ثقافة

الحقائق الأربع

المقدمة

عندما يقف الإنسان متأملا نفسه و كيانه و معطيات تجاربه الحياتية و مكتسباته الخبروية و نتائج أفكاره و سلوكياته و أفعاله الناشئة من عدة تصورات و رؤى فكرية، الناجمة عن أسلوب معين في التفكير و الاستدلال و الاستنتاج، عندما يتأمل ذلك كله، يدرك مدى ضعفه و عجزه و خطأه الكثير و عثراته الجمة العظيمة، و زلاته الفاحشة الجسيمة، لأنه يلاحظ عندما يقف هذه الوقفة مناشئ هذه الأفكار المستتبعة للعمل على وفقها، فيرى أن كثيرا منها كان مبتنيا على أساس من الغفلة و الذهول عن أمور لها مدخلية عظمى في التأثير على صحة هذه الفكرة أو خطأ تلك، و يرى أن مسلمات لديه قد نمت على أصول ضعيفة غير عميقة، و يلحظ أن كثيرا من الاستنتاجات الفكرية التي تثبت في ذهنه بعيدة عن الصواب بلحاظ تأثير الوهم و العاطفة، فيلجأ بعد ذلك إلى تصحيح ما سقم من آراء و تقويم ما اعوج من فكر و معلومات مختزنة لديه إذا كان ممن أزاح غشاوة التعصب عن قلبه و استسلم لإحناء أنفه أمام كبرياء الحق، و لكنه يفاجأ في مرات عديدة أن ما اطمأن إليه من تصحيح، و ما استأنس به من تقويم، لا يعدو كونه خطأ أضيف إلى خطأ، و عثرة زادت على عثرة، و هكذا دواليك إلا من عصم الله سبحانه أو من أخذ بيده بالتأييد و التوفيق لطريق العصمة، أما من لم يكن كذلك يضطر إلى الإيمان بوجوب و ضرورة لجوئه إلى قوة تقيه خطر هذا الضعف، و أن يستمد القدرة و السلامة الفكرية من قادر عالم مطلق، و أن يلوذ بمن يرجعه إلى الخط السليم و يجنبه تبعات اتباع الخط المستوجب للعثرة و الزلة. و هذا واقع لا ينكره منصف و لا يسلم به إلا من تجرد عن نزعات الكبر و الأنا، و فتح بصيرته و أعدها لاستقبال الهدى، و أشرفت نافذة قلبه على خميلة العلم و المعرفة طلبا للكمال و سعيا وراء سد الخلل و النقص، هذا هو حال ابن آدم ساعة ينجو و أخرى يكبو، لأنه فقر كله و حاجة صرفة لا تشوبها القدرة إلا بمقدار ما أفاضه صاحب القدرة، و هل عاشوراء الحسين(ع) إلا نتيجة جهل الإنسان و عجزه ؟ و هل قتل تلك الصفوة الطاهرة و سفك دمائها و دماء ذويها و محبيها و سبي نسائها إلا أثر ما أسلفناه من أن الإنسان لا يمكن له الاعتماد المطلق على نتاج عقله و الاستغناء به عن عصمة الله سبحانه ؟ ما كان انحراف أمة محمد(ص) إلا من تأثير الوهم و العاطفة على عقول الأمة التي تكون ضعيفة دائما أمامهما من دون الإعانة الإلهية و المدد و التسديد الإلهي، و من أهم آثار هذا الانحراف ما صرنا نلامسه و نحس به في عصرنا هذا من فقد نبينا و غيبة ولينا و شدة الفتن بنا و تظاهر الزمان علينا، حتى صرنا أشد الأمم استضعافا في الأرض و أقلها خطرا و أدونها شأنا، فكان مما ابتلي به أهل هذا الزمان من مؤمن صالح و فاجر طالح الانحراف و الابتعاد عن خط و قوانين الله سبحانه، و استبدالها بنتاج العقل البشري الذي أثبت فشله و فشل أحكامه و تصديقاته و استنتاجاته في كثير من المواطن، فألزم بهذا الاستبدال المؤمنون كرها، و أخذ به المترفون طوعا إيمانا منهم بأنه البديل الأنسب للأحكام الإلهية التي اتهموها بأنها تقليدية جامدة، مما يعني أنها لم تعد قادرة على مواكبة السير الحضاري الهائل الكم و الكيف في هذا القرن، و وصموا مؤيديها بمختلف مصطلحات التخلف و الرجعية، غافلين بذلك عن كون تقدمهم و تحضرهم المادي صنيع يد الحضارة الإسلامية الشماء، و ما نريد أن نصل إليه من خلال هذه الأسطر التعرف على عدة حقائق تفند هذه الاتهامات المهزوزة، و التي لا تستند إلى أصل فكري قوي، و تبين سخف هذه الأقوال الناشئة عن بغض الإسلام و أهله، مستلهمين ذلك في النتيجة من عاشوراء الحسين(ع)، علنا نستطيع بذلك حماية شبابنا من التأثر بأقوال بعض من تلبس بعدة عناوين خاوية بعيدة عن خط الإسلام من خلال التأمل الصادق الممعن في ما سنورده من كلام، أو أن نوصل رسالتنا إلى هؤلاء المساكين الجهلة بقولنا لهم _ إن كانوا ممن لا يكادون يفقهون حديثا _ ابتعدوا بفكركم الضعيف الذي لا يستطيع الصمود أمام صرح الإسلام المنيع إلى بلد تجدون فيه أنفسكم مع من ألقى جلباب الفطرة عن نفسه و ألقى عليها بواري الغفلة و الانحراف عن خط الفطرة السليمة التي لم تعبث بها أيادي اغترار الإنسان بعقله القاصر، ابتعدوا عن بلد الإسلام لأنه لا ينخدع بالمصطلحات البراقة التي لا تمتلك منبعا معصوما أصيلا كمنبع محمد(ص) و أهل بيته الأطهار(ع)، لا صوت يُسمع لكم في بلد قد نذر نفسه للإسلام، و لا كلب يلهث وراء ما تطلقونه من دعايات فاسدة تتنافى مع مبادئنا و قيمنا الإسلامية.

الحقيقة الأولى :

ما هي حقيقة الأحكام الإلهية ؟

يجهل الكثير من الناس حقيقة الأحكام الإلهية مما يدفعه إلى محاربتها بشكل عنيف شرس، و اتهامها بأنها تفتقد المعاني التي توصل الإنسان إلى قمة الحضارة و الرقي الإنساني، و قد صوروها بأنها أشبه ما تكون بالريح العاصف التي تقابل من يتجه إلى طريق التمدن الحضاري فتحول دون وصوله إلى مقصده و مبتغاه، كما عبروا عنها بالقيود و الأصفاد الحديدية التي تكبل حرية الإنسان لتجعله إنسانا رجعيا يعيش في إطار فكري محدود غير متحرر، لا يمكنه الخروج منه لمواكبة الطفرة الحضارية القائمة، و وصفوا الإنسان الذي ينادي للقيم الإسلامية بأوصاف هي أبعد ما تكون عن الصحة و الواقع بقولهم أنه إنسان لم يدرك معنى الحرية، و أنه قد جمد عقله حتى أصابه العطب فصار غير قادر على استخدامه في الموارد التي كان من الواجب استخدامه فيها، و قد أطلقوا عليه مختلف عبائر التخلف و حاربوه بأشد ما يكون، حتى وصل بهم الأمر إلى أن يأتوا ببدائل و أطروحات و رؤى فكرية قد نشأت في مهد الكفر و الإلحاد، و من ثم دعوا الناس بعد مرحلة التنظير إلى تفعيل هذه الأفكار و الالتزام بهذه المبادئ المستقاة من نبذ كل ما يتعلق بالدين، و المنطلقة من أصل و شعار (الدين أفيون الشعوب)، و مما يندى له الجبين و يبعث على الاستغراب و الاستنكار، دعوة بعض من يدعي أنه مسلم إلى هذه المفاهيم و المغالطات السخيفة، و هذا ما يدعونا للتنويه على حقيقة لا يصح غض الطرف عنها، و هي أنه ليس كل من قال أنا مسلم فهو كذلك قلبا و قالبا، بل إن هناك من يدعي التزامه بدين الإسلام في حين أنه لا يعي من الإسلام إلى اسمه و رسمه، فالفرق واضح جلي بين مفهومي المسلم و الإسلامي، فبينهما نسبة العموم و الخصوص المطلق كما يصطلح المناطقة، فإن مفهوم المسلم أعم من مفهوم الإسلامي و هذا الأخير أخص من سابقه، و عليه فإن كل إسلامي مسلم و لا عكس، فهناك من قال أنه يدين بدين الإسلام لمجرد لحاظات عرفية مكتسبة من التقاليد و الأعراف المحيطة، و لكنه في الحقيقة و الواقع قد انبهر بالحضارة المادية الغربية أيما انبهار، فدعاه ذلك بتأثير الزمان و المكان إلى وضع قلب غربي في قالب ظاهره الإسلام، فحذار حذار من هؤلاء، و لذلك كان لزاما علينا أن نبين حقيقة الأحكام الإلهية لمن فكر بانتهاج منهج هؤلاء، أو لمن يحمل بعض أفكار هؤلاء في خلجات نفسه فيمنعه محيطه الملتزم من البوح بها و الإفصاح عنها، علنا ننال بذلك حظوة هداية ضال أو محتار، و إلا نطمئن لا أقل بأننا قد قمنا بتكليفنا الشرعي من أمر بمعروف و نهي عن منكر.

نعود و نسأل، ما هي حقيقة الأحكام الإلهية ؟ عندما نتمعن في منشأ الأحكام الإلهية نستطيع أن نتعرف على حقيقة هذه الأحكام و أن نعرف السر الخفي وراء إصرارنا على التمسك بها و دعوة الآخرين إلى التحلي بهذا التمسك، فإن واضع هذه الأحكام هو الله سبحانه و تعالى، مما يستتبع الكثير من المعاني الحرية بالتأمل، فحين تؤمن بأن الواضع لهذه الأحكام عالم مطلق، فلا بد لك من أن تطمئن إلى أن الجهل لا سبيل له البتة للمس هذه الأحكام و التأثير عليها، و عندما تؤمن أن واضع هذه الأحكام حكيم مطلق، لا تخشى سراية حالة العبث و اللهو و اللاهدفية لتعكير صفو هذه الأحكام، و مع ملاحظة أن هذا الواضع غني مطلق، ينتفي احتمال تعرض هذه القوانين إلى الأهواء و منطلقات المصالح الشخصية و الحاجة و ما شابه، و عندما تذعن أن واضع هذه الأحكام عادل لا تعرف ساحته الظلم و الجور، تستطيع أن تنام قرير العين لأمنك من أن تنفعل القوانين التي تعلوك بأنواع الظلم و العدوان، و حين تصدق بامتناع الخطأ و الزلل على من وضع هذه القوانين و تعترف بعصمته، تقر نفسك لما تعلمه بأن هذا النوع من الأحكام لا يمكن أن تتطرقه الثغرات المهلكة و المنزلقات الخطيرة، و ذلك كله يكفل لنا تجنب عناء التفكير الدائم في تبديل هذه المادة أو تلك محاولة لسد الثغرات و اجتناب المنزلقات، هذه هي حقيقة الأحكام و القوانين الإلهية، عصمة في عصمة، و صفاء في صفاء، فعجبت لمن التفت بعد ذلك لهذه الحقائق كيف يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، و لا عجب حين لا يغيب على المتأمل ما قد أصاب هذه القلوب من أمراض فتكت بها حتى أخرجتها عن إطار التفكير السليم المتجرد عن كل الجواذب الدنيوية، و أفقدتها جميع مقومات الإنصاف و الاستسلام للحق، فجعلتها قلوبا تتثاقل إلى الأرض إلى أن أخلدت إليها، لا معنى بعد وضوح هذه الحقائق للتشدق بالمصطلحات ذات الوهج الملفت و الباطن المفتقر لمضامين الحق، الديمقراطية مثلا من الأطروحات التي دُعي إليها كبديل لأطروحة الإسلام، الديمقراطية بمفهومها الغربي زخرف من القول لا يغني عن الحق شيئا، عجبا ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين، إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم و آباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان، إن يتبعون إلا الظن و ما تهوى الأنفس و لقد جاءهم من ربهم الهدى، لم تكن الأكثرية يوما في دين الإسلام هي الحاكمة، بل كانت العبرة في العصمة و العصمة فقط، صار بعضنا يردد هذا المصطلح من دون الالتفات لما يعنيه، إن الديمقراطية التي جعلوها بديلا للإسلام مفهوم قد خرج من بطن حضارة الطين و ارتضع من ثدي الكفر و ترعرع تحت كفالة الإنكار لله عز و جل، نحن لا نعارض هذا المفهوم على إطلاقه و لكننا لا نؤيده في نفس الوقت على إطلاقه، إن المعنى المقبول للديمقراطية هو القبول بها كآلة توصلنا إلى حل بعض الأمور التي لا يتنافى التصويت لها أو ضدها في كلا الحالتين مع تعاليم الإسلام و مبادئه، فأبدا لن نقبل أن نضع حكما إلهيا تحت طاولة البرلمان للتصويت لصالحه أو ضده، أبدا لم تكن و لن تكون أحكام الله تعالى تستمد شرعيتها من هذا المجلس أو ذاك، لا نقبل بالديمقراطية كبديل لأطروحة الإسلام و إلا خرجنا عن إيماننا و إسلامنا، بل نقبل بها كآلية توصلنا إلى القول الفصل في إنهاء بعض الأمور التي لم يحدد الإسلام جزئياتها _ و هي ما يعبر عنها بدائرة المباحات في اصطلاحهم _ و إنما ترك المجال للعقل البشري للإبداع فيها بابتكار السبل الفضلى في تحقيق الرفاهية في العيش الدنيوي و الأخروي، كل ذلك تحت إطار الإسلام العزيز، كفانا دعوة إلى الديمقراطية على أنها الملجأ الوحيد و المفزع الفريد من نوعه القادر على تخليصنا مما نعانيه من ظلم و عدوان لا لشيء إلا لأننا قد أحببنا ديننا و نبينا(ص) و أهل بيته الطاهرين(ع)، تبا لذلك الإعلام المضلل الذي كان منذ القدم و لا زال أداة لتضليل شبابنا و تلقينهم المعاني المسمومة و المفاهيم المهلكة، و ليعلم الجميع أننا إسلاميون، و سنظل كذلك بإذن الله تعالى، و سنبقى نؤمن بالإسلام وحده كدستور و منهج له القدرة على ضمانة حقوقنا و ضمانة إيصالنا إلى ما جئنا لأجله في هذه الدنيا من خلافة الله على أرضه مما يكفل سعادتنا الدنيوية و الأخروية، و هذا ما لا يستطيع أي دستور نشأ عن العقل البشري المستقل ضمانه لنا أبدا.

الحقيقة الثانية :

ما هي حقيقة الأحكام الوضعية ؟

تتبين لنا الحقيقة الثانية التي نريد أن نشير إليها من خلال اتضاح الحقيقة الأولى، فالرابط وثيق بينهما، فالقوانين الوضعية كما لا يخفى ما هي إلا نتاج العقل البشري، و مما نلامسه وجدانا اشتباه العقل في كثير من الأحيان لتأثير الوهم و العاطفة عليه إذا لم يرجع إلى قوة تعصمه عن الخطأ، و ذلك باعث على سلب الثقة التامة التي من الممكن أن نوليها إلى العقل في قدرته على إيصالنا إلى ما ننشده حين وضعنا القانون بشكل مستقل، فلا بد للعقل من التحرك تحت ظل مرجع معصوم يجنبه الوقوع في هوات التأثيرات الخارجية التي قد تنتاب العقل فتؤثر عليه أثناء عملية الوضع، وقد تبين من خلال توضيح الحقيقة الأولى من هو مقصودنا بالمرجعية، فهذا النوع من المرجعيات هو الوحيد الذي يستطيع أن يدفع العقل عن مزالق قد تؤدي به إلى الهلاك الدنيوي و الأخروي، و من حقك أن تسأل : ما هو دور العقل و موقعه إذا في ما يرتبط بهذا الجانب ؟ أقول : بالطبع إننا لا ندعو إلى تعطيل دور العقل بشكل مطلق، فالله سبحانه لم ينعم علينا بنعمة لكي نقوم نحن بتجميدها، و ما نريد أن نثبته هنا هو أن العقل عاجز في كثير من الموارد عن إدراك العديد من الحيثيات المهمة التي لها دخالتها و تأثيرها على إثبات صحة القوانين أو خطئها، و لفهم ذلك بشكل أوضح، نطرح سؤالا آخر ينفع أن يكون جوابه مقدمة لفهم جواب السؤال الأول: ما هو الهدف الذي ينشده الإنسان حين وضعه للدستور و القانون ؟ الإجابة قد تكون لأول وهلة واضحة بديهية، لكننا في الحقيقة نريد الإلفات إلى نكتة خافية على الكثيرين، و هي تكمن في الفرق بين القانونين الإلهي و الوضعي، فهناك نقطة امتياز يمتلكها القانون الإلهي لا يتوفر عليها القانون الوضعي، يوضع الدستور _ أعم من أن يكون إسلاميا إلهيا أو لا _ لكي يجعل الناس يعيشون تحت ظل القانون الذي يتعهد بإيصالهم إلى حياة نظامية دستورية بعيدة كل البعد عن حالة الفوضى و الهمجية، قريبة من حالة الاستقرار و الأمن و كفالة الحريات الشخصية و العامة من خلال تبيين الحقوق و فرض الواجبات على أفراد و فئات المجتمع و إيضاح معالم و حدود الحريات الشخصية بما لا يتعارض مع العامة منها، و بذلك يسير المجتمع بشكل منتظم هادئ نحو هدفه الذي ينشده من عيش كريم و حياة عزيزة مطمئنة، هذا هو هدف دساتير العالم كلها بما فيها الإسلامي، و لكن الإسلامي يزيد عليها في ما هو أكثر أهمية من ذلك كله و أشد خطرا منه، و هو مستقبل الإنسان الأخروي، فكل دساتير العالم يفترض فيها ألا تغفل المستقبل الدنيوي للإنسان، لكنها غافلة في الواقع عن المستقبل الأهم للإنسان، بعد أن اتضح ذلك نسأل: هل يمكن للإنسان المسلم المؤمن باليوم الآخر أن يعتمد على عقله بشكل مستقل في صياغة دستور يضمن له التوفيق و النجاح في المستقبلين المذكورين ؟ الجواب سلبي من دون شك و لا ريب، لأن الله سبحانه هو الخالق الوحيد لهذا الكون، فهو بالتالي الأدرى بالأصلح لبني البشر في ما يرتبط بهذين العالمين، و هو سبحانه الوحيد القادر على تشخيص الأنفع لابن آدم بالنسبة لكلا العالمين، أما بالنسبة لعالم المادة فلأن الله تعالى هو خالقه و واضع قوانينه و سننه الكونية الحاكمة فيه، فلا بد من أنه الأقدر على وضع أحكام لا تتنافى مع قوانين هذا العالم لاطلاعه الكامل و إحاطته التامة بسنن هذا الكون و نواميسه، بينما الإنسان جاهل بحقيقة نفسه فكيف بحقيقة الكون ؟ و أما بالنسبة لعالم الآخرة فالكلام فيه أوضح، لأنه عالم مجهول بالنسبة للإنسان الطبيعي، و أنى له كشف أسراره و الإحاطة بمدركاته و سننه ؟ هيهات هيهات، فتبين بذلك عجز الإنسان عن وضع قانون يكفل له سعادة الدارين لجهله الكبير بهذين العالمين اللذين لهما المدخلية العظمى في التأثير على نجاح الدستور أو إخفاقه، و أن الوحيد القادر على صياغة الدستور الناجح مع ملاحظة ما تقدم هو الله سبحانه و تعالى لأنه الخالق الوحيد لكلا العالمين، بعد هذه المقدمة نجيب على السؤال الأول المتعلق بدور و موقع العقل من ذلك كله، و نقول في مقام الجواب أنه من الواضح كما أسلفنا أن نعمة كالعقل قد حباها الله تعالى للإنسان لا بد لها أن تُفعل و تستخدم، لكن بشرط استخدامها في مكانها و موقعها الصحيح، فالله سبحانه يحدد للإنسان الرؤية الكونية الصحيحة و يرشده إلى القواعد العامة و حدودها، و من ثم يترك المجال للعقل أن يبدع بما لا يتجاوز هذه الحدود، فهو يقول سبحانه لابن آدم أنه عليك أن تؤمن بي كرب، و أن توحدني كإله، و أن تؤمن بمن أرسلته لإنذارك و بمن نصبته لهدايتك، ثم أن تؤمن باليوم الآخر، و بعد ذلك أبدع بما لا يتصادم مع هذه الأصول، فلك أن تفترض نظام دولتك قائما على ثلاثة أركان تتمثل في السلطات الثلاث شريطة ألا تبتدع أحكاما لا تمت إلى الإسلام بصلة داخل السلطة التشريعية، و شريطة ألا تتخذ الأساليب المتنافية مع أصول و فروع الإسلام عند تفعيل تشريعات هذه السلطة في داخل نطاق السلطتين التنفيذية و القضائية بعد افتراض التزام التشريعية بالشرط المتقدم، كما أنه لك اختيار طريقة الانتخابات مثلا كآلة توصلك إلى تحديد و تشخيص مصداق رئيس الدولة أو رئيس وزارتها أو تحديد مصاديق نواب الدوائر البرلمانية أو البلدية الذين يتكلمون باسم أصحاب هذه الدوائر و ما إلى ذلك من طرق تتحرك تحت إطار الشرط المتقدم، هذا هو دور العقل الصحيح الذي نحتاج إلى تفعيله لنضمن توفيقنا في الدارين.

الحقيقة الثالثة :

من هو صاحب الحق في التشريع، وصاحب الحق في إلزام الناس و إرشادهم لاتباع هذا التشريع ؟

بعد أن تبينت لنا الحقيقتان السابقتان، يجدر بنا الإشارة إلى حقيقة ثالثة مهمة ترتبط بالحقيقة الأولى بشكل مباشر، فإننا عندما نتحدث عن قانون و تشريع، لا بد لنا أن نلتفت إلى واضع هذا التشريع، فمن هو صاحب الحق في التشريع و التنظير ليقوم الناس بعد ذلك بتفعيل بنود هذا التشريع وفقا لإرشاده؟ الإجابة واضحة جدا، فإن صاحب هذا الحق هو الله سبحانه باعتباره الخالق و المالك الوحيد لهذا الكون، فحق التصرف له وحده لا يشركه فيه أحد، ولكنه عز اسمه و جل قد أعطى هذا الحق لرسوله و خلفائه، فكان التشريع من حقه هو أولا و بالذات، ثم من حقهم ثانيا و بالعرض، فولاية التشريع تكون لهم وحدهم في طول ولاية الله تعالى لا في عرضها، ثم بعد ذلك يخلفهم الفقهاء العدول من خلال بذل جهدهم في فهم النصوص الواردة من قبل الاثنين، في القرآن الكريم بالنسبة لله عز و جل، و في الروايات الشريفة و النصوص الواردة عن رسول الله(ص) و أهل بيته(ع)، و من حدد هذا التسلسل الطولي في الولاية هو الله تعالى نفسه حين قال في الآية الخامسة بعد الخمسين من سورة المائدة: (إنما وليكم الله و رسوله و الذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة و يؤتون الزكاة و هم راكعون)، ثم من بعد ذلك حددها الأئمة(ع) في الفقهاء من بعدهم حين قالوا: (و أما الحوادث…)، فكان لزاما علينا في هذا العصر أن نرجع للفقيه العادل الذي يتوفر على بعض الشروط المذكورة في محلها تحقيقا لأمر أئمتنا(ع) عندما أرجعونا إليهم في صغائر أمورنا و كبائرها، فهذه حقيقة لا بد من الالتفات إليها، فحق بيان ما جاءنا من تشريع من قبل الله تعالى بواسطة النبي الأكرم(ص) و الأئمة الأطهار(ع) هو للفقهاء العدول خاصة، و كل من ادعى قدرته على فهم هذا التشريع مستغنيا بهذا الفهم عن الفقهاء، كاذب مفتر و متعد على حقوق غيره، فلا بد من الحذر منه و الابتعاد عنه، و هذا _ للأسف الشديد _ مما وقع فيه الكثير ممن يتكلم في الشؤون الإسلامية و كأنه ملم بأحكامها و روحها، من دون أن يكون كلامه مستندا إلى قول أهل العلم و الاختصاص و هم الفقهاء لا غير، غافلا بذلك عن أنه لا يتسنى لغير الفقهاء فهم روح الإسلام و أحكامه، لأن ذلك يتطلب _ في الحالة الطبيعية _ سنوات طويلة من ترك الدنيا و ملذاتها، و التفرغ التام للتحصيل و بذل الجهد الجهيد مع ضم الإخلاص و الصدق في الجد و الاجتهاد، ثم بعد ذلك كله لا يلقاها إلا ذو حظ عظيم، فمن الإجحاف و القبيح عقلا الاستهانة بجهود من بذل عمره في هذا السبيل بتكلم غير أهل الاختصاص في تخصص غيرهم، و لو كان ذلك في غير دين الله تعالى لرأيت العالم هب و استنفر كل قواه للاستنكار، و ربما فرضت على من تكلم في الطب أو الهندسة و هو ليس بطبيب أو مهندس العقوبات الصارمة لتكلمه في ما لا يعنيه، و حق لهم ذلك، فإن التكلم في هذين المثالين مثلا من دون علم قد يؤدي بحياة الناس إلى الخطر الجسيم الذي لا تحمد عقباه، و نحن هنا ننبه إلى أن التكلم في الدين من قبل غير أهل الاختصاص أيضا يؤدي بحياة الناس إلى الخطر الدنيوي و الأخروي معا، فكان بذلك أحق بالعقاب و أولى بالاستنكار، و لكن ماذا نصنع و نحن في زمن قد غيرت فيه الموازين و بدلت فيه المعايير حتى صار الدين عند كثير من المسلمين من آخر الأولويات، و ربما صنفوه من غير الأولويات أيضا، فلا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم.

الحقيقة الرابعة :

ما هو واجبنا تجاه التشريع الإلهي في ما لو تعرض للخطر ؟

بناء على الحقائق الثلاث المتقدمة، تنتج لنا حقيقة رابعة كانت هي ما نصبو إليه ليكون موضعا و محلا للتبيين من خلال هذه الأسطر، و كانت هي الدافع وراء كتابة هذه الكلمات، فبعد أن عرفنا حقيقة الحكم الإلهي، و حقيقة ما يقابله من بدائل، و عرفنا واضع هذا الحكم و الملزم به من خلال التعرف على سلسلته الطولية، بعد أن عرفنا ذلك، لا بد لنا أن نذعن لهذه الحقيقة الرابعة، و هي أنه جدير بنا أن نضحي بكل ما نملك في سبيل الالتزام و التسليم بالحقائق السابقة، لأن ذلك من صميم ديننا و قيمنا و مبادئنا، و حق لنا أن نبذل أرواحنا لضمان بقاء هذه الحقائق الثلاث، و ذلك اقتداء بنهج الحسين(ع) أبي الأحرار و أبيُّ الضيم، و صوت الضمير الحي، و رمز العصمة و المبدأ و الدين، الذي قال عندما وصل إلى موقع البيضة مبينا سبب قيامه: (إن هؤلاء قد لزموا الشيطان و تركوا طاعة الرحمن و أظهروا الفساد و عطلوا الحدود و استأثروا بالفيء و أحلوا حرام الله و حرموا حلاله و أنا أحق ممن غير…) نعم، إنما قام أبو عبد الله(ع) ثائرا بسبب هذه الحقائق الأربع، قام دفاعا عن الحكم الإلهي الذي ضاع على يدي الفاجر يزيد _ عليه لعائن الله _ لمعرفته _عليه السلام _ معنى و حقيقة الحكم الإلهي و تلك هي الحقيقة الأولى التي قام لأجلها السبط الشهيد(ع)، و قام صلوات الله عليه نبذا و احتجاجا على ما قام به يزيد اللعين من تبديل لأحكام الله عندما أحل حرام الله و حرم حلاله، و هذه هي نفس النتيجة التي تعطينا إياها الأحكام الوضعية الناشئة بعيدا عن المرجعية المعصومة، وهذه هي الحقيقة الثانية، و قام _ عليه السلام _ لأنه رأى حقه في التشريع قد ضاع، و الولاية التشريعية التي له على المؤمنين قد فقدت دورها باغتصاب هذا الفاجر كرسي الخلافة فصارت معطلة قاصرة عن الوصول إلى مرحلة تفعيلها، فكان لا بد من إرجاع الحق إلى أهله، و تلك هي الحقيقة الثالثة، و قام(ع) لأنه آمن باسترخاص دمه الطاهر أمام الدفاع عن دين الله سبحانه و رفض ما يخالفه و طلب حقه و تلك هي الحقيقة الرابعة، هذا ما نفهمه من قيام الحسين(ع)، و هذا مما نستطيع أن نستقيه من عطاء وليدة المعصومين(ع)، ثورة عاشوراء المقدسة المباركة، و من هنا نستطيع أن نفهم حقيقة نداء الفقهاء و العلماء الغيارى على الدين ضد تقنين أحكام الأسرة من دون ضمانات دستورية، و من دون حفظ الخصوصية المذهبية، و من دون موافقة المرجعية العليا الشيعية _ دام عزها _ على هذا التقنين، من هنا نستطيع أن نفهم حقيقة هذه الوقفة الصارمة المطالبة بعدم خروج هذا التقنين عن إطاره الإسلامي الذي يحدده الفقهاء لا غير، هذا النداء الأشم، ليس نداء منبثقا من حماس ارتجالي لا أساس عقلي ديني وراءه، و ليس هو نداء يريد أن يرى فيه العلماء أنفسهم و مكانتهم في النفوس فينتشون بذلك فرحا و سرورا كما يتهمهم بذلك بعض من أعمته غشاوات الحسد و الحماقة، و ما تحشيد الشارع و تجييشه من قبل العلماء العاملين إلا إدراكا منهم لهذه الحقائق، و ما إطلاق هذه الشعارات و الصرخات المدوية إلا ترددات لأصداء نداءات أبي عبد الله الحسين(ع) يوم عاشوراء لصالح دين الله تعالى و شرعه، و دعوة صارخة تؤكد التزامنا بديننا، و أننا نرى الحياة و لوازمها رخيصة في سبيل نصرة الدين و قيامه كما رآها أبو عبد الله(ع) كذلك، و لعمري إن روح الحسين(ع) و أرواح أهل بيته(ع) و صوت استغاثات نسائه لغالية علينا و إن استرخصها هو بأبي و أمي في سبيل إحياء الدين، لأننا نرى أن الحسين(ع) هو الإسلام، و لكن أنى لمن غفل عن هذه الحقائق، و ذهل عن اكتشاف سر أبي عبد الله(ع) أن يفهم هذه المعاني النبيلة و المبادئ الشريفة، فدعهم يقولون و ينعقون، و دعهم يدَّعون و يتهمون كذبا و زورا، فولاؤنا لعلمائنا و فقهائنا و أئمتنا و نبينا و ديننا و ربنا، وليمت الحاقد غيظا و حنقا.

المصدر
مجلة رسالة القلم

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى