود قيم يوزن بها السلوك البشري، بينما الإسلام يقول وكل الديانات السماوية تقول -من مسيحية وموسوية والشريعة الخاتمة- وكل الديانات السماوية تقول بوجود القيم الأخلاقية الثابتة، فهناك معروف وهناك منكر، ليس المعروف ما يتعارف عليه المجتمع، وليس المنكر ما يتنكر إليه المجتمع، المعروف صورة ثابتة، والمنكر صورة ثابتة، الفرد والمجتمع يقاسان في سلوكهما وفي تقدمهما وتأخرهما الإنساني والأخلاقي إلى هذه القيم الثابتة”(84).

الشاهد الثاني: قوله تعالى: ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾(85). قال (دام ظله) في ظلال هذه الآية: “ما أحله الله هو الطيِّب؛ بمعنى: أنّا في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) نعتقد أن الأوامر والنواهي الشرعية تنطلق من المصالح والمفاسد الواقعية، [توجد] نظرة عند الإخوة السُّنة تقول: بأن المجتهد يجتهد فيأتي حكمه على أي صورة أتت، فينخلق حكم شرعي واقعي مطابق لحكم المجتهد، فتكون أحكام المجتهدين دائماً مصيبة، على أساس منطقة الواقع فارغة عند الله (سبحانه وتعالى)، تنشغل طبقاً للحكم الذي يصل إليه المجتهد، بينما نحن نقول المجتهد يجتهد قد يصيب وقد يخطئ، الحكم الواقعي ثابت، له استقلاليته، ثابت قبل أن يوجد هذا المجتهد، وقبل أن يوجد إنسان.

تشريع الأحكام موجود، فعليته متوقفة على وجودك ووجودي واستكمال شروط التكليف، أما أصل التشريع فهو موجود، فالمجتهد يجتهد، قد يصيب وقد يخطئ، ويبقى الواقع محفوظاً، عندما نقول الله (سبحانه وتعالى) يشرع ما فيه المصلحة، يعني دائماً تشريعات الله (عزَّ وجلَّ)، تابعة لعلمه بالمصلحة والمفسدة، حيث يأمر لا بد أن تكون هناك مصلحة، فحيث يأتي الحكم بالأمر، ينكشف إلينا نحن الآن أن هناك مصلحة وراء هذا الأمر، وحيث يأتي التكليف بالنهي ينكشف لنا أن هناك مفسدة وراء هذا النهي، يعني إنما نهى عن مفسدة، وتبقى عقولنا في كثير من الأحيان قاصرة عن الوقوف على هذه المصلحة أو تلك المفسدة، فلا يُحلُّ الله (سبحانه وتعالى) إلا الطيب ولا يُحرِّم الله (سبحانه وتعالى) إلا الخبيث”(86).

والحمدُ للهِ أَولاً وآخراً، وظَاهِراً وباطناً. وَصَلّى اللهُ عَلى مُحَمّدٍ وَآلهِ الطَّاهِرِينَ.

الهوامش والمصادر

  • (1) المقصود بالاثني عشري هو سماحة الفقيه آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم (حفظه الله)، حيث يلقّب بالمصلّي الاثني عشري.
  • (2) فصلت : 42.
  • (3) الجمعة : 30.
  • (4) مسند أحمد لابن حنبل : 3 / 14.
  • (5) هكذا أجاب الشيخ، إعداد مجموعة من المؤمنين : 5.
  • (6) م ن، ص6.
  • (7) م ن، ص6.
  • (8) م ن، ص5.
  • (9) م ن، ص5.
  • (10) م ن، ص5.
  • (11) م ن، ص6- 8.
  • (12) الصحاح للجوهري : 6 / 2252.
  • (13) محاضرة لسماحة الفقيه الإثني عشري (دام ظله) في سورة العلق.
  • (14) يونس : 62.
  • (15) محاضرة صوتية لسماحة الفقيه الشيخ الاثني عشري (دام ظله).
  • (16) تفسير الميزان للطباطبائي : 10 / 88.
  • (17) محاضرة صوتية لسماحة الفقيه الشيخ الاثني عشري (دام ظله).
  • (18) راجع تفسير الميزان للطباطبائي : 10 / 88.
  • (19) محاضرة صوتية لسماحة الفقيه الشيخ الاثني عشري (دام ظله).
  • (20) محاضرة لسماحة الفقيه الإثني عشري (دام ظله) في سورة العلق.
  • (21) العلق : 1-5.
  • (22) محاضرة لسماحة الفقيه الإثني عشري (دام ظله) في سورة العلق.
  • (23) المصدر نفسه.
  • (24) المصدر نفسه.
  • (25) رسائل ومقالات للسبحاني : 79.
  • (26) م ن، ص79.
  • (27) أصول البحث للفضلي : 49.
  • (28) النحل : 89.
  • (29) البقرة : 185.
  • (30) النساء : 174.
  • (31) تفسير الميزان للطباطبائي : 1 / 11.
  • (32) آل عمران : 83.
  • (33) آل عمران : 85.
  • (34) آل عمران : 19.
  • (35) خطبة لسماحة الفقيه الشيخ في  29 جمادى الأولى 1412هـ – 6 / 12 / 1991م.
  • (36) كفاية الأصول للآخوند : 241.
  • (37) يونس : 62.
  • (38) محاضرة صوتية لسماحة الفقيه الشيخ الاثني عشري (دام ظله).
  • (39) آل عمران : 83.
  • (40) آل عمران : 19.
  • (41) آل عمران : 85.
  • (42) آل عمران : 19.
  • (43) الروم : 30.
  • (44) آل عمران : 83.
  • (45) خطبة لسماحة الشيخ في 29 جمادى الأولى 1412هـ – 6 / 12 / 1991م.
  • (46) العنكبوت : 2-3.
  • (47) العنكبوت : 1-2.
  • (48) الكافي للكليني : 1 / 370 ح4.
  • (49) خطبة يوم 11 رجب 1411هـ / 8 يناير 1991م.
  • (50) المائدة : 54.
  • (51) الكافي للكليني : 8 / 21 ح4.
  • (52) خطبة الجمعة (327) 24 جمادى الأول 1429هـ / 30 مايو 2008م.
  • (53) التوبة : 24.
  • (54) الشورى : 23.
  • (55) مقطع من خطبة صوتية لسماحة الفقيه الشيخ الاثني عشري.
  • (56) العلق : 1-5.
  • (57) يوسف : 108.
  • (58) محاضرة لسماحة الفقيه الاثني عشري (دام ظله) في سورة العلق.
  • (59) م ن.
  • (60) العلق : 1.
  • (61) الجمعة : 2.
  • (62) محاضرة لسماحة الفقيه الاثني عشري (دام ظله) في سورة العلق.
  • (63) الأعراف : 157.
  • (64) خطبة الجمعة لسماحة الفقيه الشيخ الاثني عشري ليوم الجمعة 19 ربيع الأول 1410هـ الموافق 20/10/1989م.
  • (65) راجع: المفردات في غريب القرآن للراغب الإصفهاني، ص18.
  • (66) العلق : 1-5.
  • (67) محاضرة لسماحة الفقيه الاثني عشري (دام ظله) في سورة العلق.
  • (68) المائدة : 54.
  • (69) خطبة الجمعة (327) 24 جمادى الأول 1429هـ / 30 مايو 2008م.
  • (70) يونس : 62- 63.
  • (71) يونس : 63.
  • (72) محاضرة صوتية لسماحة الفقيه الشيخ الاثني عشري (دام ظله).
  • (73) مغنى اللبيب لابن هشام : 1 / 17. (74) الشعراء : 146- 152.
  • (75) خطبة الجمعة (14) بتاريخ 14ربيع الثاني-1422هـ / الموافق2001م.
  • (76) محمد : 24.
  • (77) المؤمنون : 115.
  • (78) من إحدى خطب سماحة الشيخ الصوتية.
  • (79) المؤمنون : 115.
  • (80) من إحدى خطب سماحة الشيخ الصوتية.
  • (81) الأعراف : 157.
  • (82) خطبة الجمعة لسماحة الفقيه الشيخ الاثني عشري ليوم الجمعة 19 ربيع الأول 1410هـ الموافق 20/10/1989م.
  • (83) التوبة : 71.
  • (84) خطبة الجمعة لسماحة الفقيه الشيخ الاثني عشري ليوم الجمعة 19 ربيع الأول 1410هـ الموافق 20/10/1989م.
  • (85) الأعراف : 157.
  • (86) خطبة الجمعة لسماحة الفقيه الشيخ الاثني عشري ليوم الجمعة 19 ربيع الأول 1410هـ الموافق 20/10/1989م.
المصدر
مجلة رسالة القلم

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى