ثقافة

الإمام الصادق (ع) وأصحاب المذاهب

بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، بعد رحيل المصطفى (صلَّى الله عليه وآله) وبسبب إبعاد أمير المؤمنين (عليه السلام) عن إدارة الدولة الإسلامية وقيادتها، بدأ بعض أصحاب النبي (صلّى الله عليه وآله) بتبني بعض الآراء الشخصية في مختلف المجالات الدينية ومنها المجال الفقهي، لأهداف مختلفة، وكلما ابتعد الزمان عن عصر الرسول (صلّى الله عليه وآله) كثرت الاجتهادات حتى أصبحت بعض الآراء تنسب إلى شخصيات مختلفة من أصحاب النبي (صلّى الله عليه وآله) والتابعين، وازداد الحال في زمن الإمام الصادق (عليه السلام)، وكانت الحكومات خصوصا حكومة المنصور (لعنه الله) تدعم بعض هذه المذاهب لأغراض سياسية غير معلنة، والهدف الرئيس هو إبعاد الناس عن الإمام الصادق (عليه السلام) الذي ذاع صيته في الآفاق، ومُلِئت الأمصارُ بذكره وذكر مدرسته العظمى في المدينة المنورة.

ولا يخفى أنَّ الزمن الذي عاش فيه الإمام الصادق (عليه السلام) كان زمناً عصيباً من نواحٍ عدة، فرغم ما يقال من أنَّ سبب تأسيس الإمام (عليه السلام) لجامعته العظيمة بالمدينة المنورة هو انشغال الأمويين والعباسيين بالحروب والنزاع على السلطة والملك، إلا أنَّ هذا لا يعني إغفالهم الإمام (عليه السلام) وتركه لحاله، لأنَّه (عليه السلام) في نظرهم يمثل الخطر الأول على سلطانهم، والفترة التي تُرِكَ فيها الإمام (عليه السلام) لحاله ليست فترة طويلة، والملاحظ لحياة الإمام (عليه السلام) يتبين له ذلك بوضوح(1).

إن أحد الأسباب المهمة التي من أجلها نشر الإمام (عليه السلام) علومه، هو انتشار المذاهب المختلفة الكثيرة في زمنه، بالإضافة إلى كثرة وجود الملحدين والزنادقة والمشككين في الإسلام، وهذا كان أيضاً في زمن الإمام الباقر (عليه السلام)، ولكن ازداد الأمر بشكل واضح في زمن الإمام الصادق (عليه السلام)، فما كان من الإمام إلا أنْ تصدَّى لذلك بواسطة نشر علوم أهل البيت (عليهم السلام)، فكان آية عظمى من آيات الله تعالى، وحجة على الناس أجمعين، وما استطاع أحد من العلماء أن يبطلوا هذه الآية الإلهية، أو أن يقفوا قِبال هذه الحجة الربانية.

مذهب الإمام (عليه السلام) أولى بالاتباع

ورغم ابتعاد الناس عن المذهب الحق وعن أئمة الهدى وإنكارهم فضلهم (عليهم السلام)، واتباعهم للسلطان الجائر الذي كان يحارب كل شيء يتصل بأهل البيت (عليهم السلام)، فإنَّ نور الإمامة والعصمة الذي ملأ الآفاق جعل هؤلاء الناس يعترفون بأنهم لا شيء، وأنهم عيال لذلك النور، وأنهم بأمس الحاجة لتلك المدرسة المحمدية، فهذه علية القوم ورؤوس علمائهم يتذللون أمام عظمة الإمام (عليه السلام) ويخضعون له بكل جوارحهم حيث لا يسعهم غير ذلك، وتشهد بذلك كتب القوم، نكتفي بذكر ثلاثة من أهم علمائهم:

أبو حنيفة صاحب المذهب الحنفي

روى ابن عدي والذهبي والمزي عن حسن بن زياد أنه قال: “سمعت أبا حنيفة وسئل: من أفقه من رأيت؟ فقال: ما رأيت أحدا أفقه من جعفر بن محمد، لما أقدمه المنصور الحيرة، بعث إلي فقال: يا أبا حنيفة، إن الناس قد فتنوا بجعفر بن محمد فهيئ له من مسائلك الصعاب، قال: فهيأت له أربعين مسألة، ثم بعث إليَّ أبو جعفر فأتيته بالحيرة، فدخلت عليه وجعفر جالس عن يمينه، فلما بصرت بهما دخلني لجعفر من الهيبة ما لم يدخل لأبي جعفر، فسلمت، وأذن لي، فجلست، ثم التفت إلى جعفر، فقال: يا أبا عبد الله تعرف هذا؟ قال: نعم، هذا أبو حنيفة، ثم أتبعها: قد أتانا، ثم قال: يا أبا حنيفة؟ هات من مسائلك، نسأل أبا عبد الله، وابتدأتُ أسأله، وكان يقول في المسألة: أنتم تقولون فيها كذا وكذا، وأهل المدينة يقولون كذا وكذا، ونحن نقول كذا وكذا، فربما تابعنا وربما تابع أهل المدينة، وربما خالفنا جميعا حتى أتيت على أربعين مسألة ما أخرم منها مسألة، ثم قال أبو حنيفة: أليس قد روينا أن أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس”(2). وهذه شهادة من أبي حنيفة بأفقهية الإمام (عليه السلام) وأعلميته، وهو الذي يحتم على من يقبل بمذهب أبي حنيفة أن يقبل بمذهب أستاذه على أقل التقادير.

وقال عبد الحليم الجندي:”انقطع أبو حنيفة إلى مجالس الإمام طوال عامين قضاهما بالمدينة، وفيهما يقول (لولا العامان لهلك النعمان)، وكان لا يخاطب صاحب المجلس إلا بقوله (جعلت فداك يا ابن بنت رسول الله)” (3). وسيأتي في رواية أنه كان يخاطب الإمام متذللاً وهو يقول: «بأبي أنت وأمي».

مالك بن أنس صاحب المذهب المالكي

من الثابت تاريخيا عند الجميع كون مالك من تلامذة الإمام الصادق (عليه السلام)، ونقل الذهبي أنه: “لم يرو مالك عن جعفر حتى ظهر أمر بني العباس. قال مصعب: كان مالك يضمه(أي الحديث) إلى آخر”، وهذا يعني أن مالك كان من تلامذة الإمام (عليه السلام) من عهد الأمويين، وكان يستخدم التقية في نقل الحديث عن الإمام (عليه السلام). وكلماته في حق الإمام (عليه السلام) لا تقصر عما تقدم من أبي حنيفة، فقد نقل عنه قوله: “ما رأتْ عيني أفضل من جعفر بن محمد فضلا وعلما وورعا، وكان لا يخلو من إحدى ثلاث خصال: إما صائما، وإما قائما، وإما ذاكرا، وكان من عظماء البلاد وأكابر الزهاد الذين يخشون ربهم، وكان كثير الحديث، طيب المجالسة، كثير الفوائد، فإذا قال: قال رسول الله، اخضر مرة واصفر أخرى”(4).

سفيان الثوري

وهو من كبار علمائهم في ذلك الزمان، ومن تلامذة الإمام (عليه السلام)، روى الذهبي: قال الخليل بن أحمد: سمعت سفيان الثوري يقول: قدمت مكة فإذا أنا بأبي عبد الله جعفر بن محمد قد أناخ بالأبطح، فقلت: يا ابن رسول الله، لم جعل الموقف من وراء الحرم؟ ولم يصير في المشعر الحرام؟ فقال: الكعبة بيت الله، والحرم حجابه، والموقف بابه.فلما قصده الوافدون، أوقفهم بالباب يتضرعون، فلما أذن لهم في الدخول، أدناهم من الباب الثاني وهو المزدلفة، فلما نظر إلى كثرة تضرعهم وطول اجتهادهم رحمهم، فلما رحمهم، أمرهم بتقريب قربانهم، فلما قربوا قربانهم، وقضوا تفثهم وتطهروا من الذنوب التي كانت حجابا بينه وبينهم، أمرهم بزيارة بيته على طهارة. قال: فلم كره الصوم أيام التشريق؟ قال: لأنهم في ضيافة الله. ولا يجب على الضيف أن يصوم عند من أضافه. قلت: جعلت فداك فما بال الناس يتعلقون بأستار الكعبة وهى خرق لا تنفع شيئا؟ قال: ذاك مثل رجل بينه وبين رجل جرم، فهو يتعلق به، ويطوف حوله رجاء أن يهب له ذلك، ذاك الجرم(5).

والمتأمل في هذه الرواية يرى أن الأسئلة التي وجهها سفيان الثوري للإمام (عليه السلام) تكشف عن اعتقاده بعلم الإمام (عليه السلام) الغزير والموروث من النبي (صلَّى الله عليه وآله)، خصوصا وأنه لم يعترض على جواب الإمام (عليه السلام)، وإلا فما هو الوجه في السؤال عن علل الأحكام ممن هو عالم عادي لا يتميز عن غيره، بل مثل هذه الأسئلة لا توجه إلا للمعصومين (عليهم السلام). إضافة إلى أنه كان يخاطب الإمام (عليه السلام) بقوله: (جعلت فداك).

ثم إن عدد تلامذة الإمام (عليه السلام) لا يحصون وقد اشتهر أنهم أربعة آلاف عالم، وعلى كل حال، إن بروز الإمام (عليه السلام) من بين أولئك العلماء وتفوقه عليهم في العلم والعمل، بل واستصغار أولئك العلماء لأنفسهم في حضرة الإمام (عليه السلام)(والمصاديق كثيرة لا يسع المجال لذكرها) لمن أقوى الأسباب التي تجعل من الواجب على المسلمين اتباع هذا الإمام (حتى عند من لا يعتقد بعصمته (عليه السلام)).

وبدلا من جعل مذهب الإمام (عليه السلام) أحد المذاهب جعلوا مذهبه من المذاهب الشاذة، كما تجرأ ابن خلدون وهو يستعرض المذاهب فقال: “وشذ أهل البيت بمذاهب ابتدعوها، وفقه انفردوا به، وبنوه على مذهبهم، في تناول بعض الصحابة بالقدح، وعلى قولهم بعصمة الأئمة، ورفع الخلاف عن أقوالهم، وهي كلها أصول واهية”(6). وهذا الكلام إنما هو نتيجة الحقد الدفين، ولا أدري لماذا كل هذا؟؟

موقف الإمام (عليه السلام) من المذاهب الفاسدة

إن سياسات الدولة آنذاك وحفاظا على مصالحها كانت تقتضي أن تضغط على أي شخصية تمثل خطراً عليها، ولم تكن شخصية الإمام الصادق (عليه السلام) هي الوحيدة التي تتعارض مع مصالح الدولة، ولكن كان (عليه السلام) يمثل الخطر الأكبر على الخلافة المغصوبة لأنه هو الأحق بها، والناس متعاطفون معه لشهرته وعلمه وقربه من النبي (صلَّى الله عليه وآله). لذلك فالإمام (عليه السلام) ولأجل حفظ دمه من الظالم كان يستخدم التقية، ليس في الأمور السياسية فقط، بل حتى في الأمور الدينية الفقهية، لأنه كان لها صلة بالسياسة، مما يعني أن الجهر بها قد يسبب خطراً على الإمام (عليه السلام) في بعض الأحيان. ولكن هذا لا يعني أن يترك الإمام (عليه السلام) الحبل على الغارب، ويبقى أصحاب الآراء الفاسدة يلعبون بعقول الناس ويحرفون دين الله تعالى دون رادع من أحد.

فكان الإمام (عليه السلام) وهو الذي يقول: «كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم»(7) قد اتخذ طريقا غير مباشر في التصدي لتلك الآراء والاجتهادات المنحرفة، وذلك من خلال بثه لعلوم أهل البيت (عليهم السلام) بشكل عملي، وتوجيه أنظار الناس إليه من خلال مدرسته الكبرى، فإنَّ أول رسالة أرسلها الإمام (عليه السلام) إلى الناس هي أن العلم الصحيح -علم رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)- لا يوجد إلا هنا، ولا يمكن الوصول إليه إلا من خلال هذه المدرسة، وكل علم يؤخذ من غيرها فهو باطل وزخرف ليس له قيمة ولا اعتبار.

ولذلك نرى كثيراً من العلماء والفقهاء في ذلك الوقت ومن مختلف المذاهب والمعتقدات يفتخرون بانتسابهم إلى تلك الجامعة، كما كان يفتخر الصحابي أنه أخذ عن الرسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله).

الدعوة لاتّباع أهل البيت (عليهم السلام)

وقد كانت هناك بعض التصريحات للإمام (عليه السلام) في الدعوة إلى مذهب أهل البيت (عليهم السلام)كقوله (عليه السلام) لفضيل: «تجلسون وتحدثون؟ قلت نعم، قال: تلك المجالس أحبها، فأحيوا أمرنا. رحم الله من أحيى أمرنا، يا فضيل: من ذكرنا أو ذكرنا عنده فخرج عن عينيه مثل جناح الذباب غفر الله له ذنوبه ولو كانت أكثر من زبد البحر»(8). ومن ضمن أمرهم (عليهم السلام) هو الجانب الفقهي والأحكام الشرعية، وهذه الكلمة الصريحة من الإمام (عليه السلام)، وإن كان ظاهرها هو الدعوة إلى مذهب أهل البيت (عليهم السلام) فحسب، دون التعرض للمذاهب الأخرى، إلا أن باطنها يدل على ذلك أيضاً، فإن إحياء أمر أهل البيت (عليهم السلام) هو إماتة لأمر غيرهم ممن يعارضونهم سواء في العقيدة أو في الفقه.

وقوله (عليه السلام) في حديث آخر: «حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين (عليه السلام) وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وحديث رسول الله قول الله (عزّ وجلّ)»(9). ظاهره أن الإمام (عليه السلام) يريد فقط أن يُطَمْئِن من يأخذ عنه أن ما يحدثه هو حديث النبي (صلَّى الله عليه وآله) ولم يخترعه من عنده، أي أنه (عليه السلام) يريد أن يدفع عن نفسه تهمة الوضع، ولكن هذا التفسير غير صحيح على إطلاقه، لأنَّ الإمام (عليه السلام) كان معروفاً ومشهوراً بالصدق والورع عند العام والخاص، ولم يكن أحد يحتمل في الإمام (عليه السلام) هذا الاحتمال البعيد.

إذن هناك أمر آخر يريد الإمام (عليه السلام) أن يبينه للناس، وهو أن غيري من العلماء الذين يفتون الناس، متهمون في آرائهم وأحاديثهم، وأن الطريق إلى النبي (صلَّى الله عليه وآله) من غير أهل البيت (عليهم السلام) طريق غير نظيف، فكل ما يتفوه به أحد من الفقهاء الآخرين وهو معارض لفقه الإمام (عليه السلام) فهو مكذوب على النبي (صلَّى الله عليه وآله)، لأنَّ علم النبي (صلَّى الله عليه وآله) عند الإمام (عليه السلام).

وعن معاوية بن وهب قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «إن عند كل بدعة تكون من بعدي يُكادُ بها الإيمانُ ولياً من أهل بيتي موكلا به يذب عنه، ينطق بإلهام من الله ويعلن الحق وينوره، ويرد كيد الكائدين، يعبر عن الضعفاء فاعتبروا يا أولي الأبصار وتوكلوا على الله»(10).

ومن مواقفه أيضا هو أمره لبعض تلامذته المعروفين بالتشيع كزرارة أن يجلسوا في المسجد ويفتوا الناس.

موقفه من مدرسة الرأي والقياس

وهناك موقف خاص من الإمام (عليه السلام) وهو موقفه من مدرسة الرأي والقياس، التي كان يتزعمها أبو حنيفة في الكوفة. ونحن نقسم موقف الإمام (عليه السلام) من هذه المدرسة إلى قسمين؛ قسم عام وقسم خاص.

القسم العام: وهو الذي لا يختص بشخصية معينة من أهل الرأي والقياس، فقد كانت للإمام (عليه السلام) كلمات عديدة يصرح فيها بموقفه تجاه هذا المسلك، فمن ضمن كلماته (عليه السلام):

1- قوله لأبان بن تغلب: «إن السنة لا تقاس، ألا ترى أن امرأة تقضي صومها ولا تقضي صلاتها! يا أبان: إن السنة إذا قيست محق الدين».

2- «إن أصحاب المقائيس طلبوا العلم بالمقائيس فلم تزدهم المقائيس من الحق إلا بعدا، وإن دين الله لا يصاب بالمقائيس».

3- عن أبي بصير قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ترد علينا أشياء ليس نعرفها في كتاب الله ولا سنة فننظر فيها؟ فقال: لا، أما إنك إن أصبت لم تؤجر، وإن أخطأت كذبت على الله (عزّ وجلّ)»(11).

4- عن محمد بن حكيم، قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إن قوما من أصحابنا قد تفقهوا وأصابوا علما ورووا أحاديث فيرد عليهم الشيء فيقولون فيه برأيهم؟ فقال: لا، وهل هلك من مضى إلا بهذا وأشباهه؟!»(12).

5- عنه (عليه السلام): «في كتاب أدب أمير المؤمنين  (عليه السلام) قال: لا تقيسوا الدين فإن أمر الله لا يقاس، وسيأتي قوم يقيسون وهم أعداء الدين»(13).

6- وفي رسالة طويلة له (عليه السلام) جاء فيها: «أما بعد فإنه من دعا غيره إلى دينه بالارتياء والمقائيس لم ينصف ولم يصب حظه….، فمن طلب ما عند الله بقياس ورأي لم يزدد من الله إلا بعدا، ولم يبعث رسولا قط وإن طال عمره قابلا من الناس خلاف ما جاء به حتى يكون متبوعا مرة و تابعا أخرى، ولم ير أيضا فيما جاء به استعمل رأيا ولا مقياسا حتى يكون ذلك واضحا عنده كالوحي من الله، وفي ذلك دليل لكل ذي لب وحجى أن أصحاب الرأي والقياس مخطئون مدحضون، وإنما الاختلاف فيما دون الرسل لا في الرسل»(14).

الموقف الخاص: وهو موقف الإمام (عليه السلام) من أبي حنيفة زعيم أهل الرأي والقياس، فهناك مواقف كثيرة جدا تظهر فيها حدة الإمام (عليه السلام) في موقفه من أبي حنيفة، ونحن نذكر هنا بعضها:

عن عيسى بن عبد الله القرشي قال: «دخل أبو حنيفة على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال له: يا أبا حنيفة! بلغني أنك تقيس؟ قال: نعم قال: لا تقس فإن أول من قاس إبليس حين قال: خلقتني من نار وخلقته من طين، فقاس ما بين النار والطين، ولو قاس نورية آدم بنورية النار عرف فضل ما بين النورين، وصفاء أحدهما على الآخر»(15). وهنا تعريض واضح بأبي حنيفة أنه باتباعه القياس يكون متبعاً لأبليس. بل في رواية أخرى يقول الإمام (عليه السلام) لأبي حنيفة: «يا نعمان إياك والقياس فإن أبى حدثني، عن آبائه، أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: من قاس شيئا من الدين برأيه قرنه الله مع إبليس في النار، فإنه أول من قاس حين قال: خلقتني من نار وخلقته من طين، فدعوا الرأي والقياس، وما قال قوم ليس له في دين الله برهان، فإن دين الله لم يوضع بالآراء والمقاييس»(16).

وقال (عليه السلام) أيضاً: «يا نعمان هل تحسن تقيس رأسك؟ قال لا، قال فما أراك تحسن تقيس شيئا ولا تهتدي إلا من عند غيرك…»(17). وواضح أن أسلوب الإمام (عليه السلام) فيه استهزاء بأبي حنيفة.

وفي واقعة أخرى نرى الإمام (عليه السلام) يُعرِضُ عن أبي حنيفة ويتجاهله لأخذه بالقياس، فقد روي أنه أفتى أبو حنيفة غلاما فتوى تخالف فتوى الإمام (عليه السلام)، يقول الراوي: «فقمت إليه فقلت: ويلك يا أبا حنيفة إنى كنتُ العام حاجا فأتيت أبا عبد الله (عليه السلام) مسلماً عليه فوجدت هذا الغلام يستفتيه في هذه المسألة بعينها فأفتاه بخلاف ما أفتيته، فقال: وما يعلم جعفر بن محمد أنا أعلم منه، أنا لقيت الرجال وسمعت من أفواههم، وجعفر ابن محمد صحفي أخذ العلم من الكتب! فقلت في نفسي: والله لأحجن ولو حبوا. قال فكنت في طلب حجة، فجاءتني حجة فحججت، فأتيت أبا عبد الله (عليه السلام) فحكيت له الكلام فضحك، ثم قال(18): أما في قوله إني رجل صحفي فقد صدق قرأت صحف آبائي إبراهيم وموسى، فقلت: ومن له بمثل تلك الصحف؟ قال: فما لبثت أنْ طرَقَ البابَ طارقٌ وكان عنده جماعة من أصحابه فقال الغلام: انظر من ذا، فرجع الغلام فقال: أبو حنيفة، قال ادخله فدخل فسلم على أبى عبد الله (عليه السلام) فرد عليه، ثم قال أصلحك الله أتأذن في القعود؟ فأقبل(أي الإمام (عليه السلام)) على أصحابه يحدثهم ولم يلتفت إليه، ثم قال الثانية والثالثة فلم يلتفت إليه، فجلس أبو حنيفة من غير إذنه، فلما علم أنه قد جلس التفت إليه فقال: أين أبو حنيفة؟ فقيل هو ذا أصلحك الله، فقال أنت فقيه أهل العراق؟ قال نعم، قال: بما تفتيهم؟ قال: بكتاب الله وسنة نبيه (صلَّى الله عليه وآله) قال: يا أبا حنيفة تعرف كتاب الله حق معرفته وتعرف الناسخ والمنسوخ؟ قال نعم، قال: يا أبا حنيفة لقد ادعيت علما، ويلك ما جعل الله ذلك إلا عند أهل الكتاب الذين انزل عليهم، ويلك ولا هو إلا عند الخاص من ذرية نبينا (صلّى الله عليه وآله) ما ورثك الله من كتابه حرفا، فإنْ كنتَ كما تقول ولست كما تقول فأخبرني عن قول الله عز وجل: [سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ] أين ذلك من الأرض؟….»(19). ومثل هذا الإعراض حصل لعبد الله بن شبرمة أيضاً وهو أحد فقهاء العامة في ذلك الزمن(20).

وفي رواية أخرى تبين أنَّ أبا حنيفة كان يخشى من عدم إذن الإمام (عليه السلام) له بالدخول، فقد روي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه قال: «قال لي أبو حنيفة: أحب أن أدخل إلى هذا الرجل فأسلم عليه، يريد جعفر ابن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، وأسئله وأخاف أن لا يأذن لي قال عبد الرحمان بن أبي ليلى فقلت له: أخلق به إن علم بمكانك أن لا يأذن لك، ولكن كن معي فإن أذن لي دخلتَ معي، قال: قضينا إلى بابه فقلت لغلامه: اقرأه السلام وقل له: عبد الرحمان بن أبي ليلى ورجل من أهل الكوفة، قال: فرجع إلينا بالإذن فدخلنا عليه فرحب بنا وقرب حتى إذا اطمأننا أقبل علي قال: من هذا الرجل؟ فقلت: بأبي أنت وأمي أبو حنيفة فقيه أهل الكوفة قال: فأقبل عليه فقال: أنت النعمان بن ثابت؟ قال: نعم، بأبي أنت وأمي، قال: أنت الذي تقيس الدين برأيك؟ قال: بأبي أنت وأمي إنما أقول ذلك في النازلة أو الحادثة تحدث ليس لها في كتاب الله خبر ولا في سنة رسول الله(ص) ولا في إجماع عليه. قال: فتبسم ثم قال: ويحك يا نعمان ما لم يكن له في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ولا في إجماع المسلمين ولا في خبر المتصل حجة فقد زال عنك حكمه ووضع عنك فرضه فلم تتكلف لم تؤمر، ويحك يا نعمان إياك والقياس فإن أهل القياس لا يزالون في التباس الخ»(21).

وفي هذه الرواية نرى صغر أبي حنيفة وهو كالعصفور أمام عظمة الإمام (عليه السلام).

ولعل السبب في هذا الموقف الحازم من الإمام (عليه السلام) لمدرسة القياس بما لم يواجه به مدرسة الحديث، هو ما تمثله مدرسة الرأي والقياس من خطر كبير على الدين، فإن أصحاب مدرسة الحديث وإن كانوا منحرفين عن الصراط المستقيم إلا أن أحاديث النبي (صلَّى الله عليه وآله) والآيات القرآنية كانت إلى حد ما مقدسة عندهم، وأما أصحاب مدرسة الرأي فإنهم ضربوا الآيات والروايات عرض الجدار، واقتصروا على آرائهم وعقولهم القاصرة، فينقل ابن حبان(م354) (وهو صاحب أحد الصحاح) عن يوسف بن أسباط قال: قال أبو حنيفة: “لو أدركني رسول الله (صلّى عليه وسلم) لأخذ بكثير من قولي، وهل الدين إلا الرأي الحسن”(22)، وقال في كتابه المجروحين ص63 واصفاً أبا حنيفة: “وكان رجلا جدلا ظاهر الورع لم يكن الحديث صناعته، حدث بمائة وثلاثين حديثا مسانيد ماله حديث في الدنيا غيرها، أخطأ منها في مائة وعشرين حديثا. إما أن يكون أقلب إسناده أو غير متنه من حيث لا يعلم، فلما غلب خطؤه على صوابه استحق ترك الاحتجاج به في الأخبار، ومن جهة أخرى لا يجوز الاحتجاج به لأنه كان داعيا إلى الإرجاء والداعية إلى البدع لا يجوز أن يحتج به عند أئمتنا قاطبة لا أعلم بينهم فيه خلافا”. وهذا قليل فيما نقل عن أبي حنيفة، ومن أحب التوسع فليراجع الكتاب المذكور في ترجمة أبي حنيفة.

والحمد لله رب العالمين.

المصادر والهوامش

  • (1) في الكافي ج1، ص53، «عن محمد بن الحسن بن أبي خالد شينولة قال: «قلت لأبي جعفر الثاني (عليه السلام): جعلت فداك إن مشايخنا رووا عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) وكانت التقية شديدة، فكتموا كتبهم ولم ترو عنهم فلما ماتوا صارت الكتب إلينا فقال: حدثوا بها فإنها حق».
  • (2) الكامل لعبد الله بن عدي(م365)، ج2، ص132، سير أعلام النبلاء للذهبي(748) ج6، ص257- 258وكذلك في تاريخ الإسلام، ج9، ص89-90، وتهذيب الكمال للمزي(م742)، ج5، ص79-80.
  • (3) الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، عبد الحليم الجندي، ص162.
  • (4) مناقب آل طالب، ج3، ص396.
  • (5) سير أعلام النبلاء، ج6، ص266.
  • (6) تاريخ ابن خلدون، ج1، ص446.
  • (7) الكافي، ج2، ص78.
  • (8) الوسائل ج12، ص20.
  • (9) الكافي، ج1، ص53.
  • (10) الكافي، ج1، ص54.
  • (11) الكافي، ج1، ص56 و57.
  • (12) المحاسن، ج1، ص212.
  • (13) المحاسن، ج1، ص215.
  • (14) المحاسن، ج1، ص209-210، الوسائل ج27، ص50-51.
  • (15) الكافي ج1، ص58.
  • (16) علل الشرائع، ج1، ص88-89.
  • (17) علل الشرائع، ج1، ص88.
  • (18) في نسخة البحار عن العلل: «فضحك ثم قال: عليه لعنة الله أما في قوله: إني رجل صحفي…» البحار، ج2، ص293.
  • (19) علل الشرائع، ج1، ص89-90، والرواية طويلة فيها فوائد جمة.
  • (20) المحاسن، ج1، ص210.
  • (21) شرح إحقاق الحق، ج12، ص214.
  • (22) كتاب المجروحين لابن حبان، ج3، ص65.
المصدر
مجلة رسالة القلم

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى