مقالات

زيارة غانتس للبحرين والقيادة العسكرية الموحّدة لدول الخليج

يبدو أنَّ حضور مملكة البحرين التي لا تزيد مساحتها على 765.3 كم²، ولا يتعدى عدد سكانها مليوني نسمة، سيكون ممتداً في خارطة تفاعلات دول الخليج وعلاقاتها من جهة، وفي مسارات التطبيع والترويض من جهة أخرى.

لا يتعلَّق الأمر هنا بمحدّدات السياسة الخارجية للبحرين إطلاقاً، ولا بالقوة الناعمة أو الخشنة، ولا بتوزيع الدول الكبرى والإقليمية في النظام الدولي، ولا بنظرية الدور في العلاقات الدولية، ولكنَّه حضور غير مسبوق. 

لقد بدا كأنه معد سلفاً، ويسير وفق خوارزمية وتراتبية منتظمة، وإن بدت حركته أشبه بالقفز، فالمسافة بين مؤتمر المنامة الذي عُرض فيه الشق الاقتصادي لـ”صفقة القرن” في صيف العام 2019، وتوقيع اتفاق التطبيع بين البحرين وكيان الاحتلال في العام 2020، لا تتقاطع وتتشابه مع المسار المألوف للعلاقات بين الدول، صراعية كانت أو تكاملية.

تستمرّ البحرين بالقفز في عمق المشهد بوتيرة أكبر وأكثر من الإمكانيات المتاحة لها، ولا سيما عقب التطبيع، حتى بدا الأخير كرافعة معدة سلفاً لمخطّط عسكرة التطبيع الذي تنفذه البحرين، على الرغم من أنه يبدو أعمق من تفاعلات سياساتها الخارجية في المنطقة بشقيها الخليجي والعربي ومحدداتها. ولأنَّ المفارقات في المشهد الخليجي لم تعد تحصى، بل لا يمكن فهمها وفق مقتضيات علم العلاقات الدولية ونظرياته، فمن أهمها الجمع بين الأمن القومي لدول الخليج والتطبيع.

تتكشّف المفارقة في الجمع بين أمن الخليج والتطبيع في ما نشرته صحيفة “الشرق الأوسط” السعودية في 22 تشرين الثاني/نوفمبر 2021. وقد كتبت عنواناً رئيسياً يقول: “قيادة عسكرية موحّدة”. وفي التفاصيل، أن مجلس الدفاع المشترك في مجلس التعاون لدول الخليج عقد في الرياض اجتماعاً قرر فيه “التنسيق في المجال الدفاعي” وكأنه أمر مستحدث. 

المفارقة هنا أنَّ مجلس التعاون الخليجي الذي تأسّس في العام 1981، وقرر في العام 1982 تأسيس قوة خليجية مشتركة سُميت “قوات درع الجزيرة المشتركة”، استدعى التنسيق الدفاعي في نهاية العام 2021 على وقع التطبيع. وقد ترأس مجلس الدفاع المشترك هذا في دورته الثامنة عشرة الفريق عبد الله النعيمي؛ وزير شؤون الدفاع في البحرين.

وبعد أقلّ من شهرين فقط، استقبل الفريق عبد الله النعيمي، الذي ترأس مجلس الدفاع الخليجي المشترك لبحث التنسيق الدفاعي بين دول الخليج، وزير الأمن الإسرائيلي بيني غانتس، الّذي وصل إلى مطار البحرين مروراً بالأجواء السعودية، لتكون أول زيارة تاريخية لوزير الأمن الإسرائيلي للبحرين ودول الخليج.

ولأنَّ المفارقات في المشهد الخليجي متعددة، فقد تُوجت زيارة بيني غانتس بتوقيع اتفاق أمني غير مسبوق خليجياً بينه وبين النعيمي في مقر وزارة الدفاع البحرينية، “لتعزيز التعاون الاستخباراتي، وإقامة أساس للتدريبات، وتمرير تعاون قطاعي الصناعات الدفاعية للبلدين”، نقلاً عما ذكره مكتب بيني غانتس.

ولا تبدو المفارقة أكبر في حيثيات التعاون الاستخباراتي وإحداثياته بين البحرين وكيان الاحتلال، بقدر ما تبدو أكبر في قدرة البحرين على الجمع بين التنسيق الدفاعي لدول الخليج والتعاون الأمني والاستخباراتي والدفاعي أيضاً مع كيان الاحتلال في آن واحد، وربما في المحددات نفسها. 

لا تبدو البحرين هنا مملكةً تسير منفردة على هامش المشهد المتدحرج، وإن بدا سيرها كجبل الجليد، يظهر منه الثلث فقط، ولا سيما في قدرتها على جمع كلِّ هذه التناقضات، بقدر ما تبدو وكأنها تؤسس لشكل جديد من العلاقات، عمادها عسكرة التطبيع، ليس بينها وبين كيان الاحتلال، ولكن بين عامة دول الخليج وكيان الاحتلال.

وبغض النظر عن الموقف الإماراتي من ذلك، قبولاً على مضض أو رفضاً على استحياء لدور البحرين في عسكرة التطبيع، فإن الأخيرة ماضية بحركة أنشط وأسرع من الإمارات في القيام بالدور المطلوب منها أميركياً وإسرائيلياً.

ويبدو أن هناك ضوءاً أخضر سعودياً للبحرين، فالسعودية حاضرة في الجزء المختفي من جبل الجليد الذي تقوده البحرين وتدير حركته المتسارعة صوب قلب المعادلة التاريخية في تحويل كيان الاحتلال من مُهدد للأمن القومي العربي عموماً، والخليجي على وجه الخصوص، إلى أحد مقومات التعاون الأمني والدفاعي الخليجي.

قبل يوم واحد فقط من زيارة بيني غانتس للبحرين، كانت هناك مناورة بحرية في الخليج والبحر الأحمر قيل إنَّها كبيرة، وأطلق عليها اسم “أي. إم. أكس 22″، ونظَّمتها وأشرفت عليها القيادة الوسطى في الجيش الأميركي، وشاركت فيها مصر والأردن والإمارات والسعودية والبحرين والمغرب والسودان واليمن وباكستان وبنغلادش، إلى جانب كيان الاحتلال، الذي شارك سلاح بحريته في المناورة، وهي ليست المرة الأولى التي تشارك فيها البحرية الإسرائيلية إلى جانب دول عربية؛ فقبل شهرين، كانت هناك مناورة أخرى في البحر الأحمر أيضاً. 

بالمناسبة، حرص بيني غانتس أثناء زيارته على زيارة مقر القيادة الوسطى في الجيش الأميركي في البحرين، والتقى قائد الأسطول الخامس للجيش الأميركي الأدميرال براد كوبر. لا تتعلّق المفارقة هنا بإعطاء التعاون الأمني والدفاعي بواسطة المحدد الأميركي طابعاً رسمياً، بقدر ما تتمثّل بمشاركة السعودية في مناورتين بحريتين في مدة وجيزة، تشارك فيهما البحرية الإسرائيلية، من دون أن يكون ذلك تطبيعاً! 

إنّ زيارة وزير الأمن الاحتلال بيني غانتس للبحرين لا تتعلق بدور الأخيرة في عسكرة التطبيع فقط، بقدر ما تتعلّق بالتحولات الحاصلة؛ أولاً في محددات الأمن القومي الخليجي، وثانياً في حيثيات التعاون الدفاعي البيني لدول الخليج من جهة وتعاونها الأمني مع كيان الاحتلال من جهة، وثالثاً في مستقبل القيادة العسكرية الموحّدة لدول الخليج، وتوافق ذلك أو عدمه مع عسكرة التطبيع.

والسؤال الذي يطرح نفسه: هل عجزت دول مجلس التعاون الخليجي بكلِّ مكوناتها وقدراتها بعد 40 عاماً على قرار تأسيس قوة خليجية مشتركة (درع الجزيرة) عن اجتراح ذلك، حتى بات وزير أمن كيان الاحتلال بيني غانتس عرابه، ومن بوابة البحرين؟! 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن الأبدال
تحميل الفيديو
ثابت العمور - باحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية - فلسطين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى