خفض التصعيد في فلسطين

النقاط الرئيسية:

  1. إن الوضع الفلسطيني والقلق من التفلت الأمني وعدم القدرة على الحد من العمليات سيضعف السلطة، ويضرّ بالجميع، فالمخاوف تكمن في انفجار الشارع دون قدرة على إعادة ضبطه.
  2. أهم أولويات السياسة الخارجية للإدارة الأميركية الآن هي “الحرب الروسية على أوكرانيا وكيفية التعامل مع الصين والتهديدات النووية من كوريا الشمالية وإيران، وعليه فإن أفضل ما يمكن أن يأمل بايدن تحقيقه هو منع تفجر التوترات بين الإسرائيليين والفلسطينيين.” ما يجعل فلسطين الساحة التي من شأنها عرقلة المسار الأميركي في حال تم التصعيد.
  3. الخوف من الانحدار إلى حرب متعددة الجبهات، إذ يمكن أن يكون لإشعال الجبهة الفلسطينية دورًا في اندلاعها، ما يقحم الولايات المتحدة في دوّامة تسعى في الوقت الحالي إلى تفاديها وعدم الغرق في مستنقعها.
  4. إن العمليات الفلسطينية النوعية التي نُفذت الشهور الماضية تعكس مدى تماسك واحتضان الرأي العام الفلسطيني للمقاومة، وعليه يشكّل اندلاع التصعيد خلال الفترة المقبلة، سببًا لاستعادة القضية الفلسطينية حضورها المؤثر على صعيد المجتمع الدولي، بما يخالف أهداف الولايات المتحدة، ومساعي الإدارة الأمريكية إلى تجييش المجتمع الدولي ضد روسيا، من خلال إبقاء التركيز الإعلامي والسياسي على أحداث وتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية.
  5. حماية الكيان من انحدار قد يكلفه الكثير في ظل حكومة ديكتاتورية تعاني من التشرذم الداخلي كما وتعاظم النضال الفلسطيني.

مع ازدياد وتيرة العمليات المقاومة التي أصابت الكيان المؤقت بتشتت وتخبّط، ودفعت لاستنزاف قواته بكافة تشكيلاتها وتسمياتها، ارتفعت وتيرة الاقتحامات للمدن والقرى والمخيمات الفلسطينية في الضفة الغربية بما فيها مناطق القدس الشرقية، لتنفيذ عمليات اغتيال واعتقال وهدم منازل الفلسطينيين، في ظل حكومة صهيونية متطرفة تتخّذ كل الإجراءات الإجرامية التي من شأنها التنكيل واضطهاد الشعب الفلسطيني لسلبه حقوق. وجاء ذلك في ظل وجود شخصيات هي الأشدّ تطرّفًا كـ”بن غفير”، وسموتريتش، اللذين يستعدّان لتنفيذ كل الخيارات التي من شأنها إلحاق الضرر بالشعب الفلسطيني عبر التضييق على الأسرى وإعدام المقاومين وتوسيع الاستيطان وتغيير الواقع في المسجد الأقصى، وممارسة كل الإجراءات الاستفزازية، دون أي اعتبار لأي إجراءات دولية أو تدخلات من الخارج، الأمر الذي سيؤجج وسيزيد من النقمة الفلسطينية وسيؤدي لتصاعد التوترالذي سيدفع نحو تنفيذ المزيد من العمليات المقاومة، والذي يمكن أن تشكل أي عملية من هذه العمليات الفتيل المشعّل لاندلاع انتفاضة ثالثة أو حتى تصعيد جديد في غزة، أو معركة سيف قدس جديدة.

كان اللافت، أمام هذا الواقع، هو السعي الأميركي لتهدئة الوضع واحتواء التصعيد الميداني والعمل على بذل الجهود كافة من أجل تخفيض حدّة التوتر في فلسطين. وقد كثرت التصريحات الأميركية التي تدعو إلى الحفاظ على الوضع الراهن دون الأخذ بالأمور إلى فتح جبهة جديدة. وقد تبلور ذلك، من خلال تزايد الوفود الأميركية إلى فلسطين والكيان المؤقت من مختلف الفئات والدرجات، إذ يعتبر أوستن رابع مسؤول أميركي رفيع يزور الكيان خلال الفترة القصيرة الماضية، حيث أنه خلال الثلاثة أسابيع الماضية، زار الكيان المؤقت كل من: مستشار الأمن القومي جيك سوليفان، ورئيس وكالة الاستخبارات المركزية الأميركي (CIA)، وليام بيرنز، ووزير الخارجية أنتوني بلينكن، وهذا بالإضافة إلى وفود من الكونغرس، ومن قيادة الجالية اليهودية، وقوات الجيش الأميركي التي شاركت في أضخم تدريب عسكري مع الجيش الإسرائيلي. بالإضافة إلى ذلك، عملت الإدارة الأميركية على دفع الأردن ومصر للعب دور الوسيط بين الطرفين، ثم عقد قمة العقبة وبلورة خطة فينزل التي تنص على عدة خطوات تتعلق بتدريب نحو 5000 عنصر من الأجهزة الأمنية كـ “قوات خاصة فلسطينية”، على الأراضي الأردنية بإشراف أمريكي، وقد وافقت كل من الأردن ومصر على برنامج التدريب، حيث سيعمل هؤلاء داخل المدن والمخيمات في نابلس وجنين تحت قيادة غرفة عمليات مشتركة، بهدف استعادة سيطرة السلطة على المدينتين والقضاء على المقاومة فيهما.  وتشارك الولايات المتحدة في التنسيق الأمني من خلال ممثلين كبار يتواجدون في الاجتماعات بين السلطة الفلسطينية والكيان المؤقت، وسيقوم الطرفان بإرسال تقارير منتظمة بالخصوص. وفي المقابل، يتم تقليص نشاط جيش الاحتلال بشكل كبير من أجل السماح للأجهزة الأمنية بالعمل في المنطقة، الأمر الذي من شأنه أن يوقف محاولة السلطة فتح قنوات اتصال مع المقاومين مقابل تسليم أسلحتهم وتقديم حوافز مالية لهم ما يعني القتل أو الاعتقال.

أمام هذه الإجراءات والسياسات كان لا بدّ من فهم الموقف الأميركي والدافع الذي يقف خلف خياره في السعي نحو تخفيف حدّة التصعيد والضغط على الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي من أجل التهدئة منعًا لأي انتفاضة جديدة أو حتى تصعيد عسكري جديد يمكن أن يهدد المصالح الأمريكية ومخططاتها في المنطقة، وذلك من خلال مجموعة من التصريحات الأميركية في هذا المجال بالإضافة إلى فهم دوافع إدارة بايدن في الفترة المقبلة.

التصريحات الأميركية حول تخفيف التصعيد

  1. 11 كانون الثاني، 2023: أكّد توماس نايدز، سفير الولايات المتحدة في الكيان المؤقت،أن بلاده ستعارض أي نشاط استيطاني في الأراضي الفلسطينية وإن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعلم ذلك. وأضاف أن نتنياهو “يعلم موقف الولايات المتحدة، وهو الحفاظ على رؤية حل الدولتين على قيد الحياة”. وتابع: “كنا واضحين للغاية بشأن أفكار إضفاء الشرعية على البؤر الاستيطانية والتوسع الاستيطاني الهائل، إنها لن تبقي رؤية حل الدولتين حية، وفي هذه الحالة سنعارضها وسنكون واضحين للغاية بشأن معارضتنا”.
  2. 27 كانون الثاني، 2023: نيد برايس، المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية: “إن الولايات المتحدة حثت على خفض التصعيد بعد مقتل مسلحين فلسطينيين ومدني واحد على الأقل خلال “عملية لمكافحة الإرهاب” أكد الجيش الإسرائيلي تنفيذها في الضفة الغربية”. وأضاف “نشدد على الحاجة الملحة لخفض التصعيد من كافة الأطراف والحيلولة دون خسارة المزيد من أرواح المدنيين والتعاون من أجل تحسين الوضع الأمني في الضفة الغربية. “
  3. 28 كانون الثاني، 2023: جون كيربي، المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأميركي: “نعتقد أنه يتعيّن على جميع الأطراف المعنية أن تسعى بشكل عاجل لنزع فتيل الأزمة”.
  4. 30 كانون الثاني، 2023: أنتوني بلينكن، وزير الخارجية الأميركية: “نحض جميع الأطراف الآن على اتخاذ خطوات عاجلة لاستعادة الهدوء ونزع فتيل التصعيد”. وأضاف: “تقع على عاتق الجميع مسؤولية اتخاذ تدابير لتخفيف التوترات بدلاً من تأجيجها”. وأكّد على “الحاجة الماسة من جميع الأطراف لنزع فتيل التوتر والعمل لكسر حلقة العنف”. وأكّد على دعم بلاده لحل الدولتين، والحفاظ على الوضع الراهن في المسجد الأقصى، كمكان مقدس لليهود والمسلمين معاً.
  5. شباط، 2023: طلب أنتوني بلينكن، “الموافقة على وقف الإجراءات أحادية الجانب لأشهر عديدة في محاولة لخفض مستوى التوترات، ووقف التصعيد في الضفة الغربية”.
  6. 2 شباط، 2023: الرئيس الأمريكي جو بايدن: أكّد على “الضرورة الملحة للحفاظ على الوضع التاريخي القائم في الأماكن المقدسة بالقدس”. كما أكّد على الموقف الأمريكي “الداعم بقوة لحل الدولتين”.
  7. شباط، 2023: باربرا ليف، مساعدة وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط: أبلغت الجانب الإسرائيلي أن الإدارة الأميركية قلقة بشأن احتمال نقل بعض السلطات في الضفة الغربية من وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت إلى سموتريتش، وأشارت ليف إلى إن القيام بتلك الخطوة سيزيد من “تعقيد الوضع” في الضفة الغربية المحتلة، في وقت يلزم فيه خفض التصعيد.
  8. 2 آذار، 2023: انتقدت  وزارة الخارجية الأمريكية تصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش التي دعها فيها إلى محو قرية حوارة الفلسطينية والتي تصل إلى حد التحريض على العنف، وطلبت من رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو التنصل منها علنا.
  9. 7 آذار، 2023: قالت دانا سترول، نائبة مساعد وزير الدفاع الأميركي لشؤون الشرق الأوسط أنّ: “أوستن يزور المنطقة للتفكير في كيفية تخفيف التوتر في الضفة الغربية والقدس الشرقية واتخاذ الإجراءات من أجل استعادة السلام والهدوء خصوصا قبل فترة الأعياد في رمضان وبعد ذلك”. وأكّدت على أن “الناس يستحقون التعبد بأمن وسلام في هذه الفترة”، وأشارت إلى أن: ” واشنطن تتشاور مع جميع الشركاء في الإقليم الذين لديهم دور في تخفيض مستوى العنف وتخفيف حدة التوتر واستعادة الهدوء”.
  10. 6 آذار، 2023: مسؤولون أميركيون: “أوستن سيعبر خلال زيارته لإسرائيل عن مخاوفه في شأن تصاعد العنف في الضفة الغربية الذي أثار قلق الأردن والزعماء العرب، كما سيناقش الجهود الدبلوماسية لتخفيف التوترات قبيل الأعياد الدينية لدى المسلمين واليهود”.
  11. 5 آذار 2023: حذّرت الإدارة الأميركية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، من منح وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، صلاحيات واسعة في الضفة الغربية، “لأنه ورفاقه في الحزب، وخصوصا في المستوطنات، يثيرون توترا زائدا في صفوف الفلسطينيين”.

الدوافع الأميركية لخفض التصعيد

تشعر الولايات المتحدة الأميركية بالقلق من تصاعد العنف في الضفة الغربية، مع تصاعد عمليات المقاومة كما والإجراءات الصهيونية المتطرفة التي تحاول حكومة نتنياهو انتهاجها ضد الشعب الفلسطيني. وتعارض إدارة بايدن مواقف الحكومة الإسرائيلية، التي يعدّها كثيرون في واشنطن من أشد الحكومات تطرفًا في تاريخ الكيان، بما في ذلك سياساتها تجاه الاستيطان ومستقبل حل الدولتين. وتأتي الزيارات الأميركية إلى فلسطين لإظهار جدية الموقف الأميركي من التصعيد والتوسط، وذلك انطلاقًا من أن الوضع الفلسطيني والوصول للتفلت الأمني وعدم القدرة على الحد من العمليات سيضعف السلطة، ويضرّ بالجميع، فالمخاوف تكمن في انفجار الشارع دون قدرة على إعادة ضبطه، بالإضافة إلى انشغال الولايات المتحدة الأميركية في حرب أوكرانيا وتركيز جهودها على مواجهة روسيا والصين مما يجعل فلسطين ساحة من شأنها عرقلة المسار الأميركي في حال تم التصعيد، وذلك في ظل سعيها لتعزيز علاقتها الإستراتيجية مع حليفتها التقليدية في المنطقة.

ويرى آرون ديفيد ميلر، المسؤول الأميركي السابق في ملف عملية السلام بالشرق الأوسط أن “بايدن مشغول للغاية، وأن مواجهة إسرائيل تتطلب وقتًا وطاقة رئاسية، وهو ما لا يملكه الرئيس الأميركي حاليا، إذ يواجه ملفات سياسية خارجية شائكة تفتقر إلى حلول سريعة أو سهلة”، إذ أن أهم أولويات السياسة الخارجية للإدارة الأميركية الآن هي “الحرب الروسية على أوكرانيا وكيفية التعامل مع الصين والتهديدات النووية من كوريا الشمالية وإيران، وعليه فإن أفضل ما يمكن أن يأمل بايدن تحقيقه هو منع تفجر التوترات بين الإسرائيليين والفلسطينيين”. ويظهر ذلك من خلال استعداد بايدن لاتخاذ موقف أكثر تشددًا في التعامل مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وقد قالت السكرتيرة الصحافية للبيت الأبيض كارين جان بيير أن: “الولايات المتحدة تعارض بشدة هذه الإجراءات أحادية الجانب التي تؤدي إلى تفاقم التوترات وتضر بالثقة بين الطرفين وتقوض القابلية الجغرافية لحل الدولتين”.

وبالتالي، يشكّل انشغال إدارة بايدن، بصورة أكبر بالتهديدات الصينية، والملف النووي الإيراني والحرب الأوكرانية، والخوف من الانحدار إلى حرب متعددة الجبهات يمكن أن يكون لإشعال الجبهة الفلسطينية دورًا في اندلاعها ما يقحم الولايات المتحدة في دوّامة تسعى في الوقت الحالي إلى تفاديها وعدم الغرق في مستنقعها.

وعليه، فإن القلق الأميركي مرتبط بواقع يُظهر أن العمليات الفلسطينية النوعية التي نُفذت الشهور الماضية تعكس مدى تماسك واحتضان الرأي العام الفلسطيني للمقاومة، إذ يشكّل اندلاع التصعيد خلال الفترة المقبلة، سببًا لاستعادة القضية الفلسطينية حضورها المؤثر على صعيد المجتمع الدولي، بما يخالف أهداف الولايات المتحدة، ومساعي الإدارة الأمريكية إلى تجييش المجتمع الدولي ضد روسيا، من خلال إبقاء التركيز الإعلامي والسياسي على أحداث وتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، بالإضافة إلى رغبة الولايات المتحدة في مواجهة النمو الصيني المتصاعد سياسيًّا واقتصاديًّا على صعيد الساحة الدولية، وتبديد التوتر مع الكيان المؤقت مع وجود وزراء متطرفين كبن غفير وسموتريتش، وقد يكون السعي الأميركي  أيضًا، من خلال هذه السياسة، هو لحماية الكيان من انحدار قد يكلفه الكثير في ظل حكومة ديكتاتورية تعاني من التشرذم الداخلي كما وتعاظم النضال الفلسطيني.

 هذه الأمور وغيرها، كانت من الأسباب التي دفعت إلى إعلان الخارجية الأمريكية تمسكها بحل الدولتين، وإبقاء الوضع الراهن في الأماكن المقدسة على حاله، وذلك من خلال تهدئة الأوضاع الميدانية من جهة، ووأد المقاومة الفلسطينية المتصاعدة في جنين ونابلس من جهة أخرى ودعم التدخل المصري الأردني لإقناع السلطة الفلسطينية بالتهدئة، والقيام بإجراءات عملية تكفل عدم اندلاع الانتفاضة الثالثة قريبًا، خاصة مع دخول شهر رمضان المبارك، حيث تتقاطع أعياد الاحتلال مع رباط الفلسطينيين في المسجد الأقصى، والتوقعات بحدوث مواجهات ميدانية قد تؤدي إلى اشتعال المواجهة من جديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى