ثقافة

ولاية الأمر والاقتصاد الإسلامي

إن من المزايا المهمة التي إمتاز بها المذهب الاقتصادي الاسلامي هو اشتماله على نحوين من الأحكام: الأولى ثابتة لا تقبل التغيير، والثانية متحركة تتحدد وفقاً لمتطلبات الأهداف العامة وبملاحظة الزمان والمكان وهو ما اصطلح عليه ب (منطقة الفراغ) التي يملؤها ولي الأمر بصفته الحاكم الشرعي في الدولة سواء كان نبياً أو إماماً أو فقيهاً.

ولذا فالتعبير ب (منطقة الفراغ) ليس تعبيراً عن فراغ في التشريع الاقتصادي الاسلامي بمعنى الكلمة، بل هو استيعاب تشريعي ثابت للمتغيرات والتطورات الحتمية مع مرور الزمن في المجتمعات الانسانية. وتقوم فكرة (منطقة الفراغ) على رؤية واقعية عميقة لنوعين من العلاقات الانسانية: علاقة الانسان بالطبيعة وعلاقته بأخيه الانسان.

ولا شك أن العلاقة الأولى في تطور دائم عبر الزمن تبعاً لتطور معارف الانسان وقدراته على الاستفادة من الثروة واستثمارها وسيطرته عليها. في حين أن العلاقة الثانية محكومة بقيم ثابتة وجوهرية، لا تقبل التبديل، وإذا كان التمييز ضرورياً بين النوعين إلاّ أنه لا يمكن إغفال الاثار السلبية التي تخلفها علاقة الانسان بالثروة على علاقته بأخيه الانسان مما يولد أخطاراً على الجماعة باستمرار ولذا كانت ( منطقة الفراغ) من الناحية التشريعية مواكبة لهذا العامل المتحرك والمتطور لدرء الأخطار الناجمة عنه.

ومن هنا لا يصح تقويم المذهب الاقتصادي في الاسلام بمعزل عن تشريع منطقة الفراغ وإلاّ كان ناقصاً.

وقد أوكل الاسلام أمر هذا النوع من التشريعات الى ولي الأمر استناداً الى قوله تعالى:  ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولي الأَمرِ مِنْكُمْ﴾[1]. وهذا يعني بالنتيجة أن الصورة التطبيقية الكاملة للاقتصاد الإسلامي ترتبط بوجود نظام الحكم الذي على رأسه ولي الأمر وهو في زماننا الفقيه العادل الجامع للشرائط المتصدي لأمر الدين والأمة.

وفي الحقيقة أن الإشراف والتوجيه للحياة الاقتصادية في المجتمع الاسلامي وتقنين مختلف الأنشطة فيه من المهام الرئيسية لولي الأمر الفقيه وفق أصول الاجتهاد المقررة التي تعطي للمباح صفة ثانوية بحسب الظروف والمصالح يقضي الولي على ضوئها بالوجوب أو الحرمة.

ويمكن في الختام أن نذكر مجموعة من النماذج لصلاحيات ولي الأمر في المجال الاقتصادي لها شواهدها في الحديث والسيرة المطهرة وقد تقدم ذكر بعض منها ونذكر الباقي وهي:

1- منع الاحتكار الذي لا مانع منه بصورة عامة.
فقد جاء في عهد الامام علي عليه السلام لمالك الأشتر رضوان الله عليه: “واعلم مع ذلك أن في كثير منهم ضيقاً فاحشاً وشحاً قبيحاً واحتكاراً للمنافع وتحكماً في البياعات وذلك باب مضرة للعامة وعيب على الولاة، فامنع من الاحتكار فإن رسول الله صلى الله عليه وآله منع منه، وليكن البيع بيعاً سمحاً بموازين عدل وأسعار لا تجحف بالفريقين في البائع والمبتاع”.

2- السماح أو المنع من إحياء الأرض الموات.

3– توجيه الانتاج لتأمين السلع الضرورية والحيوية بما يتلاءم مع خطط التنمية والتطوير.

4- الأحكام المساهمة في إنماء الثروة الزراعية والحيوانية. فعن الامام الصادق عليه السلام أنه قال: “قضى رسول الله بين أهل المدينة في مشارب النخل أنه لا يمنع فضل ماء وكلاء”.

5– توزيع الثروات الطبيعية الخام وتوجيه استثماراتها.

6- التدخل في الأسواق لمنع الصراعات الخطرة.

فعن الامام الصادق عليه السلام أنه سئل عن الرجل يشتري الثمرة المسماة من أرض فتهلك ثمرة تلك الأرض كلها؟ فقال: “قد اختصموا في ذلك الى رسول الله صلى الله عليه وآله فكانوا يذكرون ذلك فلما راهم لا يدعون الخصومة نهاهم عن ذلك البيع حتى تبلغ الثمرة ولم يحرمه، ولكنه فعل ذلك من أجل خصومتهم”.

وفي الختام
هذه هي الصورة العامة الأساسية للمذهب الاقتصادي الاسلامي بشكل موجز وهناك الكثير من التفاصيل والعناوين التي يحتاج الدخول فيها الى دراسات مستقلة على ضوء الأصول والقواعد الفقهية والفكرية ولا شك أن التجربة الرائدة للدولة الاسلامية المباركة في إيران والتي شيّدها الامام الخميني المقدس رضوان الله تعالى عليه تشكل فرصة تاريخية هامة ينبغي متابعتها ومعاضدتها والاستفادة منها لأجل إبراز عظمة هذا الدين وهدايته للبشرية الى طريق الخير والسعادة واخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

  • المصدر: الإقتصاد الإسلامي، سلسلة المعارف الإسلامية، نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

المصادر والمراجع

[1]  النساء:59.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى