الوجود العسكري الأمريكي في اليمن والجوار

مقدمة

شاركت الولايات المتحدة في نزاع مسلح مع القاعدة والجماعات التابعة لها في اليمن منذ تفجير المدمرة الأمريكية يو إس-إس كول في أكتوبر 2000 قبالة سواحل اليمن، والذي كان في ذلك الوقت أحد أهم هجمات القاعدة. ومع ذلك، لم يصبح اليمن جبهة من الدرجة الأولى في حملة مكافحة الإرهاب الأمريكية حتى عام 2009. في السنوات التي تلت ذلك، اتحدت عناصر القاعدة في اليمن والمملكة العربية السعودية تحت قيادة محنكة تدربت مع أسامة بن لادن لتشكيل القاعدة شبه الجزيرة العربية (AQAP) في اليمن. في يوم عيد الميلاد عام 2009، زودت المجموعة عمر فاروق عبد المطلب بعبوة ناسفة مصممة ببراعة مخبأة في ملابسه الداخلية في محاولة لإسقاط طائرة ركاب في طريقها إلى ديترويت بولاية ميشيغان. تعطل الجهاز وتم تفادي الانفجار، لكن الحكومة الأمريكية انطلقت إلى العمل، وشنت حملة عسكرية ضد القاعدة في شبه الجزيرة العربية في اليمن مستمرة حتى يومنا هذا.

عملت الولايات المتحدة على تطوير سياسة لمكافحة ما تسميه بالإرهاب من خلال حملة ضربات جوية متسقة في عهد الرئيس السابق على عبد الله صالح. ومع ذلك، في عام 2012، جاء الربيع العربي إلى اليمن، حيث أطاح بصالح واستبدله بشريك أكثر مرونة في مكافحة الإرهاب، وهو عبد ربه منصور هادي. تماشى هادي مع سياسة الولايات المتحدة، وعلى مدار العامين ونصف العام التاليين، نفذت الولايات المتحدة واحدة من أكثر حملات ما يسمى بمكافحة الإرهاب كثافة في اليمن. أغرقت الولايات المتحدة الحكومة اليمنية بالأسلحة ودربت قوات الكوماندوز التابعة لها. تم دمج قوات العمليات الخاصة الأمريكية (SOF) مع مجموعة من القوات اليمنية ومكنت عملياتها من طرد القوات اليمنية للقاعدة في شبه الجزيرة العربية من معاقلها في جنوب ووسط اليمن. قتلت العشرات من الغارات الجوية الأمريكية سلسلة من كبار عناصر القاعدة في شبه الجزيرة العربية، بما في ذلك أنور العولقي وسمير خان الأمريكي الجنسية.

المبحث الأول: دور القواعد العسكرية الامريكية في إدارة العمليات في اليمن والجوار

تعمل القواعد العسكرية الامريكية المحيطة باليمن على تنفيذ الأهداف السياسية التي وضعتها الإدارة الامريكية، لذا يمكن رؤية عملها من زاوية تقنية، من جهة نشر وحدات قتالية في أماكن جغرافية متعددة، كالصومال واليمن بما فيها جزره المحتلة، إضافة الى الاشراف على الملاحة الدولية التي تمر بالمضائق والممرات الاستراتيجية مثل خليج عدن وباب المندب والبحر الأحمر.

الانتشار العسكري الأمريكي وتداخل المصالح الدولية والإقليمية

يمثل جنوب الجزيرة العربية قاعدة مثلث رأسه في جزيرة دييغو غارسيا في وسط المحيط الهندي، وقاعدته في اليمن وسلطنة عمان، وتمثل القواعد الامريكية المنتشرة بين جيبوتي وجزيرة مصيرة العمانية، وجزيرة دييغو غارسيا، إضافة الى الوحدات الامريكية القتالية الصغيرة المنتشرة في اليمن والصومال، وجزر أخرى في البحر الأحمر، تعد كلها جزء من شبكة متكاملة تهدف للسيطرة على أهم خطوط الملاحة الدولية، والتحكم بمفاصل الاقتصاد الصيني في المقام الاول، إضافة الى عزل إيران عن اليمن، والبحرين الأحمر والمتوسط في المستقبل.

خريطة انتشار القوات الامريكية في قواعد رسمية وغير رسمية حول العالم

أولا، القواعد العسكرية الامريكية

جيبوتي

تمتلك امريكا قاعدتين عسكريتين في جيبوتي هما:

  • قاعدة ليمونية

منذ مطلع العام 2002 بدأت القوات الاميركية تتمركز في قاعدة ليمونيه التابعة للقوات الامريكية. وهي قاعدة فرنسية بالأصل، تم تأسيسها كحامية لفيلق القوات الاجنبية الفرنسية سيطر عليها الجيش الامريكي بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، قررت باريس أنها لم تعد بحاجة إليها. تعتبر هذه القاعدة الوحيدة الدائمة للولايات المتحدة في القرن الافريقي، وتقع على بعد 11 كم فقط من القاعدة الصينية، ويبلغ عدد الجنود فيها ما يقارب 4000 جندي، وهي محور شبكة من حوالي ست قواعد أمريكية للطائرات بدون طيار والمراقبة تمتد عبر القارة. القواعد الجوية الاخيرة أصغر وتعمل من منصات إطلاق بعيدة تقع داخل القواعد العسكرية المحلية أو المطارات المدنية، ونظرًا للموقع الاستراتيجي يتم استخدام القاعدة كمركز للعمليات الجوية في منطقة الخليج.

  • قاعدة شابلي

تم استخدام القاعدة لأول مرة من الجيش الامريكي في سبتمبر من العام 2013 وتم إنشائها بعد تكرار حوادث الطائرات المسيّرة في مطار ليمونية التابعة للقوات الامريكية وتوفر القاعدة نقطة إنزال وإقلاع للطائرات الامريكية المسيرة المتجهة إلى اليمن وجنوب غرب المملكة العربية السعودية وجزء كبير من الصومال واجزاء من إثيوبيا وجنوب مصر. كما تستخدم للطائرات العسكرية والطائرات المدنية الفرنسية واليابانية تم تخصيص القاعدة كمنصة لإطلاق الطائرات بدون طيار وتهدف للقيام بأنشطة متعددة منها ما يخدم الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع وضربات ضد عناصر ما يسمى بالقاعدة في الصومال واليمن.

سلطنة عمان

 ينحصر الوجود الامريكي في قاعدة مصيرة الجوية والتي تقع في المطار العسكري لجزيرة مصيرة العُمانية، وكانت تستخدم من قبل القوات البريطانية منذ عام 1930، وتستخدم الجزيرة ايضاً كمستودع عسكري للقوات الامريكية منذ سنة 2009، ويتواجد في القاعدة شركة دينكورب الامريكية ومهمتها التدريب العسكري والامني والتوجيه والدعم الاستخباراتي والدعم الجوي، بالإضافة إلى عمليات الطوارئ وصيانة المركبات العسكرية البرية. يضاف الى ذلك، إمكانية استخدام الجيش الأمريكي ل 24 مرفقا عسكريا عمانيا.

ثانيا، الانتشار البحري بقيادة الولايات المتحدة

  • تبدى هذا الانتشار، بتشكيل القوات البحرية المشتركة (CMF)، المكونة من أربع تشكيلات هي؛ قوة العمليات المشتركة 150 CTF، 151CTF، 152 CTF، 153CTF، الموزعة بين مضيق هرمز وبحر العرب، وخليج عدن وباب المندب، والبحر الأحمر.

لهذا الانتشار البحري اهداف استراتيجية وتكتيكية؛ تتمثل الأهداف الاستراتيجية، بإثبات الوجود والسيطرة وعدم ترك فراغ أمني وعسكري يمكن لقوى عالمية منافسة ملئه مثل الصين وروسيا؛ بينما الأهداف التكتيكية تتمثل في منع القوى الإقليمية المعادية للولايات المتحدة والكيان الصهيوني، على رأسها الجمهورية الإسلامية في إيران من دعم حكومة صنعاء وإمدادها بالمستلزمات الإنسانية والعسكرية المطلوبة، إضافة الى منع حكومة صنعاء من السيطرة على باب المندب، والتواصل مع الدول الافريقية على الضفة الأخرى من البحر الأحمر.

ثالثا، الانتشار القتالي المحدود للقوات الامريكية في المنطقة

الصومال

للجيش الأمريكي انتشار قتالي خارج القواعد الرئيسية في عدد من البلدان المحيطة باليمن، منها الصومال، ففي مايو 2022، وقع بايدن أمرًا لإعادة نشر ما يقرب من 500 جندي أمريكي في الصومال، مما عكس قرار دونالد ترامب لعام 2020 بسحب القوات من البلاد. كانت الصومال ساحة المعركة الأكثر نشاطًا لمكافحة الإرهاب في عهد بايدن، كما تم نشر القوات الأمريكية في كينيا وجيبوتي المجاورتين لدعم العمليات في الصومال.

رغم ان هذه القوات مهمتها محددة في إدارة معركة الحكومة الصومالية في مقديشيو مع حركة الشباب، بهدف القضاء على تعاظم تهديداتها للمصالح الامريكية، إلا انه يظهر أيضا مركزية القواعد العسكرية الامريكية ودورها في إدارة العمليات في اليمن ومجاله الحيوي.

اليمن

بعد وقت قصير من توليه منصبه، أعلن بايدن إنهاء الدعم الأمريكي للحرب المثيرة للجدل التي تقودها السعودية ضد حكومة صنعاء في اليمن. لكن البيت الأبيض قال إن “عددا صغيرا” من القوات ما زال منتشرا في اليمن للقيام بعمليات تستهدف داعش وتنظيم لقاعدة في شبه الجزيرة العربية.

حاليا، تنشر الولايات المتحدة قوات محدودة في اليمن، يصل عددها تقريبا إلى 300 عنصر، يتمركزون في المحافظات الجنوبية، وفق التالي:

  1. محافظة عدن؛ مقر التحالف في البريقة – مطار عدن الدولي – قصر معاشيق.
  2. محافظة لحج؛ قاعدة العند العسكرية.
  3. محافظة شبوة؛ منشأة بلحاف الغازية – مطار عتق.
  4. محافظة حضرموت؛ مطار الريان.
  5. محافظة المهرة؛ مطار الغيضة.
  6. محافظة سقطرى؛ جزر سقطرى – حديبو – عبدالكوري.

يمكن إعطاء توصيف للوجود العسكري الأمريكي في اليمن الى وجود غير مباشر يختبئ خلف القوات الإماراتية او المليشيات المدعومة منها بشكل أساسي، وبنسبة أقل خلف القوات السعودية، ولكن لا تقتصر هذه الاستفادة غير المباشرة من النفوذ الاماراتي على البر اليمني، ولكن يتعداه الى كامل الانتشار الاماراتي في موانئ أريتريا، أرض الصومال، جزيرة ميون، وأرخبيل سقطرى، ومؤخرا السودان، إضافة الى تمويلها لقاعدة برنيس البحرية المصرية على البحر الأحمر مع إمكانية الاستفادة منها، كما نؤكد على الشراكة الإماراتية مع الكيان المؤقت، والسماح له بإنشاء مراصد استخبارية لجمع المعلومات في أغلب قواعدها على هذه الجزر، وعلى رأسها جزر سقطرى وعبد الكوري وحديبو.

تتمحور الأهداف المعلنة للوجود العسكري الأمريكي في اليمن، كما أوردته وزارة الخارجية الامريكية في استراتيجيتها المدمجة اتجاه اليمن، في المقتطفات التالية على سبيل المثال وليس الحصر:

  1. “ستركز أنشطة البعثة على بناء القدرات والاستعداد لمؤسستين رئيسيتين – خفر السواحل اليمني وحرس الحدود اليمني – لاعتراض الأسلحة وغيرها من المواد غير المشروعة وتأمين الحدود البرية والبحرية لليمن”.
  2. “يعيد اليمن بناء قطاع الأمن الداخلي لحماية السكان من التهديدات الداخلية؛ إعادة بناء القوات البرية والبحرية اليمنية لتصبح قادرة على حماية السكان من التهديدات الخارجية؛ تتعاون قوات مكافحة الإرهاب اليمنية مع حكومة الولايات المتحدة والشركاء الإقليميين لمواجهة المنظمات المتطرفة العنيفة (VEOs) التي تهدد اليمن والمنطقة والوطن الأمريكي”.
  3. “يعكس بناء قدرات قطاع الأمن بالضرورة الطبيعة الشاملة للتحديات الأمنية. التعاون مع الشركاء اليمنيين الرئيسيين في تحقيق الهدفين 4.1 و4.2. – حرس السواحل اليمني وحرس الحدود – يشكل عنصرا رئيسيا في جهود أوسع لإعادة الأمن الداخلي. يرتبط هذا ارتباطًا وثيقًا بأمن الحدود اليمنية والمجال البحري، ويعتمد فحص المسافرين على موانئ الدخول الخاضعة للرقابة الفعالة”.

تتبين مهمة القوات الامريكية وفقا للمقتطفات أعلاه، في التدريب والتأهيل لعناصر خفر السواحل، وحرس الحدود، والافراد العاملين في المنافذ الرسمية سواء البحرية أو الجوية، على عمليات التفتيش والمراقبة، إضافة الى روابط متميزة مع ما يسمى قوات مكافحة الإرهاب اليمنية، من خلال التدريب وإدارة وتحديد مهام هذه القوات، وربطها بشبكة امنية إقليمية.

المبحث الثاني: مشروع صنعاء التحرري ومستقبل التواجد الأمريكي في اليمن

لم تقتصر الاطماع الاستعمارية الدولية فقط على بريطانيا في القرن التاسع عشر، ولكن سبقها البرتغاليون، كما لحقها السوفييت بعد الحرب العالمية الثانية الذين تمركزوا في جنوب اليمن بناء على طلب من حكومة عدن في ذلك الوقت، إلا أن الولايات المتحدة الامريكية تمكنت بعد الحرب الباردة من امتلاك النفوذ الأكبر في الجمهورية اليمنية أثناء فترة الرئيس السابق علي عبد الله صالح، وتجدر الملاحظة هنا الى أن مدينة صنعاء وشمال اليمن عموما لم يقعوا تحت الاحتلال المباشر لأي قوة استعمارية طوال تلك القرون.

أولا، مشكلة اليمن

تكمن مشكلة اليمن الأساسية في موقعه الجغرافي الحساس، وإشرافه على طرق التجارة والملاحة بين الشرق الأقصى وأوروبا، إلا أن حساسية الموقع الجغرافي تتضاعف فعاليتها حين تتكامل مع قيادة تمتلك مشروعا تحرريا مناهضا للاستعمار، ورافضة للخضوع له أو لأدواته من الوكلاء الإقليميين.

الموقع الجغرافي

موقع اليمن الاستراتيجي جعله ساحة صراع محلي وإقليمي ودولي وخصوصاً أنه يقع بين السعودية وسلطنة عمان ويطل على مضيق باب المندب أحد أهم المعابر المائية في العالم.

نحو ألفي كيلومتر هي الحدود التي يشترك فيها اليمن مع السعودية من الشمال، بينما تحد اليمن من جهة الشرق سلطنة عمان، وتشترك الدولتان بحدود يبلغ طولها 288 كيلومتراً. على مسافة قدرها 2500 كيلومتراً، تمتد الجبهة البحرية لليمن، وتطل على بحر العرب وخليج عدن من الجنوب، والبحر الأحمر من الغرب. موقع اليمن البحري إضافة إلى تكونه من جبهتين مائيتين، يتميز بإطلالته على مضيق باب المندب أحد المضائق المائية المهمة باعتباره عنق الزجاجة بالنسبة للبحر الأحمر، والذي يتحكم بالطرق التجارية بين الشرق والغرب. يمر عبر باب المندب يومياً ما نسبته ثلاثة ملايين وثلاثمائة ألف برميل نفط، بما نسبته 4 بالمئة من الطلب العالمي على النفط، وتمر عبره إحدى وعشرون ألف سفينة سنوياً، أي أن الشحنات التجارية التي تمر عبر الممر تعادل عشرة بالمئة من الشحنات التجارية العالمية. هذه الخصائص جعلت باب المندب يحتل المرتبة الثالثة عالمياً بعد مضيق هرمز، ومضيق ملقا من حيث كمية النفط التي تعبره يومياً، مما زاد أهميته الاستراتيجية، وزاد من قيمته الاقتصادية. ومما يضاعف من أهمية موقع اليمن انتشار جزره البحرية في مياهه الإقليمية على امتداد بحر العرب، وخليج عدن، والبحر الأحمر. موقع اليمن الجغرافي المهم والاستراتيجي يجعل منه اليوم ساحة صراع محلي وإقليمي ودولي، ويجعل من الجهة المسيطرة لاعباً أساسياً في المنطقة، ويعطيه القدرة على التحكم بمدخل أحد أهم المعابر المائية في العالم.

القيادة والمشروع التحرري

لم تكن الحروب التي شنت على جماعة «أنصار الله» بدءاً من الحرب الأولى عام 2004، إلا تتويجاً لسلسلة من الانتهاكات والمضايقات التي رافقت الحركة منذ مرحلة ما قبل تأسيسها على يد الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي يوم كانت تعرف باسم حركة «الشباب المؤمن». وهي حركة تأسست لمقاومة المشروع الأميركي في اليمن والمنطقة، ولم تُغفل في أدبياتها ضرورة تحصين الوضع الداخلي وترتيبه كشرط للنجاح في الصراع الحضاري مع المشاريع الاستعمارية، وفقاً لرؤية قرآنية.

ولم يكن استشهاد السيد حسين بدر الدين الحوثي سوى البداية القوية للحركة الفتية الآتية من جبال الشمال بمشروعها الجاذب للشعب والمُحرِج للسلطة أمام الغرب، فسرعان ما أماطت الحروب التالية اللثام عن شخصية قيادية شابة صلبة وذات كاريزما قوية، وهو السيد عبد الملك الحوثي. ثم وقعت الحروب الست خلال ست سنوات، بدّدَت السلطة فيها المليارات وبدت كمن يُحارب بالوكالة عن الخارج، أما بالنسبة إلى «أنصار الله» فقد كانت حروباً تقوّيهم ولا تقضي عليهم.  وبسيطرتهم على مركز القرار في صنعاء وصمودهم أمام العدوان متعدد المستويات، إقليميا ودوليا، وأدواته الداخلية من المرتزقة، اضطرت هذه القوى الى إيقاف الحرب والبحث عن مخرج يجعلها تلتقط أنفاسها بعد سنوات من الاستنزاف والهزائم العسكرية.

اليوم، ومع انتصارات محور المقاومة، وانتماء القيادة اليمنية لهذا المحور، ووجود هذا الصمود والتحول من الدفاع الى الهجوم، يتبين مدى خطر المشروع التحرري للقيادة في صنعاء على الاطماع والمصالح الغربية والصهيونية في المنطقة.

ثانيا، مستقبل الحضور الأمريكي في اليمن

ضغوط الصراع الدولي وتفكك البنية الإقليمية بقيادة الولايات المتحدة

مع تصاعد الصراع الدولي بين الولايات المتحدة والصين، ودخول العالم مرحلة تشكيل المعسكرات بين هذين القطبين، والتحالفات التي بدأت مظاهر انعقادها تتبين، لا سيما بين الصين وروسيا، والولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وأستراليا أي حلف AUKUS، إضافة الى عدم جدية مكونات البيئة الأمنية الإقليمية التي سعت الولايات المتحدة لتشكيلها في غرب آسيا، بهدف إدارة المعركة في وجه محور المقاومة، وحماية دولة الكيان المؤقت، لا سيما عدم وجود ما يدل على قناعة الدول العربية بالتورط في مواجهة إقليمية نيابة عن العدو الصهيوني، إضافة الى الخلافات السعودية – الامريكية العميقة التي أفضت الى الاتفاق الإيراني – السعودي برعاية صينية، مما أدى نظريا الى انكشاف للأمن القومي للكيان المؤقت.

تطور الصناعات والعلوم العسكرية للجيش اليمني

خلال عرضٍ عسكري بمناسبة العيد الثامن لثورة 21 سبتمبر، في ميدان السبعين في العاصمة صنعاء العام الماضي 2022، استعرضت القوات عشرات المنظومات الصاروخية المتطورة وأسلحة بحرية ودفاعات جوية صنعتها هيئة التصنيع الحربي وطرادات بحرية حديثة من إنتاج هيئة الصناعات الحربية اليمنية. 

في خطابه يوم السبت 25 آذار 2023، صرح السيد عبد الملك الحوثي، أن القوات المسلحة اليمنية باتت تمتلك من القدرات والتكنولوجيا العسكرية في مجالات السلاح الصاروخي والجوي والبحري ما يمكنها من ضرب أي موقع ضمن نطاق الأهداف الاستراتيجية للعدو بدقة تامة، ومن دون قدرة للعدو على الكشف أو التشويش على الذخائر والأسلحة المستخدمة في عملية القصف، سواء كانت جوية أو صاروخية، إضافة الى تطور كبير في سلاح البحرية من حيث الذخائر والمعدات المعدة لأي معركة برية، وكانت القيادة اليمنية قد صرحت أيضا أن أعينها مفتوحة على حركة البحرية للكيان المؤقت في البحر الأحمر، وأن الامر لن يطول لوضع حد لها.

اللافت أن السيد عبد الملك، بات مؤخرا يتوجه في معظم خطاباته السياسية الى الولايات المتحدة، والطلب منها بسحب جنودها من اليمن، وأن وجودهم الاحتلالي لن يستقر أو يستمر في اليمن. ينذر هذا التطور بفتح مرحلة جديدة في اليمن والمنطقة بقتال الأصيل – الأمريكي – بعدما استطاع الوكيل الإقليمي من تحييد نفسه عن المواجهة المباشرة مع محور المقاومة.

الخاتمة

الصمود اليمني طوال فترة ثماني سنوات من الحرب الدولية والإقليمية والمحلية ضده، مضافا إليه حصار اقتصادي وعسكري خانق، كان دافعا لتطوير التكنولوجيا والصناعات العسكرية اليمنية وتحقيق الاكتفاء الذاتي بشكل كبير على هذا الصعيد، كما أن هذا الصمود تسبب بتفكك التحالف العسكري الدولي والاقليمي الذي شن الحرب على اليمن. كانت إحدى النتائج الغير مباشرة لصمود وانتصارات صنعاء، هو توقيع الاتفاق الإيراني – السعودي برعاية صينية، تبعها استدعاء أعضاء مجلس القيادة الرئاسي ورئيس حكومة المرتزقة، وحاكم مصرف عدن المركزي الى الرياض، لإبلاغهم بترتيبات بعد الاتفاق السعودي الإيراني بخروج الرياض من المعركة وتمديد الهدنة مع صنعاء ورقع الحصار عن الموانئ والمطارات، ورعاية مشاورات يمنية – يمنية بالتعاون مع الأمم المتحدة. يضع هذا الامر الولايات المتحدة في مأزق، إذ أن الوكيل الإقليمي السعودي – والذي أدار بالتعاون مع الامارات مليشيات المرتزقة على الأرض – يعيد هذه الإدارة الى الأصيل الأمريكي، والكيان الصهيوني المؤقت، ووضعهم وجها لوجه مع قوات صنعاء ومحور المقاومة، حيث يعد اليمن أحد مفاخره وأحد القوى التي لها دور رئيسي لا يمكن الاستغناء عنه في تحرير المنطقة من الوجود الاستعماري الغربي والمساهمة في تحرير فلسطين من الكيان الصهيوني المؤقت. لذا سيكون التحدي الرئيسي القادم بالنسبة لليمن هو الوجود العسكري الأمريكي، ووسائل إخراجه من البلاد، والمواجهة مع هذا الاحتلال الأمريكي قادمة لا محالة، وعلى الولايات المتحدة أن تحزم أمرها بمغادرة البر اليمني وجزره قبل دخولها فيما لا قبل لها به، وفي دروس أفغانستان والعراق عبرة لأولي الألباب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى