تقارير سياسية

العلاقات السورية الإيرانية تاريخ وحاضر ومستقبل

لمحة عامة في العلاقات السورية الإيرانية

 تمثل العلاقات الثنائية بين إيران وسوريا تحالفًا إستراتيجيًا يتجاوز الاختلاف الأيديولوجي في شكل الحكم والتنوّع المذهبي. يعود تاريخ هذه العلاقة إلى الحرب الإيرانية العراقية، 1980. تجمع القضية الفلسطينية والعداء للكيان المؤقت البلدين، وترتكز العلاقة بينهما على مواقف جامعة في نصرة الشعب الفلسطيني ورفض المخططات الإسرائيلية وإحباط المشاريع الأمريكية ودعم الأمة الإسلامية. واتّسمت العلاقة بالبقاء تحت سقف الجوامع المشتركة حول ضرورة الثبات على الممانعة والمقاومة والحفاظ على السيادة وعدم التبعية. دعمت إيران الدولة السورية وسندت نظام الرئيس الأسد منذ اندلاع الحرب الإرهابية الكونية على سوريا سنة 2011، التي خططت لها واشنطن لتكون حربًا أهلية تطيح بمواقف سوريا الممانعة تجاه العدو الإسرائيلي، وسوريا القوية عسكريًّا والمكتفية اقتصاديًّا. ومذ أدخل خطاب الولايات المتحدة الأمريكية كل من إيران وسوريا في ما اصطلح عليه بـ “محور الشر”، أثبتت العلاقات المزيد من التضامن والدعم في مواجهة النفوذ الأمريكي – الإسرائيلي. وتستعرض الورقة أدناه مراحل العلاقات السورية الإيرانية وأبرز محطاتها، إضافة إلى قراءة موجزة في عمق العلاقة ومستقبلها.  

التصادم الفكري السياسي ثم التوازن، قبل الثورة الإسلامية في العام 1979

  • طوال الخمسينات والستينات من القرن الماضي، خلال الحكم البهلوي، تصادم سياسي بين القومية العربية السورية والقومية الفارسية، عنوان سياسة الشاه محمد رضا بهلوي.
  • في منتصف السبعينات، فُتحت نوافذ سياسية جديدة على علاقة سورية إيرانية موزونة؛ انعكست على العلاقات الاقتصادية بينهما، فتم التوقيع على اتفاق اقتصادي بين البلدين في العام 1974، وتُوجت بزيارة الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد إلى طهران في كانون الأول من العام 1975.

مرحلة التحالف السياسي والتعاون الثقافي والوساطة مع دول الخليج (1979-1990)

  • انضمام كل من إيران وسوريا إلى جانب ليبيا والجزائر واليمن الجنوبي ومنظمة التحرير الفلسطينية إلى محور رفض اتفاقيات كامب ديفيد، بين مصر والكيان المؤقت والولايات المتحدة في أيلول 1978.
  • مع الغزو العراقي لإيران في خريف العام 1980، إغلاق سوريا أنبوب النفط العراقي كركوك- بانياس وحرمت العراق من موارده المالية، مقابل النفط الإيراني الرخيص.
  • بناء سوريا قناة تحاور غير مباشر بين دول الخليج وإيران، بينما شكّلت الأخيرة بديلًا عن مصر بالنسبة لسوريا.
  • عام 1983، افتتحت إيران أول مركزًا ثقافيًا لها في سوريا في ضاحية المزة في العاصمة دمشق، ثم نُقل إلى قلب دمشق قبالة ميدان الشهداء. وينسق مع الجامعات السورية.
  • في منتصف الثمانينات، تأكيد العلاقة على أهمية انعكاس التحالف بين البلدين على موازين القوى الداخلية والنفوذ الإقليمي.
  • الدعم السوري لإيران -خلال الحرب العراقية الإيرانية- بالتدريب والتزويد بصواريخ سكود بخلال الفترة الواقعة ما بين 1986-1988.
  • في نهاية الثمانينات، التحالف السوري لإيران هو بحكم الأمر الواقع، كما أنه التحالف العربي الأوحد لإيران، مع التوافق المركزي على ضرورة المقاومة اللبنانية وسلاحها في ردع الكيان المؤقت.

مرحلة وضوح الرؤى وتبلور ملامح التحالف المقاوم، (1990-2000)

  • تفهّم إيراني لمواقف سوريا لاستعادة أرض الجولان وثبات سوري على التمسّك بالقضية الفلسطينية ورفض التطبيع في مؤتمر مدريد لـ” السلام” (1993).
  • بقاء سوريا كطرف أساسي في الصراع العربي-الإسرائيلي.
  • الرئيس السوري حافظ الأسد يزور إيران في الأول من آب 1997، ويلتقي نظيره الإيراني هاشمي رفسنجاني والمرشد الأعلى السيد علي خامنئي.

مرحلة ثبات المحددات والمواجهة المشتركة، (2000-2011)

  • استمرار التحالف الإيراني-السوري بعد وفاة الرئيس السوري السابق حافظ الأسد عام 2000، وثبات الرؤى والأهداف والمواقف من عملية التسوية السياسية للصراع العربي الإسرائيلي.
  • الرئيس بشار الأسد يزور طهران في العام 2001، ويلتقي المرشد الأعلى، القائد الخامنئي، ورئيس الجمهورية آنذاك، السيد محمد خاتمي.
  • نيسان 2004، بدء تطبيق اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين.
  • في العام 2005، افتتاح أول مركز ثقافي سوري في إيران.
  • حزيران 2006، توقيع وزيري دفاع كل من سوريا وإيران اتفاقًا للتعاون العسكري ضد ما أسموه «التهديدات المشتركة» التي تشكلها إسرائيل والولايات المتحدة، وقد تكررت الزيارة عام 2007 في عهد الرئيس أحمدي نجاد.
  • احترام البلدين مصالح الآخر في الدول الأخرى ضمن إطار المواجهة مع واشنطن؛ إيران في العراق وسوريا في لبنان، وتعزيز التعاون والتقارب، وبدء تبلور ملامح محور المقاومة والممانعة. 
  • رسم ملامح مكاسب استراتيجية عامة تتجاوز المكاسب الداخلية الضيقة لكلا الطرفين وذلك عبر بناء نفوذ مواجهة المشاريع الأمريكية- الإسرائيلية، لا سيما مشروع الشرق الأوسط الجديد في تفتيت المنطقة وتقسيم دولها، من احتلال العراق 2003، إلى عدوان تموز 2006، وصولًا إلى الحرب على سوريا 2011.
  • قبل أشهر قليلة من اندلاع الحرب، توقيع اتفاقية للغاز الطبيعي بقيمة 10 بلايين دولار مع سوريا والعراق لبناء خط أنابيب إيران-العراق-سوريا، خط أنابيب للغاز يبدأ في إيران ويمر في سوريا ولبنان والبحر المتوسط حتى يصل إلى عدد من أوروبا.

مرحلة توثيق التحالف السوري الإيراني في ظل حرب الإرهاب سوريا (2011- 2019)

  • الاستجابة الإيرانية لطلب الدولة السورية في تقديم الدعم اللازم وعلى المستويات كافة، إيمانًا بأهمية الحفاظ على موقع سوريا في التوازنات الإقليمية، وضرورة تقويض مساعي تحجيم دورها الإقليمي. 
  • اتفاق تجارة حرة رمزي في 13 ديسمبر 2011، لمحاولة التقليل من تأثير العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبعض دول الجامعة العربية.
  • استمرار الدعم الإيراني في كل مراحل الحرب على سوريا سواء العسكرية أو السياسية والاقتصادية رغم كل الظروف الصعبة وتداعياتها.
  • التعاون في القضاء العسكري على التنظيم الإرهابي التكفيري، داعش، واستعادة السيطرة على معظم الأراضي السورية.
  • المنفعة المتبادلة في التحالف؛ الصمود السوري وقوة الملف النووي والتوازن الإقليمي ونمو المحور المقاوم.

مرحلة التحالف ضد الحصار الاقتصادي الأمريكي وتعزيز التعاون (2019-2023)

  • التحالف على مبدأ احترام سيادة الدولة السورية وقرارها ووحدة أراضيها.
  • كانون الثاني 2019، توقيع 11 اتفاقية ومذكرة تفاهم وبرنامجًا تنفيذيًّا لتعزيز التعاون بين البلدين في المجال الاقتصادي والعلمي والثقافي والبنى التحتية والخدمات والاستثمار والإسكان وذلك في ختام اجتماعات الدورة الـ 14 من أعمال اللجنة العليا السورية- الإيرانية المشتركة التي عقدت في دمشق.
  • 25 شباط 2019، الرئيس بشار الأسد يزور طهران ويلتقي المرشد الأعلى، القائد الخامنئي.
  • نيسان 2021، كسر الحصار الأمريكي عن سوريا عبر ناقلات النفط الإيرانية والمواد الغذائية. تعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين عبر الاستثمارات الإيرانية في البنى التحتية السورية ووسائط النقل.
  • تأمين كميات من الغاز الطبيعي الإيراني لسوريا.
  • 8 أيار 2022، الرئيس بشار الأسد يزور طهران، ويلتقي المرشد الأعلى، القائد الخامنئي والرئيس الإيراني، السيد إبراهيم رئيسي.
  • 27 نيسان 2023، توقيع مذكرة تفاهم شاملة في سوريا بشأن تعزيز التعاون في مختلف القطاعات بين البلدين، تمخضت بعد جلسات عدّة للجنة الاقتصادية السورية الإيرانية المشتركة في دمشق، دامت يومين بمشاركة ممثلي الجانبين في قطاعات الاقتصاد والتجارة والإسكان والنفط والصناعة والكهرباء والنقل والتأمينات.

في عمق العلاقة ومستقبلها

اليوم، وعلى الرغم من محاولات المجتمع الدولي والعربي قطف ثمار الصمود السوري، دولة وشعبًا، من بوابة إبعاد سوريا عن حليفها الإيراني، لا تزال دمشق الحليف الاستراتيجي لطهران، وتسجّل يومًا بعد يوم المزيد من الثبات والممانعة والقدرة على تغيير المعادلات في الوقت المناسب. إن التحالف الإيراني السوري بمنأى عن التشوهات التي يحاول أن يرمي بها البعض هذه العلاقة في محاولات فاشلة لزرع الخلاف. فالتجربة على أرض الواقع وفي مختلف الميادين، وعلى مدى أكثر من عقد تشير إلى تماسك هذا التحالف والتمسك بالثوابت المشتركة والتوافق على الصمود في خندق واحد مع الحفاظ على مبدأ عدم التدخل في السياسات الداخلية والقرارات السيادية. ويشكّل التحالف بين البلدين قوة يعتدّ بها في مشروع محور الممانعة وحفظ المصالح العليا الاستراتيجية للبلدين. وتسجّل التطورات الإقليمية مؤخرًا، وفي طليعتها الاتفاق السعودي الإيراني، نقطة تحول استراتيجية ستظهر تأثيراتها تباعًا في مستقبل دول المنطقة، ويبقى التحالف الثنائي الإيراني السوري نقطة توازن هذا التحوّل التي ستحدد اتجاه التأثيرات ومداها في المنظور غير البعيد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى