ثقافة

والذين لا يدعون مع الله إلها آخر

وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (70) وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71). الفرقان.

التوحيد الخالص

السادسة التي وردت في هذه الآيات هي التوحيد الخالص الذي بيعدهم عن كل أنواع الشرك والثنوية والتعددية في العبادة ، فيقول تعالى : والذين لا يدعون مع الله إلها آخر فقد أنار التوحيد آفاق قلوبهم وحياتهم الفردية والاجتماعية ، وانقشعت عن سماء أفكارهم وأرواحهم ظلمات الشر.

طهارتهم من التلوث
الصفة السابعة طهارتهم من التلوث بدم الأبرياء ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق .

ويستفاد جيدا من الآية أعلاه أن جميع الأنفس الإنسانية محترمة في الأصل ، ومحرم إراقة دمائها إلا إذا تحققت أسباب ترفع هذا الاحترام الذاتي فتبيح إراقة الدم.

ولا يزنون

صفتهم الثامنة هي أن عفافهم لا يتلوث أبدا : ولا يزنون إنهم على مفترق طريقين : الكفر والإيمان ، فينتخبون الإيمان ، وعلى مفترق طريقين الأمان واللا أمان في الأرواح ، فهم يتخيرون الأمان ، وعلى مفترق طريقين : الطهر والتلوث : فهم يتخيرون النقاء والطهر . إنهم يهيئون المحيط الخالي من كل أنواع الشرك والتعدي والفساد والتلوث ، بجدهم واجتهادهم وفي ختام هذه الآية يضيف تعالى من أجل التأكيد أكثر : ومن يفعل ذلك يلق أثاما.

” الإثم ” و ” آثام ” في الأصل بمعنى الأعمال التي تمنع من وصول الإنسان إلى المثوبة ، ثم أطلقت على كل ذنب ، لكنها هنا بمعنى جزاء الذنب .

قال بعضهم أيضا : إن ” إثم ” بمعنى الذنب و ” آثام ” بمعنى عقوبة الذنب فإذا رأينا أن بعض المفسرين ذكروها بمعنى صحراء أو جبل أو بئر في جهنم فهو في الواقع من قبيل بيان المصداق.

ومن الملفت للنظر في الآية أعلاه ، أنها بحثت أولا في مسألة الشرك ، ثم قتل النفس ، ثم الزنا ، ويستفاد من بعض الروايات أن هذه الذنوب الثلاثة تكون من حيث الأهمية بحسب الترتيب الذي أوردته الآية .

ينقل ابن مسعود عن النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، قال : سألت رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : أي الذنب أعظم ؟ قال : ” أن تجعل لله ندا وهو خلقك ” قال : قلت : ثم أي ؟ قال : ” أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك ” قال : قلت : ثم أي ؟ قال : ” أن تزاني حليلة جارك ” فأنزل الله تصديقها وبالرغم من أن الكلام في هذا الحديث ، ورد عن نوع خاص من القتل والزنا ، لكن مع الانتباه إلى إطلاق مفهوم الآية يتجلى أن هذا الحكم يشمل جميع أنواع القتل والزنا ، وما في الرواية مصداق أوضح لهما تتكئ الآية التالية أيضا على ما سبق ، من أن لهذه الذنوب الثلاثة أهمية قصوى ، فيقول تعالى : يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا.

ويتجسد هنا سؤالان:
الأول : لماذا يتضاعف عذاب هذا النوع من الأشخاص ؟ ولماذا لا يجازون على قدر ذنوبهم ؟ وهل ينسجم هذا مع أصول العدالة ! ؟
الثاني : إن الكلام هنا عن الخلود في العذاب ، في حين أن الخلود هنا مرتبط بالكفار فقط . والذنب الأول من هذه الذنوب الثلاثة التي ذكرت في الآية يكون كفرا ، فقط ، وأما قتل النفس والزنا فليسا سببا للخلود في العذاب بحث المفسرون كثيرا في الإجابة على السؤال الأول ، وأصح ما أوردوه هو أن المقصود من مضاعفة العذاب أن كل ذنب من هذه الذنوب الثلاثة المذكورة في هذه الآية سيكون له عقاب منفصل ، فتكون العقوبات بمجموعها عذابا مضاعفا .

فضلا عن أن ذنبا ما يكون أحيانا مصدر الذنوب الأخرى ، مثل الكفر الذي يسبب ترك الواجبات وارتكاب المحرمات ، وهذا نفسه موجب لمضاعفة العذاب الإلهي.

لهذا اتخذ بعض المفسرين هذه الآية دليلا على هذا الأصل المعروف :أن ” الكفار مكلفون بالفروع كما أنهم مكلفون بالأصول “.

وأما في الإجابة على السؤال الثاني : فيمكن القول أن بعض الذنوب عظيم إلى درجة يكون عندها سببا في الخروج من هذه الدنيا بلا إيمان ، كما قلنا في مسألة قتل النفس في ذيل الآية ( 93 ) سورة النساء.)

ومن الممكن أن يكون الأمر كذلك في مورد الزنا أيضا ، خاصة إذا كان الزنا بمحصنة.

ومن المحتمل أيضا أن ” الخلود ” في الآية أعلاه يقصد به من يرتكب هذه الذنوب الثلاثة معا ، الشرك وقتل النفس والزنا ، والشاهد على هذا المعنى : الآية التالية حيث تقول : إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا.

واعتبر بعض المفسرين – أيضا – أن ” الخلود ” هنا بمعنى المدة الطويلة لا الخالدة ، لكن التفسير الأول والثاني أصح.

ومن الملفت للنظر هنا – فضلا عن مسألة العقوبات العادية – عقوبة أخرى ذكرت أيضا هي التحقير والمهانة ، أي البعد النفسي من العذاب ، وقد تكون بذاتها تفسيرا لمسألة مضاعفة العذاب ، ذلك لأنهم يعذبون عذابا جسديا وعذابا روحيا.

لكن القرآن المجيد كما مر سابقا ، لم يغلق طريق العودة أمام المجرمين في أي وقت من الأوقات ، بل يدعو المذنبين إلى التوبة ويرغبهم فيها ، ففي ، الآية التالية يقول تعالى هكذا : إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ، وكان الله غفورا رحيما.

كما مر بنا في الآية الماضية ، ففي الوقت الذي ذكرت ثلاثة ذنوب هي من أعظم الذنوب ، تركت الآية باب التوبة مفتوحا أمام هؤلاء الأشخاص ، وهذا دليل على أن كل مذنب نادم يمكنه العودة إلى الله ، بشرط أن تكون توبته حقيقية، وعلامتها ذلك العمل الصالح ( المعوض ) الذي ورد في الآية ، وإلا فإن مجرد الاستغفار باللسان أو الندم غير المستقر في القلب لا يكون دليلا على التوبة أبدا.


  • تفسير الأمثل سورة الفرقان / اية الله مكارم الشيرازي.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى