ثقافة

مقاربات في المنهج التاريخي والسندي

مقدّمة 

أما بعد، تتكرّر عادة في المواسم العبادية التبليغية الدعوة إلى تنقيح المنقولات التاريخية وإخضاعها للموازين السنديّة والقرائن القطعية قبل نشرها بين النّاس، وقد دوّنت بعض الأفكار في تناول هذه الدعوة ثم جمعتها لأضعها هنا في صورة مقالة مستقلّة بين يدي القارئ. 

إنّ التاريخ باب واسع من الحوادث والعبر، من جوفه ولِد الحاضر وانفتحت أقفاله، وانفتلت عقده وارتسمت معالمه وتجذّرت مكامنه، واستلهمت محاسنه واستوسقت مساوئه. وليس من جناية أعظم على التاريخ من التعامل معه وكأنّه قصّة محكية أو رواية مطويّة أو أطروحة ماديّة ليس يُرتجى منها إلا أن تُحكى للأجيال القادمة، ولا يُؤمَّل منها إلا أن تؤنِس السامع وتطربه أو تسوءه وتحزنه. 

إنّ التاريخ يعطي الباحث بصيرة بزمانه وغيره من الأزمنة التي يدرسها بدراسته للمتشابهات والمتكررات، وبصيرة في نفسية الإنسان بدراسته للأنماط السلوكية والطبيعة البشرية والحضارة الإنسانية. إنّ المؤرّخ كلّما أحاط بالتاريخ أكثر كلّما وضع يده على مفاتيح ثمينة وانفرجت لديه مغاليق عويصة وألغاز غائرة هذا كلّه في عين الغموض الذي يلفّ الحوادث والتعقيد المحتفّ بها وتداخل المصالح وتضارب المرويّات. 

مع كلّ ذلك، فإنّ المؤرّخ الفطن الذي خَلَّص نفسه من الأهواء وتجرّد من العصبية تجده بصيراً بحوادث زمانه محيطاً بالاحتمالات خبيراً بالمآلات. إنّه يستلهم مادّته من الفشل كما يستلهمها من النّجاح، ويستمدّها من الصحيح كما يستمدّها من السقيم. 

وهذا ليس من مختصَّات التاريخ، بللا تجد علماً إلا وفيه من السقيم ما كان جسراً للصحيح، وفيه من الصحيح ما كان سنداً لاكتشافات أخرى. وليس من العجب أن تتغيَّر النظرة العامّة في علم من العلوم بطر واكتشافات جديدة أو اكتشاف خلل في الأصول المقررة، وهذه العلوم المادّية الكونية ربما انقلبت فيها المسلَّمات بعد قرون من التسليم بها والبناء عليها، فإذا كان هذا حال هذه العلوم التجريبية فالعلوم الإنسانية كعلم التاريخ وعلم النّفس وعلم الاجتماع لا يجب أن تقوم على وحي مُنزَل أو آية محكمة، بل هي بطبيعة هدفها والمادّة المتوفّرة فيها لا تكون خاضعة للميزان الدقّي الأسنادي، بل هي حينئذٍ تفقد قيمتها وتتحوّل من ميزان لفهم الأيام إلى ميزان لإثبات صحة النّسبة إلى صاحبها، فينقلب التاريخ إلى ماهيّة أخرى غير ما دَرَجَت عليه الأمم وتطوّر على أساسه هذا العلم بفطرته وجِبلّته كعلم هذه مصادره وهذه معالمه، فلا بد من وضع الأمور في سياقاتها ووزن الأشياء بموازينها وأطرها المناسبة. 

دور المؤرّخ في الخطأ أو الصواب من النّقولات التاريخيّة 

لا ينبغي الاستيحاش من خطأ شطرٍ من المرويات التاريخية أو ضعف أسانيد الأكثر منها، فإنّ كُتب التاريخ لا تَهدف إلى ذكر الأحداث الصحيحة فقط، وليس يَهدف النّاقل لهذه الأحداث أن ينسبها نسبة صحيحة للواقع نسبة يقينيّة دقيقة، بل هذا أبعد ما يكون عن هدف التاريخ وغرضه، وإنّما الغرض هو جمع ما أمكن من قرائن وحوادث يخرج صحيحها من سقيمها ومعتبرتها من قويها وضعيفها. فلم يُعهد من المؤرّخين التعهد بصحة مروياتهم كما عهد ذلك من المحدِّثين من الفريقين كالبخاري ومسلم وغيرهما من محدِّثيّ العامّة، وكالكليني+ والشيخ الصدوق+ في الجملة من محدِّثيّ الخاصّة. 

فهذا الذي اتّخذه بعضهم إشكالاً على المؤرخين هو في الحقيقة جوهر عمل المؤرّخين وهو ألا يترك شيئاً يحتمل الصحة من منظوره وبحسب علمه ومقدار تجرّده، فيضيع على الأجيال اللاحقة هذا الإطار الفكري المعلوماتي الذي عاشه هو، بل ما دام يجد لهذا المنقول قسطاً من المناسبة لسائر الأحداث واحتمالية معتدّاً بها لصحته في نفسه وبغض النّظر عن معارضاته فالمنصف يرى من نفسه لزوم نقله وجعله بين يدي الأجيال كما أنّ الأقدار نقلته إليه وجعلته بين يديه، بل حتى المحدِّث ربما عبر بكلمة (قال رسول الله|) وربما عبر بكلمة (روي عن رسول الله|). فهو ما دام يجد للمنقول في الصحة محملاً وللصدق فيه محلاًّ فلا يجد من نفسه السَّعة في تكذيبه وتجاهله ما لم يكن الغرض من كتابه هو تنقيح الصحيح من السقيم كما صرّح بعض المحدّثين. 

ومن هنا؛ تكمن الأهميّة البالغة لشخصية المؤرّخ النّاقل للأحداث والمصادر المتوفّرة لديه والأفراد الذين التقى بهم والزمن الذي عاش فيه فإنّه من المسلّم أنّ المؤرّخ بطبيعة وظيفته –بعد التجاوز مؤقتاً عن مذهبه ومدى تأثير ذلك في منقولاته– لا ينقل ما كان مقطوع الكذب من الأحداث، بل غاية تجرّده هو نقل الأحداث مع أسانيدها ولا يحكم بصحّتها ولا بعدم صحّتها كما فعل الطبري. وبعبارة أخرى؛ إنّه لن ينقل إلا ما كان صحيحاً بنظره أو محتمل الصحة، ولا معنى لنقل مقطوع الكذب؛ لأنّه لا يتعلّق به غرض أوّلي إلا أن يتعلَّق به غرض ثانوي خارج عن دائرة وظيفة التأريخ، أو أن يكون موافقاً لمذهبه أو مذهب السلطة. 

الدوافع الشخصيّة لا تعني عدم الخبرويّة 

إنّ المؤرخ الضليع قد اجتمعت عنده حصيلة تاريخية وخبرة لم تجتمع عند غيره من النّاس فيكون ميزانه في تمييز الكاذب من محتمل الصدق ميزاناً أقوم واحتمالات صدقه أقوى، حتى لو عجز عن تمييز الخبر الصادق. 

وبعبارة أخرى؛ إنّنا تارة نحتاج لتمييز الخبر الصحيح من الكاذب، وتارة نحتاج إلى تمييز الخبر المقطوع كذبه من غير المقطوع كذبه بحسب الموازين التاريخية. 

إنّ مجموع الأحداث المتراكمة مع قرائنها وسياقاتها تمكّن المؤرِّخ من التمييز إلى درجة كبيرة بين الخبر المقطوع كذبه من غير المقطوع كذبه، وإن لم تسعفه في تمييز الصحيح من الكاذب، والسرّ في ذلك؛ أنّ الاحتمالات الصحيحة ربما تعدّدت في عالم الإمكان ووُجِدَت مرويّات كلّها يحتمل فيها الصحة، فلا سبيل لتمييزها بعد فقدان التمييز الأسنادي بشكل عام في الموروثات التاريخية، ولكن لا مانع من تعدد الاحتمالات الكاذبة والحكم بكذبها جميعاً بعد أن كانت جميعها لا تصمد أمام الميزان التاريخي ولا محلّ لها في منظومة الأحداث، ولا يختصّ الكذب بأحدها دون الآخر. 

إنّ هذا لا يلغي الدوافع الشخصيّة والمذهبية للناقل لهذه الأحداث، فإنّه لا يخلو منها إلا من عصمه الله، ولكن تمييز السلطة التاريخية من غيرها تفيد قيمة احتمالية تاريخية كبيرة، ثم يُعمل المحقّق المتفحّص سائر المميزات من كون المنقول وفق مذهب النّاقل أم مخالفاً لمذهبه ويقارنه بمنقولات سائر الكتب التاريخية وينظر في كون الحدث المنقول في ذاته مما توجد الدوافع السياسية أو غيرها في اختلاقه وما شابه ذلك من الموازين. فالوزن المهم لشخصية النّاقل للتاريخ لا ينبغي إغفالها بما له من سلطويّة وخبرويّة ومقدرة، وإن كانت دوافعه الأخرى المحتملة قد تحطّ من درجة المنقول إلى درجة متدنيّة من المقبوليّة. 

الدوافع الشخصيّة والمذهبيّة عند الطبري 

وقد أوردت هنا بعض الإشكالات على تاريخ الطبري مثلاً حيث نقل أحداثاً مقطوعة الكذب، ومفاد الإشكال: 

إنّه كيف يمكننا الاعتماد عليه وهو على هذه الحالة من نقل المرويات الكاذبة الواضحة البطلان. والكلام ذاته يسري إلى غيره من المؤرخين. فمن ذلك ما ذكره الأستاذ عبد الأمير علي مهنا في مقدمته على تفسير الطبري، ونحن نذكر هنا بعض الشواهد التي ذكرها، حيث قال: “والروايات التي يعوزها النّقد كثيرة في كتاب الطبري. منها ما نقله عن هبوط آدم وحواء وإبليس والحيّة من الجنّة إلى الهند وغيره. وكذلك روى عن أشخاص عن السدي أنّ امرأة العزيز قالت: يا يوسف، ما أحسن شعرك! قال: هو أول ما ينثر من جسدي. قالت: … إلى آخر القصة وفيها (وقال بعضهم: إنّه رأى صورة يعقوب عاضاً على إصبعه. وقال آخرون: إنّه رأى في الحائط مكتوباً: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً}(الإسراء: 32))…[ثم قال المهنا:] ولو أنّ الطبري علّق على هذا الخبر لنفاه؛ لأنّه من الإسرائيليات والأقاصيص التي ولّدها الخيال، فإنّ القرآن الكريم –وهو المصدر المتفرّد بالثقة– لم يزد على قوله تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ}(يوسف: 24)… ثم قال: ومن الأخبار التي لم يكن بدّ من التعليق عليها ما ذكره في أسباب نكبة البرامكة وساق الطبري في هذا المجال روايات كثيرة دون تعليق يذكر… وقد يؤخذ عليه أنه ذكر أحياناً خرافات وإسرائيليات، ولم يقدِّم لها أو يعلّق عليها بما يدل على تكذيبه لها” انتهى مختصراً[1]. 

المعيار في اعتبار الروايات التاريخية 

ويمكن التعليق على ما ذكره بأنّ الكلام المهم ليس يقع في شخص الطبري أو غيره من المؤرّخين، فإنّه قلّما نجد مؤرّخاً قد تجرّد من الأهواء أو من الظروف السياسية التي تحتّم عليه مراعاتها، أو من الأمرين معاً، بل الكلام هو في القيمة الاحتمالية من النّقل الفعلي الذي نقله مثل الطبري وأنّ الذي يهمنا هو تقييم المنقول لا تقييم النّاقل. 

فإذا حددنا أنّ الهدف هو تقييم المنقول فإنّ تقييمه لا تنحصر أدواته في كون النّاقل له هو الطبري أو غيره، بل المهم في ذلك هو إعمال الشواهد والقرائن التاريخية والموضوعية التي تكون النتيجة من إعمالها تابعة لمدى قوّتها ورسوخها. وهذا المهنا نفسه قد جزم بكذب المرويات التي أوردها على الطبري، وليس ذلك إلا لأنّه أعمل ما بين يديه من أدوات تمكّن من خلالها من تقييم النّص المنقول، ولم يضرّه أنّ الطبري نقلها مع شدّة احترامه وتمجيده للطبري كما صرّح في مقدّمته. 

على أنّه يمكن التبرير لسبب سكوت الطبري عن هذه الموارد التي أوردها عليه. 

أما بالنّسبة للأحداث البعيدة عن زمان الطبري؛ كزمن بني إٍسرائيل فإنّ الطبري الذي عاش في القرن الثالث الهجري ليس مطالَباً بالتعليق عليها، بل حاله في القدرة على تقييمها كحال المنقول إليه في تقييمها، فهو يكتفي بذكر سنده لتلك الحوادث كما هو دأبه من ذكره للأسانيد، ولا يطالَب بعدها بالتعليق، بعد أن لم يكن هو مطّلِعاً على الغيب، ولعلَّ المنقول إليه أقدر على التقييم من تقييم الطبري نفسه. ولعلَّ المنقول إليه لا يقبل تقييم الطبري. ففي مثل هذه الأحداث لا يكون هو مطالَباً بالتعليق. 

ويضاف إلى ذلك؛ أنّ الحدث إذا كان معلوم الكذب لدى النّاقل ويترقّب منه أن يكون معلوم الكذب لدى كلّ من جاء بعده، فليس حال هذا المنقول كحال غيره مما لو سكت عنه لأوهم وضلّل القارئ. فإنّ النّاقل لا يكون مطالَباً بالتعليق في الحالة الأولى. نعم، لو كان النّاقل بصدد البحث العقائدي أو التفسيري فإنّ الكلام يختلف كلياً؛ لأنّ نسبة شيء إلى الشارع هناك محرمة، ومجرّد احتمال بعض الإسرائيليات على الشارع يُعدّ من الأمور المستشنعة. 

والحاصل: إنّ كلّ حقل يراعى فيه ضوابطه وأهدافه، وما دأبت عليه البشرية من كيفية التعامل معه والشيء الذي يترقّب منه، ولا ينبغي إعمال مقياسٍ واحدٍ لها جميعاً. فليس الغرض هنا هو الدفاع عن الطبري أو غير الطبري، بقدر ما هو بيان الأسلوب الصحيح في التعامل مع المنقولات في ضمن إطارها الموضوعي. 

وأما الحوادث القريبة من زمانه؛ فلعلَّها لم تكن مقطوعة الكذب عند الطبري، ولا مانع أن تكون مقطوعة الكذب عند من تأخَّر عنه بسبب منهج اتّخذه أو مذهب اتّبعه. فمقتضى المنهجية التاريخية هو أن ينقلها وأن يضعها بين يدي القارئ بعد أن لم تكن مقطوعة الكذب عنده، أو كان القطع بالكذب مسألة شخصيّة بدون أدلّة كافية. وهذا هو الفعل الصحيح المتوقّع من النّاقل للأحداث. وهذا له قيمة تاريخية كبيرة بالنسبة إلى من جاء بعده، فإنّه يستبطن معلومة مهمة في ميزان تقويم المنقول وهي أنّ الطبري، بعد حمله على حسن الظن في المورد الذي ليس محطّاً للأهواء أو التأثير السياسي، لا يقطع بكذب تلك الأحداث، فلذلك نقلها. ففرقٌ بين أن تنطمس الحادثة في غياهب النّسيان، أو أن ينقلها وتجعل في ميزان الجرح والجبران. 

وهذا كما أُشِيْر لا يجعلنا نأخذ كلّ ما نقله الطبري ونجعله من محتمل الصدق عنده، بل ينبغي التفريق بين ما كان ذا بُعد عقائدي أو سياسي تأثّر به الطبري، وبين ما لم يكن كذلك، فإنّ الطبري ليس بريئاً من الأهواء والظروف السياسية، ولذلك لا بدّ من إعمال ميزان زائد على مجرّد نقله، فكلّما كان المنقول بعيداً عن هوى الطبري بأن كانت الحادثة لا علاقة لها بالخلاف المذهبي، أو كان الذي نقله على خلاف مذهبه، كلّما كان لنقله قيمة تاريخة أكبر نتيجة لخبرويّته وجامعيّته، وأنّ المستبطن في نقله هو احتماله لصدق الحادثة على أقلّ التقادير، وكلّما كان المنقول أقرب من هواه كان هذا ضارّاً بقيمته ووزنه التاريخي،وكذلك ما كان موافقاً للسلّطة. 

وعلى كلّ حال؛ فلا بدّ من إعمال سائر الموازين المعروفة لدى المحققين المذكورة في الكتب الممنهجة للتاريخ من عرض المشكوك على السياق المقطوع من التاريخ وتقييم مناسبة ذلك وملائمته لذلك الزمان، ومن ملاحظة الكتب التاريخية الأخرى ونسبة التوافق بين المنقولات من مصادر مختلفة ومستقلّة، ومن ملاحظة الحجم التداولي للحادثة من خلال ملاحظة الكتب الواصلة إلينا والكتب غير الواصلة التي تُعرَف بملاحظة كتب التراجم والفهارس. 

مزيد نقد للمنهج التجزيئي السندي في دراسة الحوادث التاريخية 

وهنا مجموعة من المقاربات التي لا بد من الإشارة إليها في نقد المنهج التجزيئي السندي التدقيقي في كلّ حادثة وواقعة. فنقول في هذا المقام: 

أولاً: إنّ علم التاريخ ليس هو علم معرفة الأحداث صحيحةِ السند من الأحداث غير صحيحة السند، فلو كان الغرض هو ذلك فإنّ كلّ واقعة جزئية يمكن التشكيك فيها؛ لأنّ تاريخ البشرية وصل عن طريق نقولات تاريخية وذاكرة جمعية لا بأسانيد متّصلة، وقد جرت عادة الأمم على الاعتماد على المقدار المعقول المتعارف من النّقل واعتبروا النّقل المحتمل الصحة مقتضياً كافياً لجواز الاعتماد على المنقولات ثم ما لم يوجد المانع فقد جرت سيرة الأمم على الاعتماد على تلك النقولات، ومع ذلك فإنّ تاريخنا له ميزة على غيره من الأمم بأنّه مسند في الجملة وفي كثير من موارده وهذا السند حتى لو لم يكن صحيحاً، لكن السند في ذاته يستبطن معلومات زائدة عما يوجد في المنقولات الكلاسيكية، فإنّ عدد الوسائط بين النّاقل والراوي يلقي الضوء على درجة الاعتماد، وأيضاً معرفة الزمن الذي عاش فيه الراوي وهل عاين الحادثة أم نقلها من الموروثات والمسموعات وغير ذلك من القرائن التي يمكن استخراجها من السند، ولو كان المنهج السندي هو المتّبع لضاع تاريخ الأمم، ولم يبق له أثر، فمن هي الأمّة التي نقل تاريخها بأسانيد صحيحة؟! ومن هي الطائفة التي وصل تاريخها بنقولات متواترة؟! إنّ هذا المنهج يساوي ضياع الهويّة واضمحلال الماضي في كهوف النّسيان. وعلى هذا فلن تسلم حتى سيرة النبي|، فإنَّ جميع ما عُلِمَ من سيرته لم يُعلم بهذه الموازين الدقيقة التي تفسد التاريخ وتخرج به عن محتواه وعن ماهيته وتصيِّره إلى حالات قياسية استنباطية برهانية لم تعهد عند واحدة من الحضارات. 

ثانياً:على أننا نقول لو كان المؤرّخون لا يذكرون إلا الصحيح معلوم الصحة أو ما قامت القرائن القطعيّة على وقوعه، كما هو الهدف الأسمى لبعض من يدعو للدقيق في التاريخ، فإنّ هذا يستلزم محاذير أكبر ومساوئ أعظم، فإنّ هذا يستلزم ضياع الصحيح الذي في ضمن السقيم؛ ذلك لأن المنقولات التاريخية فيها الكثير من الصحيح حتى لو كانت أسانيدها ضعيفة، لكن أصحاب المنهج السندي يدعون إلى عدم النقل ما لم يكن المنقول قطعياً، إذاً سوف يضيع الصحيح. 

ثالثاً: هذا مع أنّ المقدار السقيم أو المشكوك ليس دائماً هو رواية مضادّة ومخالفة للصحيح، بل كثيراً ما يكون من ارتدادات الصحيح ويكون حوادث جانبية لو ثبتت لزادت البصير بصيرة، ولو لم تثبت لما كانت مضرّة بالأساس المعلوم. فالحوادث التي ترتسم منها الملامح التربوية ومكامن العبرة للأجيال القادمة هي على عموميّتها، والتشكيك في بعض تفاصيلها لا يجعل منها حوادث يدخلها الشك. فليس من الحكمة أن يترك النّاقل نقله، والحال أنّ هذه الأحداث لا تؤثّر سلباً لو كانت كاذبة، وتوجب بصيرة زائدة لو كانت صادقة. فهي مهمّة من جانب، وغير مضرّة من جانب آخر، وهذا مكمن مهم في المهارة التحقيقية لمن جاء بعد زمن النّاقل فإنّ الحدث الأول الثابت حتى لو كذب الحدث الثاني، ليس على وِزَان الحدث الأول الذي لا يثبت إلا لو ثبت الحدث الثاني. وعلى كلا التقديرين، فلا ينبغي إغفال النّقل، بل مقتضى التحقيق السليم هو اكتشاف المتلازمات واستنباط المتقارنات وإعمال النّظر على هذا الوجه. 

تنظير فقهي: 

ويمكن التنظير لذلك؛ بالبحث الفقهي الذي يبحث فيه الفقيه عن الحجة في ما بينه وبين الله و تجده لا يقطع بالصحة الواقعية وبصدور المضمون عن الإمام× بدرجة 100% ولكن مقتضى الحجيّة لزوم العمل بتلك الأخبار الظنيّة، فكذلك البحث التاريخي فهو لا يزيد على البحث الفقهي. 

والبحث الفقهي متعلّق بالجوارج والأفعال فهو ذو أثر عملي مؤثّر فلا مبرر لجعل البحث التاريخي أكبر درجة من ذلك، مع ملاحظة الحال التي عليها التاريخ في اعتبار النّاس وأن طبيعة البشرية دَرَجَت على قبول المقدار المعقول من النّقل التاريخي الذي نعرفه وعرفته سائر الحضارات ما لم يكن مشوباً بمحاذير موضوعية. 

ولك جوابٌ آخر: 

فإن لم تقبل هذا الكلام فلا بدّ من ملاحظة مسألة مهمة وهي أنّ أكابر المؤرّخين عندما ينقلون الأحداث فهم لا يجزمون بوقوعها كما صرّحوا بذلك، فما بالك بمن ينقل عن هؤلاء المؤرّخين كمن يصعد المنابر أو ينقلها في كتبه ومحاضراته فهو قطعاً لا يقصد القطع والجزم بوقوعها، بل هو ينقلها بنقلها المعروف الموجود في الكتب ويوردها بوردها المعلوم على ما هي عليه من موقعية تاريخية درجت على الاعتماد عليها وعلى مستواها سيرة البشرية وطبيعة هذا الفن وكبار المؤرّخين في الشرق وفي الغرب وفي الماضي وفي الحاضر وإنّ الإصرار على المنهج السندي لهو خروج عن هذه الطريقة المألوفة والسيرة المعروفة، وهناك فرق واضح بين المنهج السندي التدقيقي والمنهج التاريخي التحقيقي الذي ذكر المؤلفون في فلسفة ومنهجية البحث التاريخي شروطه ورسموا خطوطه كما يعرفه من لاحظ كتب المسلمين وغيرهم من أصحاب هذا الفن. 

ثم لو تناول المتحدِّث على المنبر شخصية تاريخية ذات حسنات عظيمة، وملكات منيفة، ونسب لها من الأفعال الجميلة ما كان في الواقع لم يفعله، ولكن كان فعل شيئاً مشابهاً له، أو كان من شأنه أن يفعله ولكن لم يحصل ذلك بالفعل، فإنّ هذا النمط من النقولات قطعاً وارد في الشخصيات العظيمة في التاريخ، ولا ينبغي ترك المديح والثناء ما دام النقل محتملاً للصحة، ومادامت هذه الشخصية بلا شك تتّصف بهذه الصفة من الكرم أو الشجاعة، ومن شأنها أن تفعل الفعل المذكور أو أن تقول القول المنسوب إليها، غاية الأمر إنّ هذا النّقل هو خبر واحد قد لا تكون قالته أو فعلته في هذا الظرف بالذات، ولكنّه صدر منها ما يماثله في ظرف آخر أو بتفاصيلٍ أخرى مشابهة. فإنّ المتحدِّث على المنبر مثلاً ليس مراده الجدي أن يُخْبِر السامع بأنّ هذا الشيء وقع يقيناً، بل مراده هو إسباغ المدح واستلهام العزّة من هذه الشخصية. فما دام المتحدِّث قد دأب على طريقة البشرية جمعاء من الاعتماد على مثل هذه المنقولات المحتملة الصحة، لا سيما في مثل الشخصيات العظيمة التي لو لم تتلبّس بهذا العمل بالفعل فإنّ من شأنها ذلك قطعاً ويقيناً، ولكانت قد تلبّست بشبيهه ومماثله، فلا يجد المنصف من نفسه محلاًّ للإيراد والإشكال، بل هو فعلٌ حسنٌ معقولٌ مقبول، والمحاذير المتوهّمة من الكذب والابتداع كلّها مردودة بملاحظة المقام ودأب النّاس وماذا يفهمون من المقام وأيّ شيءٍ يرتّبون عليه. 

ومنه يُعلم ما لو نسب وقوع حادثة على أولئك الأبرار الأخيار مما لم يفعلوه هم بأنفسهم أو يقولوه، ولكنّه وقع عليهم وجرى فيهم فالميزان واحد والمنظور إليه واحد؛ فالمصيبة الواقعة عليهم ليس المهم فيها أولاً وبالذات هو الحادثة بما لها من تفصيل دقيق، بل إنّ هذه الثلّة كانت في هذا الظرف الذي لو وقع عليهم ذلك لكان مناسباً لذلك الظرف وكان موقعهم محرَزاً لدينا بالقطع واليقين ولسان حالهم ينطق بما ذُكِر، فلا يترك النّقل لما ورد في التاريخ بالفعل تحسّباً لاحتمال عدم كونه هو الذي وقع بالفعل، وأنّ الذي وقع بالفعل لربما كان شيئاً آخر بالدقّة، بعد أن كان محتمل الصحّة في نفسه بما عليه من التفصيل المنقول، أو كان مناسباً للواقع وكان نقله بنحو من التعبير الأدبي، واستنطاقاً للسان الحال تماماً، كما كان يفعل الشعراء الأوائل في وصف بطولاتهم في الحرب أو في السِّلم فإنّهم يزيدون عليها ما يَعْلَم السامع أنّه مَزيد، ويكون واعياً بأنّ هذا الكلام الذي يقوله الشاعر لم يقع ولم يُشَاهَد، لكن السامع يأنس بالإبداع التخيّلي والبراعة البلاغية مما كان الخيال فيه أبلغ تعبيراً وأصدق انعكاساً لواقع ما عليه القلب من حزن وشجى أو عزّة وافتخار، فما دام السامع يتلقّى ذلك من زاويته الصحيحة، وكان المبدع ما حكى به إلا تلك الأحاسيس والمشاعر العميقة، فليس الحاكي حاكياً عن الواقع ولا يُريد ذلك ولا يترقب منه ذلك ولا النّاس يفهمون منه ذلك، وإنّما هو في وادي التعبير والإبداع وكان ما ذكره أبلغ وما صنعه أَوْفَق وإلى النّفوس أقرب وإلى هدفه أسرع. 

 فهذا الذي صنعه هو المترقَّب منه، والمطالَب به حتى لو كانت الحوادث حاضرة لدى النّاس بدرجة يقينية وكانوا قد حضروا بأنفسهم تلك الحادثة، فلا يستوحشون لو تخيّل الشاعر حال الغلام الذي قضى صابراً محتسباً في زهرة شبابه، وريعان عمره، فصوّره متزوّجاً، وأمّه فَرِحَة مستبشرة، ثم أمسكته حبائل المنية، ونزلت به نوازل البلية، شهيداً على درب الفضيلة، مُؤْثِراً العزّة على الرذيلة، وملقياً بالدنيا وراء ظهره،مرجلاً نحو آخرته ورمسه، إنّ هذا لمن التصوير البديع والفن الجميل، فلا ينبغي اغتياله ووضعه في غير سياقه، ثم الإشكال عليه والتوهين منه، والحال أنّه لم يرد من لوحته حكاية الواقع بأحداثه، وإنّما حكى الواقع بمشاعره وأحاسيسه، وهذا هو غرضه وهذا هو سياقه. 

ولك أن تأخذ على ذلك نظيراً مما كتبه المؤرّخون عن المعارك في التاريخ غير معركة كربلاء، أو تاريخ الثورات والأحداث المصاحبة لها، وما أكثر تلك الأحداث، فإنّك تجد الكثير من التفاصيل التي لا يجزم أحد من المحقّقين بصحّتها جزماً ويقيناً، ولكنّها تشكِّل ذاكرة تاريخية محطّ أثر واهتمام للناس، وهم لا يأخذونها مأخذاً ذاتياً، ولا غرض لهم في أن يصح كلّ حدث ولكنّهم يُدْرِكُون بذلك الجوّ العام للحدث، ويوجب لهم من الخيال ما لو لم يكن واقعاً لكان تعبيراً صادقاً ومقرباً مُدْنياً دقيقاً. 

إنّ من مجموع تلك الحوادث تستخرج الحضارات جذورها، وإنّ محطّ الأثر يكون ناتجاً عن مجموع تلك النقولات التي كثير منها صحيح في نفسه فالصورة العامّة بضميمة الموازين التحقيقية تصل للأجيال المتأخِّرة، وهي ترتّب الأثر عليها، وتنقش حاضرها بملامح ماضيها. 

الخاتمة: 

لا بدّ من وضع التاريخ في سياقه الطبيعي له، وفي إطاره الحضاري بالكيفيّة التي اعتمدت عليها الأمم منذ بداية تدوين التاريخ إلى اليوم. فالمنهج السندي التدقيقي لا محلّ له في هذه المنظومة العريقة الضاربة الجذور في الزمن فالنّاقل للتاريخ نسبته الحدثَ للواقع تتناسب مع حقله الذي يعمل فيه وانطلق منه وليست هي تلك النسبة الدقية الجزمية والحكاية القطعيّة الأكيدة كالأحداث الحسيّة التي يشاهدها بنفسه، بل هي النسبة الفطرية المتعارفة التي يفهمها كلّ من يسمعها على ما هي عليه فإنّ السامع يجد من نفسه فرقاً في فهم حادثة نقلها النّاقل عن عيان أو حادثة نقلها من كتب التاريخ فهو بجبلّته يعلم المقام، ويقيس الحال، والمنهج السندي فيه ضياع ماضي الأمم وجمود التاريخ.  والخلاصة؛ إنّ كلّ مقام له مقال، ولا ينبغي تحميل التاريخ ما لا يحتمله كما لا ينبغي تجريده عن موازينه وما يتطلّبه، لا سيما في مثل الأحداث المقطوعة أو الشخصيات العظيمة التي ربما كان المنسوب إليها فعلاً يشابه الفعل الذي فعلته وليس هو بعينه، أو كان المذكور من كونه واقعاً عليها مناسباً لحاله التي كان يعيشها حين الحدث، فإنّ في هذه الحالات ما دام الحدث محتمل الوقوع احتمالاً معتدّاً به أو كان في سياق التعبير عن حاله التي كان يعيشها بصور بديعة وخيالات فائقة، فلا يوجد مانع من نقله والتأثّر به بعد ما سلف توضيحه وتقدّم بيانه[2].

المصادر والهوامش

  • [1] تاريخ الطبري المعروف بتاريخ الأمم والملوك. تحقيق وتعليق الأستاذ عبد الأمير علي مهنا، منشورات الأعلمي.
  • [2] تاريخ الطبري، تحقيق وتعليق الأستاذ عبد الأمير علي مهنا.
المصدر
مجلة رسالة القلم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى