بيرق

الإيثار بالنفس

قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾.

إذا تأملنا في الآيات التي سبقت هذه الآية الشريفة وهي من قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ إلى الآية مورد البحث يظهر لنا حُسن التقابل بين رجلين أحدهما مفسد ومضمر للنفاق إلى آخر أوصافه، والآخر هو أهل الإيثار بالنفس. وقد ورد في الروايات أنّ هذا الرجل هو الإمام أمير المؤمنين عليه السلام. ومن هذه الروايات ما نُقل عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: أمّا قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾

فإنّها أنزلت في عليّ بن أبي طالب عليه السلام حين بذل نفسه لله ولرسوله ليلة اضطجع على فراش رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لمّا طلبته كفّار قريش.

وخلاصة التفسير أنّ قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ﴾، بيان أنّ هناك رجلاً معتزاً بإثمه معجباً بنفسه متظاهراً بالإصلاح مضمراً للنفاق، لا يعود منه إلى حال الدين والإنسانية إلّا الفساد والهلاك. يقابله قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ﴾، وهو بيان أن هناك رجلاً آخر باع نفسه لله سبحانه لا يريد إلّا ما أراده الله تعالى لا هوى له في نفسه ولا اعتزاز له إلّا بربّه ولا ابتغاء له إلّا مرضاة الله تعالى، فيصلح به أمر الدين والدنيا، ويحيا به الحقّ، ويطيب به عيش الإنسانية.

وبذلك يظهر ارتباط ذيل الآية بصدرها أي قوله تعالى: ﴿وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾، بقوله ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ﴾، فإنّ وجود إنسان هذه صفته من رأفة الله سبحانه بعباده إذ لولا رجال هذه صفاتهم بين الناس في مقابل رجال آخرين صفتهم ما ذكر من النفاق والإفساد لانهدمت أركان الدين، ولم تستقرّ من بناء الصلاح والرشاد لبنة على لبنة.

لكنّ الله سبحانه لا يزال يزهق ذاك الباطل بهذا الحقّ ويتدارك إفساد أعدائه بإصلاح أوليائه كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرً﴾، وقال تعالى: ﴿فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ﴾.

فالفساد الطارئ على الدين والدنيا ممّن اتّبع هواه وغرائزه، لا يمكن سدّ ثلمته إلّا بالصلاح الفائض من قبل آخرين ممّن باع نفسه لله سبحانه، ولا هوى له ولا هم إلّا في ربه، وإصلاح الأرض ومن عليها. فمن أبرز مصاديق الإيثار بالنفس الجهاد في سبيل الله، وما يتبع ذلك من تعريض النفس إلى مخاطرٍ عدة كالإصابة في أرض المعركة، فضلاً عن الوقوع في الأسر، وصولاً إلى القتل في سبيل الله. فأمثال هؤلاء يؤثرون بأنفسهم ويقدّمون أسمى وأرقى مصاديق الإيثار في دفاعهم عن بيضة الإسلام.

وقد وصف الله تعالى أولئك المجاهدين الذين باعوا أنفسهم لله وما ينالونه عند الله من الكرامة والفضل فقال: ﴿إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾، إلى غير ذلك من الآيات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى