ثقافة

الانتخاب في النظريّة الإماميّة في عهد الغيبة الكبرى

من الثابت في الفكر الإمامي أن الولاية تنشعب من اللّه إلى الرسول صلى ‌الله ‌عليه ‌وآله‌ وسلم، وتنشعب من ولاية الرسول صلى ‌الله ‌عليه ‌وآله ‌وسلم إلى ولاية الإمام المعصوم عليه ‌السلام، وهو يولي حينئذ قيادة المجتمع أيضاً بالنيابة إلى الفقهاء.

فصلاحيّة الفقيه نيابة عن المعصوم عليه‌ السلام متشعّبة من ولاية المعصومين عليهم ‌السلام، وولاية الأمر مركزها هو المعصوم سلام اللّه عليه حتى في العصر الحالي، وهذه من أبجديّات ألف باء النظريّة الإماميّة، أنّ الولاية بالفعل هي للمعصوم الحىّ الغائب، وإن كان غائباً في الهويّة لكن ليس غائباً في الحضور والوجود، وهو الذي له الولاية بالفعل، وتنشعب من هذه الولاية النيابة للفقيه التي أعطاها المعصوم عليه‌ السلام، وسمح للمجتمع أيضاً في المشاركة في تعيين الفقيه، حيث جعل له مواصفات، وجعل إحراز هذه المواصفات بيد الأُمّة، فعبّر عليه‌السلام: «وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا»[1]، فـ «ارجعوا» أمر منه للأُمّة بأن تقوم بهذا الدور، وهذه مشاركة.

ومن ثمّ اشترط جملة من الفقهاء في مشروعيّة الولاية النيابيّة للفقيه أن تكون الأُمّة قد تابعته وقلّدته المرجعيّة وقلّدته الحاكميّة، ويعبّر عنه ببسط اليد، وإلاّ فلا تكون حينئذ ولايته النيابيّة مشروعة، كأنّما يستفاد من تولية المعصوم أنّه قد اشترط هو عجّل اللّه فرجه الشريف تقليد الأُمّة له، وهذا ليس معناه تولية الأُمّة للفقيه، التولية هي من المعصوم، لكن هي نوع من الانتخاب، بمعنى استكشاف المواصفات، لا الانتخاب بمعنى التولية أو النيابة كما هو في الطرح الغربي، سواء على صعيد المرجعيّة، أو على صعيد القاضي، أو على صعيد الحاكم السياسي، وهلم جرا.

إذاً للأُمّة بأن تنتخب، بمعنى تستكشف وتحرز، لا أنّها تنتخب بمعنى تولّي وتنيب، وهذا الدور قد كان في عهد الرسول صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله ‌وسلم، وفي عهد الأئمة عليهم ‌السلام، حتى في عهد الصادق، حيث قال عليه ‌السلام: «ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا وعرف حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكما، فاني قد جعلته عليكم حاكماً»[2] فـ «اجعلوه» إذاً نوع من إعطاء الدور للأُمّة في تعيين الحاكم بمعنى استكشاف الواجد للمواصفات.

فإذاً طبيعة النظام الاجتماعي الذي يرسمه القرآن وأهل البيت عليهم‌ السلام، أنّه هناك نوع من الانتخاب للأُمّة إلى قادتها المتوسّطين، أو في سلسلة الهرم التي تنشعب من رأسه وهو المعصوم، لهم دور في انتخاب تلك القاعدة بنحو الاستكشاف.

فمن ثمّ لو استكشفوا بأنّ المواصفات قد اختلّت، فلهم حينئذ أن يسحبوا ثقتهم أو تقليدهم هذا المنصب لذلك الفرد وعزله وجعل شخص آخر، وهذا دور ليس بالهيّن، بل دور مهم يشاهد في النظريّة الشيعيّة.

إذاً في النظريّة الشيعيّة هناك عدّة قنوات لمشاركة الناس، كلّها لا تتصادم ولا تتنافى مع كون الامامة هي نصب إلهيّ، وأنّ كلّ ولاية تنشعب من الإمامة، بعد أن كانت ولاية الإمام عليه‌السلام منشعبة من ولاية الرسول صلى ‌الله عليه ‌وآله ‌وسلم، وولاية الرسول صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله ‌وسلم من ولاية اللّه عزّ وجلّ، وأصل نظريّة الإمامة ليست تحكيم لنسل ترابي من باب النزعات الترابيّة واللحم والدم الترابي، ونزعات بطر إقطاع أو استبداد، لا، وإنّما هي تحكيم للنور الإلهي على التراب، وتسليط للنور على العقل، والعقل على الغرائز.

   إنّ فكرة الحكم في النظريّة الشيعيّة ليست فكرة سلطة وتغلّب ومنافع شخصيّة، وإنّما هي استتباب الحقيقة وتحكيم العدل، وهي مشاركة من طرفين: من طرف الحاكم كخادم (سيّد القوم خادمهم)، ومن طرف آخر قيام الأُمّة بجانب المسؤوليّة الملقاة على عاتقها، فهذا بالنسبة إلى البند الأول، وأنّ النظرية الشيعيّة كيف تلافته، والحال أنّه كان عائقاً حرجاً في التقنين الديمقراطي.

  • آية الله الشيخ محمد سند – بتصرّف

المصادر والمراجع

[1] وسائل الشيعة 27 : 140، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي وما يجوز أن يقضي به، باب وجوب الرجوع في القضاء والفتوى الى رواة الحديث من الشيعة، الحديث 9.
[2] بحار الأنوار 101 : 262، كتاب الأحكام، أبواب القضايا والأحكام، باب أصناف القضاة وحال قضاة الجور والترافع اليهم، الحديث 1.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى