ثقافة

آثار خسارة الأوطان لاستقلالها في كلام الإمام الخامنئي (دام ظله)

يطرح الإمام الخامنئي (دام ظله) في إحدى خطبه مقدمات حول مفهوم الإستقلال الحقيقي، وما يلفت في كلامه النماذج والأمثلة التي يطرحها أمامنا، حيث إنها أمثلة تاريخية من الماضي غير البعيد، مليئة بالعبر لنا كشعوب حول مصير الأوطان التي تفقد استقلالها. وبعض هذه الأمثلة هي عبارة عن مواقف معبرة شاهدها هو، وقلما يستطيع غيره نقل مثلها، كون موقعه على رأس هرم النظام الإسلامي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية يمكنه من الاحتكاك والاطلاع على نماذج في الحياة في مختلف الأبعاد.

يقول الإمام الخامنئي (دام ظله) حول ما يفعله الاستعمار من سلب للاستقلال وما يستتبع ذلك من سلب للخيرات والمقدرات:

“لقد جاء المستعمرون الأوروبيون وسيطروا على العديد من مناطق آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، فأذلّوا شعوبها، واستلبوا هويتها وثقافتها وثرواتها، وحتى إنهم سحقوا لغاتها وخطوط كتابتها وتاريخها وعاداتها وتقاليدها، وظلوا في تلك البلدان قدر ما وسعهم ذلك، ثم كان جلاؤهم عنها. ولقد شاهدت بعينيّ بعض هذه النماذج، وسمعت عن بعضها، وقرأت حول البعض الآخر”.

ثم ينتقل الإمام الخامنئي (دام ظله) فوراً إلى ضرب أمثلة على ونماذج حية على طرحه، كون الأمثلة الحقيقية تقرب الفكرة كثيراً في ذهن المستمع، وتجعله يتأثر بالجانب الذي يحمل العبرة والموعظة في الكلام. يقول (دام ظله):

النموذج الأول:
“فمن ذلك بلاد الهند الكبيرة والمترامية الأطراف، حيث قدم الانجليز من أقاصي الأرض فاحتالوا بالتزوير والخداع ثم توسّلوا بالسلاح والقوة العسكرية حتى احتلوها، وظلوا يفرضون سيطرتهم عليها لأعوام طويلة، فاستذلّوا شعبها، ومحوا ذكر عظمائها، وانتهبوا ثرواتها.

لقد ملأ الانجليز خزائنهم وجيوب إقطاعييهم من أموال الهند وثرواتها، ولكنهم تركوا الهند تعاني من الفقر والمسكنة والبؤس، بل إنهم لم يقتصروا على نهب الثروات المادية، بل انتهبوا الثروات المعنوية أيضاً، وفرضوا على الهند لغتهم الانجليزية، حتى إن اللغة الرسمية في الهند وباكستان وبنغلادش ـ وهي التي كانت تتألف منها شبه القارة الهندية قديماً، والتي كانت مستعمرة إنجليزية ـ مازالت هي اللغة الانجليزية! لقد كانت تلك المنطقة تتحدث بعشرات اللغات المحلية، فعمل البريطانيون على نسخها ومحوها بقدر ما استطاعوا. فعندما يفقد شعب لغته، فإن هذا يعني أنه بات بمعزل عن ماضيه وتاريخه وعاداته وتقاليده وتراثه القيم”.

النموذج الثاني:
“وهناك نموذج آخر من البيرو في أمريكا اللاتينية؛ فعندما كنت رئيساً للجمهورية قال لي رئيس البيرو: لقد عثرنا حديثاً على حضارة في قمة الازدهار أثناء الحفريات التي قمنا بها في بلادنا. وقال: لقد سيطر المستعمرون طويلاً على البيرو، ولكنهم لم يدعوا شعب البيرو ومثقفيهم وأصحاب الرأي فيها يفهمون بأنهم كانوا يملكون هكذا حضارة في الماضي! أي أنهم كانوا يحولون حتى بين الشعوب ومعرفة تاريخها والزهو بماضيها”.

النموذج الثالث:
ونموذج ثالث من الجزائر ذلك البلد العربي المسلم؛ فقد احتل الفرنسيون الجزائر عشرات السنين وأقاموا لهم حكومة هناك بقوة السلاح، وجعلوا حكامهم وضباطهم أصحاب السيادة فيها، وكان أول ما قاموا به هو محو الآثار الإسلامية والقضاء على اللغة العربية. حتى إنني أيضاً، وعندما كنت رئيساً للجمهورية، استقبلت أحد المسؤولين الجزائريين الكبار لدى زيارته لطهران. وأثناء الحديث أراد أن يقول شيئاً، ولكنه لم يستطع التعبير عنه باللغة العربية مع أنه عربي ويتحدث العربية! فالتفت إلى وزير خارجيته وسأله بالفرنسية عن معنى تلك الكلمة بالعربية، فأخبره بذلك، ثم عاد واستخدمها في حديثه! أي أن زبدة ونخبة الشعوب ظلوا بمعزل عن لغتهم بسبب تأثير الاستعمار. وقد تحدث معنا المسؤولون الجزائريون بعد ذلك، وقالوا بأنهم بذلوا جهودهم لإعادة اللغة العربية بعد طرد الاستعمار.


  • إعداد: الإنتاج الثقافي في شبكة المعارف الإسلامية الثقافية.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى