ثقافة

والذين إذا ذكروا بآيات ربهم

وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (73) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74) أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا (75) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (76). الفرقان.

احترام وحفظ حقوق الآخرين

في متابعة للآيات الماضية التي كررت القول في خصائص ” عباد الرحمن، تشرح هذه الآيات بقية هذه الصفات :


الصفة الرفيعة التاسعة لهم ، هي احترام وحفظ حقوق الآخرين : إن هؤلاء لا يشهدون بالباطل مطلقا : والذين لا يشهدون الزور .

المفسرون الكبار فسروا هذه الآية على نحوين :

اعتبر بعضهم ” الزور ” بمعنى ” الشهادة بالباطل ” كما قلنا أعلاه ، لأن ” الزور ” لغة بمعنى التمايل والانحراف ، وحيث أن الكذب والباطل والظلم من الانحرافات ، فإن ” الزور ” يطلق عليها .

هذه العبارة ( شهادة الزور ) في كتاب الشهادات في فقهنا ، موجودة بنفس هذا العنوان ، وقد نهي عنها في روايات متعددة ، وإن لم نر في تلك الروايات استدلالا بالآية أعلاه .

التفسير الآخر : هو أن المقصود من ” الشهود ” هو ” الحضور ” يعني أن عباد الرحمن لا يتواجدون في مجالس الباطل .

وفي بعض الروايات التي وردت عن طرق أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فسرت ب‍ ” الغناء ” أي تلك المجالس التي يتم فيها إنشاد اللهو مصحوبا بأنغام الآلات الموسيقية أو بدونها .

لا شك أن مراد هذا النوع من الروايات ليس هو تحديد مفهوم ” الزور ” الواسع ب‍ ” الغناء ” ، فالغناء واحد من مصاديقه البارزة إنه يشمل سائر مجالس اللهو واللعب وشرب الخمر والكذب والغيبة وأمثال ذلك .

ولا يستبعد أيضا أن يجتمع كلا التفسيرين في معنى الآية ، وعلى هذا فعباد الرحمن لا يؤدون الشهادة الكاذبة ، ولا يشهدون مجالس اللهو والباطل والخطيئة ، ذلك لأن الحضور في هذه المجالس – فضلا عن ارتكاب الذنب – فإنه
مقدمة لتلوث القلب والروح .

امتلاك الهدف

ثم يشير تعالى في آخر الآية إلى صفتهم الرفيعة العاشرة ، وهي امتلاك الهدف الإيجابي في الحياة ، فيقول : وإذا مروا باللغو مروا كراما .

إنهم لا يحضرون مجالس الباطل ، ولا يتلوثون باللغو والبطلان . ومع الالتفات إلى أن ” اللغو ” يشمل كل عمل لا ينطوي على هدف عقلائي ، فإن ذلك يدل على أن ” عباد الرحمن ” يتحرون دائما الهدف المعقول والمفيد والبناء ، وينفرون من اللا هدفية والأعمال الباطلة ، فإذا اعترضهم هذا النوع من الأعمال في مسير حياتهم ، مروا بمحاذاتها مرور اللامبالي ، ولا مبالاتهم نفسها دليل على عدم رضاهم الداخلي عن هذه الأعمال ، فهم عظماء بحيث لا تؤثر عليهم الأجواء
الفاسدة ولا تغيرهم .

ولا شك أن عدم اعتنائهم بهذه الأمور من جهة أنهم لا طريق لهم إلى مواجهة الفساد والنهي عن المنكر ، وإلا فلا شك أنهم سوف يقفون ويؤدون تكاليفهم حتى المرحلة الأخيرة .

امتلاك العين الباصرة

الصفة الحادية عشر لهذه النخبة امتلاك العين الباصرة والأذن السامعة حين مواجهتهم لآيات الخالق ، فيقول تعالى : والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا .

من المسلم أن المقصود ليس الإشارة إلى عمل الكفار ، ذلك لأنهم لا اعتناء لهم بآيات الله أصلا ، بل إن المقصود : فئة المنافقين أو مسلمو الظاهر ، الذين يقعون على آيات الله بأعين وآذان موصدة ، دون أن يتدبروا حقائقها ويسبروا غورها ، فيعرفوا ما يريده الله ويتفكروا فيه ، ويستهدوه في أعمالهم .

ولا يمكن طي طريق الله بعين وأذن موصدتين ، فالأذن السامعة والعين الباصرة لازمتان لطي هذا الطريق ، العين الناظرة في الباطن ، المتعمقة في الأشياء ، والأذن المرهفة العارفة بلطائف الحكمة .

ولو تأملنا جيدا لأدركنا أن ضرر هذه الفئة ذات الأعين والآذان الموصدة وفي ظنها أنها تتبع الآيات الإلهية ، ليس أقل من ضرر الأعداء الذين يطعنون بأصل شريعة الحق عن وعي وسبق اصرار ، بل أن ضررهم أكثر بمراتب أحيانا .

التلقي الواعي عن الدين هو المعين الأساس للمقاومة والثبات والصمود ، لأن من اليسير خداع من يقتصر على ظواهر الدين ، وبتحريفه يتم الانحراف عن الخط الأصيل ، فيهوي بهم ذلك إلى وادي الكفر والضلالة وعدم الإيمان .

هذا النوع من الأفراد أداة بيد الأعداء ، ولقمة سائغة للشياطين ، المؤمنون وحدهم هم المتدبرون المبصرون السامعون كمثل الجبل الراسخ ، فلا يكونون لعبة بيد هذا أو ذاك .

نقرأ في حديث عن أبي بصير ، قال : سألت أبا عبد الله ( عليه السلام ) عن قول الله عز وجل : والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا ، قال : ” مستبصرين ليسوا بشكاك ” .

التوجه الخاص

الصفة الثانية عشر الخاصة لهؤلاء المؤمنين الحقيقيين ، هي التوجه الخاص إلى تربية أبنائهم وعوائلهم ، وإيمانهم بمسؤوليتهم العظيمة إزاء هؤلاء والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين .

بديهي أن معنى هذا ليس أن يقبعوا في زاوية ويتضرعوا بالدعاء ، بل إن الدعاء دليل شوقهم وعشقهم الداخلي لهذا الأمر ، ورمز جدهم واجتهادهم .

من المسلم أن أفرادا كهؤلاء لا يقصرون في بذل ما لديهم من طاقة وقدرة في تربية أبنائهم وأزواجهم ، وتعريفهم بأصول وفروع الإسلام ، وسبل الحق والعدالة وفي ما لا تصل إليه قدرتهم وطاقتهم ، فإنهم يدعون الله ، يسألونه التوفيق بلطفه .
فالدعاء الصحيح من حيث الأصل ، ينبغي أن يكون هكذا : السعي بمقدار الاستطاعة ، والدعاء خارج حد الاستطاعة .

” قرة العين ” كناية عمن يسر به ، هذا التعبير أخذ في الأصل من كلمة ” قر ” التي بمعنى البرد ، وكما هو معروف ( وقد صرح به كثير من المفسرين ) أن دمعة الشوق والسرور باردة ، ودموع الحزن والغم حارة حارقة ، لذا ف‍ ” قرة عين “
بمعنى الشئ الذي يسبب برودة عين الإنسان ، يعني أن دمعة الشوق تنسكب من عينيه ، وهذه كناية جميلة عن السرور والفرح .


  • تفسير الأمثل سورة الفرقان / اية الله مكارم الشيرازي.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى