دراسات عسكرية

التموضع العسكري السعودي بعد الاتفاق مع إيران

التعاون العسكري السعودي الأمريكي

البدايات 1945-1979

بدأت العلاقات العسكريّة (الأمريكيّة – السعودية) فعليًا بعد توقيع اتفاق البارجة “كوينسي” بين الملك عبد العزيز آل سعود والرئيس الأمريكي “ثيودور روزفلت” بنسختيه العربيّة والإنجليزيّة في منطقة البحيرات المرة في قناة السويس بتاريخ 14 شباط 1945م، وشدّدت وثيقة الاتفاق على التزام الولايات المتّحدة الأمريكيّة “بحماية سيادة المملكة وألا تتعرّض لأي غزو خارجي”، وخلّصَت هذه الاتفاقيّة الملك عبد العزيز من النفوذ البريطاني والارتباط النقدي السعودي بالجنيه الإسترليني.

أعلنت المملكة في المقابل “الحرب على دول المحور” خصوصًا أن الحرب العالمية كانت ما زالت تدور رحاها، وحرص الملك عبد العزيز على تضمين “التزام واشنطن ودعمها بمواجهة الأطماع الخارجية في بلاده”، إضافةً إلى تطوير الجيش السعودي، وتفاهم الجانبين كذلك على التعاون الاقتصادي المتعلق بحرية التجارة والخدمات والعلاقة النفطية.

تحوّلت وكالة الدفاع السعودية بعد اللقاء والتفاهم بين عبد العزيز وروزفلت إلى وزارة. إلا أن الأمريكيين أبقوا العلاقة ثنائيّة حتى الخمسينات حين بدأوا ببناء نظام دفاعي خليجي (على ضفتي الخليج) بهدف الوقوف بوجه الشيوعيّة، وتحت هذا المسمى أخذت الإمارات والمملكات الخليجيّة تنضم تحت هذه المظلة بعد استقلالها عن البريطانيين. كان لإيران “الشاهنشاهيّة” في ذلك الوقت الدور الأساسي في هذا التحالف الإقليمي الخليجي الذي بنته واشنطن وعلى أساسه دعمت الولايات المتحدة الحكم الإمبراطوري في إيران مسلطة اياه كشرطي لها في الخليج.

ساهمت أزمة النفط عام 1973 برفع منسوب القلق الأمريكي من الأنظمة الخليجيّة التي حالفتها حديثًا،  والتي قد تتّخذ بفعل تأثّر شعوبها في ذلك الحين بشعارات العروبة وفلسطين قرارات بشكلٍ مستقلٍّ تؤثّر على الاستراتيجيّة الأمريكيّة في الشّرق الأوسط، وكانت التجربة الأولى مع هذا التقدير الأمريكي موقف العرب ودول الخليج من الدّعم الأمريكي الحيوي للكيان الصّهيوني في عزّ حرب 1973 عندما ساهم الجسر الجوي العملاق الذي نصبته واشنطن بإنقاذ كيان العدو من هزيمة كبيرة وحوّلت الأسلحة الأمريكيّة الحديثة آنذاك هزيمة العدو إلى نصر وكان رد الدول الخليجيّة العربية على ذلك وبتحريض سعودي القطع الكلي لإمدادات النفط لأوروبا وأمريكا بحجّة دعمها  لـ”إسرائيل”.

ساهم قرار قطع النفط بشكل غير مباشر في تعزيز نفوذ الإمبراطوريّة الإيرانيّة أكثر، فقد خالف شاه إيران قرار العرب الجماعي بإيقاف النفط وساهم محمد رضا بهلوي من خلال “نفط إيران” ثالث منتج للذهب الأسود في العالم بإضعاف القرار الخليجي والتخفيف بشكل كبير من أثره دون أن يقضي عليه نهائيًّا.

دفعت السعودية الثمن الأكبر مقابل تحريضها على قرار قطع إمدادات النفط عندما أوعزت المخابرات المركزيّة الأمريكية لأحد عملائها من أمراء آل سعود “الأمير فيصل بن مساعد بن عبد العزيز آل سعود” باغتيال عمّه “فيصل بن عبد العزيز آل سعود”، في 25 آذار من عام 1975 في مكتبه بالديوان الملكي في الرياض حيث قام فيصل بن مساعد بإطلاق ثلاث رصاصات من مسدسه مجهزًا على ثالث ملوك السعودية.

فور مقتل الملك فيصل أعاد الأمريكيّون تركيب السلطة في المملكة بما يخدم مصالحهم، إذ عيّنوا ملكًا ضعيفًا هو الأمير خالد بن عبد العزيز، وأنيطت معظم السلطات الملكية تقريبًا التي كانت بيد الملك الراحل فيصل للأمراء السديريين كمساعدين لأخيهم الملك الجديد، وعلى رأسهم ولي العهد الجديد فهد بن عبد العزيز الذي كان قد جرى إعداده إعدادًا خاصًا من قبل ضباط السي آي إي ليكون رجلهم في الحكم في عهد شقيقه خالد وبعد وفاته.

شرطي الخليج الافتراضي بعد الاطاحة بشاه إيران

عام 1979 انتصرت الثورة الإسلاميّة في إيران وأطاحت برجل أمريكا الرئيسي في الخليج محمد رضا بهلوي وتحوّل الجيش والقوات المسلحة من أداة هيمنة أميركيّة رئيسيّة في الإقليم إلى العدو رقم واحد للأمريكيّين الذين ما زالوا حتى اليوم يتحسّرون على زوال ملك صديقهم الشاه.

منذ انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران عام 1979 وخروج القوّات المسلّحة الإيرانيّة من النظام الأمني الخليجي الأمريكي، باتت السعودية تمثّل قطب الرحى الخليجي لاستراتيجيّة الولايات المتّحدة في المنطقة لعدّة أسباب:

  1. حماية منابع وخطوط نقل النفط الذي كان يعتبر ثابتة في الاستراتيجيّة الأمريكيّة.
  2. اتّخاذ السعودية نقطة ارتكاز لمكافحة التوسّع السوفياتي في أفغانستان.
  3. مكافحة الجمهوريّة الإسلاميّة الناشئة في إيران والعمل على اسقاطها عسكريًّا أو بالواسطة.

كان لذلك تبعات كبيرة مرتبطة بالتحوّلات الهائلة التي تلت انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران التي تزامنت مع غزو سوفياتي كبير لأفغانستان وتغيير جذري في السلطة بالعراق، حملت صدام حسين إلى سدة الرئاسة، كما تزامنت مع انقلاب عسكري “أمريكي” في باكستان قاده الجنرال ضياء الحق “السلفي الهوى والانتماء”.

ذهبت وظيفة الشّاه كشرطي للمنطقة إلى المملكة العربية السعودية التي ألحقت بها باكستان والعراق، فقد توّلت الرياض منذ ذلك الوقت كل عمليّات التشويش ومحاولات إسقاط النظام الثوري في إيران، بما في ذلك إثارة الحروب وتغذية النعرات المذهبيّة والعرقيّة وتأليب كل العرب تقريبًا باستثناء سوريا والجزائر وليبيا على إيران.

كان ذلك التحوّل إنعكاسًا لتغييرات كبيرة في الاستراتيجيّة الأمريكيّة في غرب ووسط آسيا، ربط معدّها “زبيغنيو بيرجينسكي” مستشار الأمن القومي الأمريكي في ذلك الوقت بين قيام الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران على أنقاض إمبراطوريّة الشّاه الأمريكيّة وبين الاحتلال السّوفياتي لأفغانستان فغدا مهد الوهابيّة في العالم حاملًا لواء الدّفاع عن العالم الإسلامي بوجه الشيوعيّة والأصوليّة على السواء.

مبدأ كارتر (1980-2022)

هذا الدّمج بين مكافحة الاتّحاد السّوفياتي وإيران أخرج ما يسمى “بمبدأ كارتر” للوجود إذ أعلن الرئيس الأمريكي جيمي كارتر في 23 كانون الثاني 1980 استراتيجيّته في “الشرق الأوسط” (غرب آسيا).

 وتحدّث المبدأ عن “السماح للولايات المتّحدة، باستعمال القوّة العسكريّة لحماية مصالحها في دول الخليج (العربي)”.  

وأعلن الرئيس الأمريكي “جيمي كارتر” أن هذا المبدأ هو الرّد الأوّل من الولايات المتّحدة الأمريكيّة على غزو أفغانستان من قبل الاتّحاد السوفياتي في سنة 1979، الذي اعتبره خطرًا كبيرًا يهدّد حريّة حركة وتدفّق نفط الشّرق الأوسط، ذلك أن القوات السوفياتيّة باتت على بعد 300 كيلومتر من مضيق هرمز.  إلا أن مبدأ كارتر حمل في طيّاته استهدافًا لإيران حين اعتبر أن الحدود الآمنة للمصالح القوميّة الأمريكيّة تبدأ من سلسلة جبال طوروس وتنتهي في البحر الأحمر والبحر المتوسط.

ما أخفاه كارتر في ذلك الوقت بما يخص إيران في استراتيجيّته كشفته وثائق رفعت عنها السّرية مؤخرًا ذلك أنه في كانون الأول 1979 أي قبل شهر من إعلانه مبدئه، أصدر كارتر تقريرًا رئاسيًّا سرّيًا كإخطار إلى الكونغرس بموجب القوانين “يأمر فيه وكالة الاستخبارات المركزيّة” بـ”إجراء عمليّات الدّعاية والعمل السّياسي والاقتصادي لتشجيع قيام نظام مسؤول وديمقراطي في إيران، وإجراء اتصالات مع قادة المعارضة الإيرانيّة والحكومات المهتمة، من أجل تشجيع التفاعلات التي يمكن أن تؤدي إلى جبهة واسعة موالية للغرب قادرة على تشكيل حكومة بديلة”.

ووفقاً لملاحظات تقرير 20 كانون الأول، التي رفعت عنها السّرية مؤخرًا، أكّد سايروس فانس وزير الخارجيّة الأمريكي آنذاك، لمجموعة من كبار المسؤولين وأعضاء مجلس الوزراء أن “الاعلان عن الاستراتيجيّة يمثّل خطوة رئيسيّة”، ويشير التقرير إلى أن “هذه المجموعة اتخذت قرارًا بجمع الجماعات (المعارضة الإيرانيّة) كلها معًا لإسقاط (الإمام) الخميني”. واستند قرار محاولة تغيير النظام في إيران إلى عدد من الافتراضات التي وضعها مجمع الاستخبارات، فكان تقدير وكالة الاستخبارات المركزيّة أن “محاولة (الإمام) الخميني لحكم دولة متطوّرة في أواخر القرن العشرين بمعايير “ثيوقراطيّة تعود إلى القرن العاشر ستفشل في النهاية”. كما أوردت الوكالة في مذكرة عام 1979 إلى كارتر وكبار مستشاري الأمن القومي.

واجه الأميركيّون صعوبة في تصديق فكرة أن مجموعة رجال الدين التي كانت تقضي على صفوف البيروقراطيّة الليبراليّة المحترفة، قادرة على إدارة دولة حديثة، واعتقد المسؤولون في واشنطن أن قوى اليسار الإيراني المتحالفة مع الاتحاد السوفياتي أكثر من سيستفيد من عدم كفاءة “المجموعة المتحلّقة حول (الإمام) الخميني”، وبالتالي على الولايات المتّحدة الإسراع في إسقاط النظام ووضع الفصائل الموالية لها في وضع يمكّنها من وراثة عباءة القيادة.

أنشأ كارتر لجنة مشتركة بين الوكالات للإشراف على العمليّات السريّة ضد النظام الجديد في طهران، ووضعها تحت إشراف ديفيد آرون، نائب مستشار الأمن القومي. وأشار المسؤولون إلى تسمية المجموعة بعدد من الأسماء المختلفة، بما في ذلك “المجموعة السوداء” و”الغرفة السوداء”. فيما تظلّ الخطط التشغيليّة الدّقيقة سريّة، لكن يبدو أنه بتوجيه من اللجنة، حاولت وكالة الاستخبارات المركزيّة تنظيم قوّة متماسكة من مجموعات معارضة إيرانيّة خارجيّة وحاولت مساعدة المنشقّين في إيران، وجنّدت قوى إقليميّة وعلى رأسها المملكة العربية السعودية للمساعدة في تقويض النظام الديني الناشئ.

جورج بوش الأب يطبق عقيدة كارتر في الخليج

بعد خسارة كارتر للانتخابات عام 1981، أبقى الرئيس الأمريكي المنتخب رونالد ريغان على معظم ما أعدّه سلفه جيمي كارتر من خطط واستراتيجيّات تجاه منطقة غرب آسيا وكلّف نائبه الخبير جورج بوش الأب (مدير ال سي آي إي السابق) بإدارة الملف، ومنذ ذلك الوقت شهدت العلاقات العسكريّة (الأمريكيّة – السعوديّة) تطوّرًا غير مسبوق، واتّخذت الطّابع التحالفي والمؤسّساتي وجرى تأسيس هياكل للعمل بين الجيشين مع المفاضلة الأمريكيّة التي أبقت على سابقة “عدم تزويد السعودية بأسلحة كاسرة للتوازن ممكن أن تتضرر منها (إسرائيل)”.

 وقد ساهم في تسريع ذلك الشراكة الاقتصاديّة التي كانت تربط جورج بوش الأب بحلفائه السعوديين، والتي كانت مرتكزة بالأساس على عنصري النفط وعقود السلاح الأمريكيّة للسّعودية.  وللتنويه فإن مبدأ أو عقيدة كارتر بقيت في روح كل الاستراتيجيّات الأمريكيّة في الخليج والمنطقة حتى العام الماضي 2022.  فقد جرى التخلّي عن ذلك المبدأ لصالح مبدأ جديد يتلخّص بالدفاع العسكري عن دول الخليج التي تتعرّض لمخاطر الغزو، ولم يعد التدفّق الحر والآمن للنفط هو الرّكيزة التي تبني عليها واشنطن استراتيجيّتها الخليجيّة.  

بعد ثلاث سنوات من بيان كارتر، تم إنشاء القيادة المركزيّة الأمريكيّة (CENTCOM)، والتي كانت في السابق قوّة المهام المشتركة للانتشار السّريع، لإضفاء القوّة على المبدأ وتأسيس وجود عسكري أمريكي أكبر ودائم في المنطقة.

وللتنويه فإن أكبر اختبار لعقيدة كارتر حصل في آب 1990 في منتصف رئاسة جورج بوش الأب، عندما قرّر الرّئيس العراقي صدام حسين الاستيلاء على الكويت، جاره الصغير الثري.  فردّت الولايات المتحدة بعد أقل من أسبوع بإطلاق عمليّة درع الصحراء للدّفاع عن المملكة العربية السعودية. ثم انتقلت عمليّة درع الصحراء إلى عمليّة عاصفة الصحراء الهجوميّة (البرجوازية) في 17 كانون الثاني 1991 لتحرير الكويت، وكانت أكبر حملة عسكريّة أمريكيّة منذ حرب فيتنام التي خرجت منها واشنطن خاسرة في نيسان 1975.  

بعد أكثر من شهر بقليل من انطلاق عمليّة عاصفة الصحراء، حرّرت القوّات الأمريكيّة الكويت من الاحتلال العراقي وحقّقت نصرًا عسكريًّا كاملًا.

أدّت الجهود العسكريّة بقيادة الولايات المتحدة ضد العراق إلى تأمين المملكة العربية السعودية والمنطقة بشكل فعّال. كما عزّزت “السلام الأمريكي” في الشرق الأوسط الكبير وأعادت تأكيد إيمان المملكة العربية السعودية باستعداد واشنطن وقدرتها على الدفاع عنها من الخطر. ولكن بمجرد انتهاء عملية عاصفة الصحراء، لم يكن واضحًا للسعوديين شروط ومعايير التدخل الأمريكي المستقبلي لأن القادة السعوديين والأمريكيين لم يناقشوا هذه القضايا رسميًا.

قرّرت الولايات المتّحدة التدخّل في 1990-1991 لأنها أدركت أن مخاطر السماح للديكتاتور العراقي بالسّيطرة على موارد الطاقة الهائلة في الخليج كانت كبيرة للغاية. بقدر مشاركة السعوديين في قرار واشنطن، كان مجرد التعبير عن الرغبة في التخلّص من السّيطرة العراقيّة. بالنسبة للولايات المتحدة، وتأمين المملكة العربية السعودية وتحرير الكويت هدفًا استراتيجيًّا أوسع، وهو الحفاظ على نظام إقليمي صديق للولايات المتحدة. بعبارة أقل دبلوماسيّة، لم يكن للولايات المتّحدة صلات خاصّة أو التزامات قانونيّة تجاه السعوديين أو الكويتيين. فلو اختار صدام أهدافًا أقل طموحًا واتبع إجراءات أقل تطرّفًا – على سبيل المثال، من خلال إطلاق حملة لزعزعة الاستقرار السياسي ضد الحكومتين السعودية والكويتيّة – لما تدخّلت واشنطن بهذه القوّة.

الحماية مقابل النفط والمال والنفوذ العالمي

بقيت العلاقات العسكريّة (الأمريكيّة – السعودية) منذ انطلاقتها عام 1945 رهينة الخلل الكبير في المصالح التي يجنيها كل من طرفيها، وعلى مدى عقود كانت كفّة الميزان ترجح بقوّة لصالح الولايات المتّحدة الأمريكيّة التي استفادت من دورها في حماية النظام السعودي لتأخذ منه:

  1.  نفطًا مكّنها من سيادة قطاع النفط العالمي والتحكّم به.
  2. أموالًا باهظة لقاء عقود التسليح والتدريب والحماية.
  3. موقعًا استراتيجيًّا عالميًّا سمح لواشنطن بعد نهاية العام الباردة عام 1991 أن تفرض نفسها القوّة الوحيدة في العالم.

في المقابل، لم تحصل السّعودية على ما يوازي مواردها وعناصر ثقلها الاستراتيجي كقوّة إقليميّة وازنة في الخليج، بل قدّمت لها واشنطن ما يكفيها فقط لحماية نظامها منذ أن امتلكت الولايات المتحدة في العام 1977 معظم مفاتيح القوّة والتّأثير، واستخدمت السعوديّة في صراعاتها في المنطقة، كما أجبرتها  على الوقوف خلفها في كل نزاعاتها كصندوق للأموال لتنزف مرغمةً بشكل دائم لمصلحة حارسها ثقيل الظل.  

أخذ التحوّل الدفاعي السعودي منحًا دراماتيكيًّا منذ العام 1986، وهو العام الذي تم تقييد استراتيجيّة الأمن القومي الأمريكي بقانون (جولدووتر-نيكولز) لإعادة تنظيم وزارة الدفاع الأمريكيّة، إذ ربط التفويض المعمول به منذ العام 1947 للرئيس عند تقديم التقرير السنوي الشامل “لاستراتيجية الأمن القومي” إلى الكونجرس، بصيغة معدّلة تفرض تقديمه في نفس التاريخ الذي يقدم فيه الرئيس الميزانية للسنة المالية التالية. فقد أصبحت السعودية إحدى موارد تغطية الميزانيّة العسكريّة الأمريكيّة بتحوّلها إلى شارٍ سنوي للسّلاح الأمريكي، ثم صار المال السعودي أحد عجلات مصانع السّلاح في أمريكا.  

كانت أي خطّة لتنويع السّلاح السعودي تصطدم برفض الدولة السعودية العميقة وكيلة التجمّع الصناعي العسكري الأمريكي، وإذا ما فرضت إحدى الصفقات ضرورتها كصفقة اليمامة مع بريطانيا أو صفقة الصواريخ الباليستيّة مع الصين، كانت تُضرب بالفساد تارةً أو بتهمة الإخلال بأمن المنطقة تارةً أخرى.

وبما أنّ المال يفسد، فإن ضلوع أعضاء رئيسيّون من العائلة المالكة في الترويج والتحضير لصفقات السّلاح الأمريكي كان يعود عليهم ريعًا دائمًا بعمولات كانت تتضخّم كلّما كانت صفقة السّلاح أضخم وأدسم، حتى أن معظم خبراء التسلّح يجمعون على أن معظم صفقات السلاح الأمريكيّة للسّعودية بعد حرب عاصفة الصحراء عام 1991 كانت تكديسًا للسّلاح وليست تطويرًا للجيش السّعودي الضخم الذي يتجاوز عديده الـ 350 إلف فرد بقليل.

الربيع العربي والانعطافة السعودية

منذ عام 2011، أدّت التحوّلات الكبيرة في المشهد السّياسي والاقتصادي للشّرق الأوسط إلى تركيز الاهتمام الدّولي على السّياسات المحليّة والخارجيّة السّعودية، ودفعت المناقشات الاجتماعيّة والسياسيّة بين السعوديين والأمريكيين خصوصًا إلى خلق شروخ حقيقيّة بسبب استعجال الأمريكيّين للتغيير الاجتماعي في السعودية وعدم جهوزيّة المملكة لذلك.  أدّت هذه التحوّلات إلى جعل القضايا الحسّاسة مثل الإصلاح السّياسي وحقوق الإنسان والفساد والتعاون الأمني والأسلحة أكثر بروزًا في العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكيّة والسعودية. حاولت الأخيرة في عهد الملك عبد الله مجاراة المجتمع الدولي والصديق المؤثر الأمريكي فأفرجت عن بعض الحريّات، ووضعت خطّة للتخلّي عن المؤسّسة الدينيّة وسمحت للمرأة بقيادة السيارات ورشّحت نساء لمناصب مهمة، إلا أن الإدارة الأمريكيّة الديموقراطيّة برئاسة أوباما كانت تتطلّب أكثر من ذلك.  وبدأت الرياض تحجب الملفّات الداخليّة ذات الطبيعة والمنشأ الاجتماعي بوجه حارسها وحاميها الأمريكي دون أن تتجرّأ على الصدام معه.

إلا أن موت الملك عبد الله ومجيء ولي عهده الأمير سلمان بصحبة ولده الطموح والمغامر الأمير محمد بن سلمان، قلب ظهر المجن فبخطوة استباقية مفاجئة وجريئة وضع الامير محمد بن سلمان معظم خصومه من أركان الدولة السعودية العميقة في السجن وأعاد التوازن للحكم الواحد المرتكز على الفرد لا على الجماعة الذي بقي معمولاً به في حكم السعودية منذ عهد المؤسس عبد العزيز إلى عهد فيصل ابن عبد العزيز.

 تمكّنت الديكتاتوريّة الجديدة من أن تعيد القبض على معظم مفاتيح الملكة التي امتلكتها واشنطن منذ منتصف السبعينيّات، وقام الأمير الشاب بخطوة إضافيّة قضت بجمع معظم أوراق القوة والنفوذ لتصويب الأمور تجاه العمل على أخذ ما لم تعطه واشنطن منذ لقاء الطراد “كوينسي” للمؤسس الملك عبد العزيز في نهاية الحرب العالمية الثانية، وهو تثبيت نفوذ السعودية الفعلي بناءً على عناصر قوتها الجيوبوليتيكيّة والاستراتيجيّة.

تزامن ذلك مع نهاية فترة حكم الرئيس أوباما، الذي أدّت الخلافات السعودية معه حول الرّدود على الاضطرابات الإقليميّة والسّياسة الأمريكيّة والتراجع تجاه إيران إلى زيادة توتر العلاقات.

مع مجيء إدارة الرئيس الأمريكي السّابق دونالد ترامب تنفّست السعودية الصعداء مرةً أخرى، كما فعلت في عهد بوش الأب بفعل شبكة مصالح كبيرة بين الفرع الملكي السعودي الجديد والإدارة الأمريكيّة الجديدة التي كان عرّابها المؤثّر صهر ترامب جاريد كوشنير الوثيق الصلّة بولي العهد الجديد محمد بن سلمان (أصبح وليًا للعهد عام 2017).  

قدّمت الرياض ثمن تلك العلاقة أكبر رشوة ماليّة لإدارة أمريكيّة منذ عهد روزفلت.  فمقابل استثمارات سعودية بلغت نصف تريليون دولار حظيت مؤسسة الدفاع الأمريكية منها بعقود بلغت حوالي 110 مليار دولار.

 بدأت الدّفة تميل لصالح الأمير المتمرّد الشّاب الذي وضع نصب عينيه انتزاع مكانة رئيسيّة في الشّرق الأوسط بمساعدة إدارة ترامب مستفيدًا من البيئة الاستراتيجيّة الهزيلة في غرب آسيا، فباستثناء القوّتين الصاعدتين لإيران وتركيا كانت كل القوى العربيّة الرئيسيّة في المنطقة تعاني من تراجع كبير بسبب موجة الاحتجاجات وطوفان سطوة التكفيريّين في البلدان العربيّة، فمصر صارت بلا وزن بفعل التحوّلات العديدة في السلطة بين العسكر والإخوان المسلمين ثم حكم مطلق للعسكر. وانكفأت سوريا إلى الداخل لتحارب قوى التخريب والتكفير التي استهدفت الدولة.  أما العراق الذي تعافى من احتلاله بعدما أجبر الأمريكيين على الانسحاب عام 2011، فكان غارقاً في الحدّ من مشاغبات الإقليم الكردي ومحاربة داعش التي بعثت من أراضيه صيف العام 2014 نتيجة لمغامرة المكوّن السّني الذي حاول بمساعدة تركيّة قطريّة سعوديّة انتزاع الحكم وإعادته إلى “سُنّة العراق”.  

عارضت إدارة ترامب مقترحات مختلفة للكونغرس للحدّ من مبيعات الأسلحة الأمريكيّة للمملكة أو إنهاء الدّعم العسكري الأمريكي لعمليّات التحالف بقيادة السعودية، حتى عندما أوقفت الولايات المتحدة تزويد طائرات تحالف العدوان على اليمن بقيادة السعودية بالوقود، إلا أنها لم تمنع السعودية من الغرق أكثر في الصراع اليمني وأعطتها الوقت الكافي لاستعادة ماء وجهها الذي أُريق على التراب اليمني.  

وفي الطريق إلى ذلك، تولّى ترامب بنفسه تغطية ولي العهد السعودي وإخفاء كل آثار جريمته بحق الصحافي والناشط جمال خاشقجي.

إلا أن ترامب الذي هلّل له السعوديون لإلغائه الاتفاقية النووية مع إيران عام 2018، خضعوا كشريكهم القوي في واشنطن لسطوة الدفاع الإيراني، واليمني، والعراقي، واللبناني أمام الهجمة الأمريكية السّاحقة على المنطقة.  وعلى مدى 11 شهرًا تلقّى الأمريكيّون والسّعوديون ردودًا قاسية بدأت بإسقاط إيران لطائرة تجسّس أمريكيّة من طراز غلوبال هوك فوق مياهها الإقليميّة، وانتهى بضربة قاسية جدًا في 14 أيلول 2019 لإنتاج النفط السعودي في منطقتي بقيق والخريص، فقد قضت ضربة صاروخيّة يمنيّة على نصف قدرة السّعودية على إنتاج النفط. وبمواجهة محاولات أمريكا وحلفائها استعراض عضلاتهم في مياه الخليج وبحر العرب، فقد جعلت البحريّة الإيرانية الإبحار في مياه الخليج مغامرة تقارب الموت لكل السفن اللائذة بالحماية الأمريكيّة.  

أدّت تداعيات ضربة النفط في بقيق وخريص إلى بداية انعطافة سعودية يراها خبراء الشأن السعودي منطلق كل ما حصل حتى اليوم من تغيرات في الاستراتيجيّة السعودية فنظام الباتريوت الأمريكي المُحسّن الذي دفع السعوديون ثروة طائلة للاستفادة منه في الدفاع عن منشآتهم الحيوية والاستراتيجية بقي خارج المعركة ولم يتمكّن من إسقاط أي صاروخ أو مسيرة يمنية استهدفت منشآت إنتاج نصف طاقة السعودية النفطيّة.

وما زاد في شكّ السعوديين بقدرة منظومات الدّفاع الجوي على حمايتهم هو ما أوصى به خبراء أمريكيّون بعد تحقيق سريع حيث نصحوا بإزالة منظومات الباتريوت الـ 18 التي كانت تحمي السعودية، وأوصوا باعتماد أنظمة دفاع أمريكيّة متطوّرة من نوع “ثاد THAAD” حماية للسعودية من استهدافات يمنيّة جديدة رفض المجمع الصّناعي العسكري الأمريكي من خلال مندوبيه في الكونغرس هذه التوصية معلنين بأنه لا يمكنهم تزويد أي كان بأسلحة حصريّة للجيش الأمريكي.  

استجابة لنصائح بعض مؤسّسات الفكر والأبحاث الأمريكيّة النافذة لدى البيت الأبيض، اعتمدت الإدارة الأمريكيّة أسلوبًا دعائيًّا عسكريًا لإظهار التزامها بحماية السعودية، إذ نشرت أكثر من 2700 جندي أمريكي في المملكة لتعزيز الدّفاعات الجويّة والصاروخيّة السّعودية، ودعم عمليّات الردع بواسطة الطائرات المقاتلة الأمريكيّة. كما سيّرت عدّة دوريّات للقاذفات الاستراتيجيّة العملاقة B52 في سماء منطقة عمليّات “السنتكوم” بما فيها منطقتي الخليج وشمال أفريقيا، إلا أن كل ذلك لم يقنع السعودية التي مضت بانعطافتها الحادّة نحو تنويع أسلحتها، ومضت في قرارها بعدم الاتّكال فقط على منظومات الحماية الجويّة الأمريكيّة الموجودة أو الصفقة التي كانت أوصت عليها حديثًا وتضمّنت 80 طائرة f15 حديثة و200 صاروخ آمرام  aim120.

 بدأت وفود التسلّح السعودية بالاتّصال بجميع القوى المنتجة لمنظومات الدّفاع الجوّي الحديثة في العالم، ولم تستثنِ في انعطافتها هذه روسيا والصين والبرازيل وفرنسا والكيان المؤقت.  ولم يتسنَّ لترامب الذي سقط في الانتخابات الرئاسيّة (2020-2021) إقناع السعوديين بصرف نظرهم عن تنويع مصادر التسلح.

حملت الانتخابات الرئاسيّة الأمريكيّة عام 2021 جو بايدن رئيسًا وجلبت معه كل الشرور للإدارة السعودية الجديدة.  فقد خفضت إدارة بايدن تدريجيًا الدعم الأمريكي للعمليات العسكرية للتحالف بقيادة السعودية في اليمن، وألغت صفقة سلاح ضخمة للسعودية، وبدا بأن الوقيعة بين واشنطن والرياض باتت وشيكة.  

لكن منذ تموز 2021، عاودت القوات الأمريكيّة تقديم المشورة العسكرية ومعلومات تكتيكيّة وحيويّة للقوّات السعودية وسط تكثيف الهجمات الصاروخيّة والطائرات المسيّرة على المملكة، والتي نسبها مسؤولون أمريكيّون إلى إيران والجماعات المسلّحة المدعومة من إيران في اليمن والعراق.

كانت السعودية قد استبقت ذلك بعرض الحوار على إيران التي قبلت فورًا تلبية ما كانت تطلبه من السّعودية منذ سنوات، وعلى مدى 5 لقاءات بين موفدين سعوديين وإيرانيين في العراق وجلستين في سلطنة عمان، اختُتم الحوار الإيراني السّعودي مؤخرًا بجلسة أخيرة في الصين ووقّع الأطراف الثلاثة على أثرها اتّفاقًا لتطبيع العلاقات بين البلدين بضمانة الصين.

العلاقات العسكرية (السعودية – الامريكية) بين شروط واشنطن واحتياجات الرياض

منذ إقرار قانون إعادة تنظيم وزارة الدفاع المعروف بتشريع (جولدووتر-نيكولز) لعام 1986، أصبحت العلاقات العسكريّة الأمريكيّة ذات الطّابع الاستراتيجي، والمرتبطة بالأمن القومي الأمريكي خاضعة لمحدّدات وشروط قيّدها ذلك التّشريع الذي ألزم الرئيس الأمريكي بمجموعة من الواجبات السنويّة المطلوب تقديمها أو إلحاقها باستراتيجيّة الأمن القومي الأمريكي، وعلى رأسها شروط ألزم تشريع الكونغرس الرئيس الأمريكي بمناقشتها وهي التالية:

  • المصالح والأهداف والغايات العالميّة للولايات المتّحدة، والتي تُعد حيويّة لأمنها القومي.
  • السّياسة الخارجيّة والالتزامات العالميّة وقدرات الدفاع الوطني للولايات المتّحدة اللازمة لردع العدوان ولتنفيذ استراتيجيّة الأمن القومي.
  • الاستخدامات المقترحة قصيرة وطويلة الأجل للعناصر السياسيّة والاقتصاديّة والعسكريّة، وغيرها من عناصر القوّة الوطنيّة للولايات المتّحدة لحماية أو تعزيز المصالح وتحقيق الأهداف والغايات المشار إليها في الفقرة.
  • مدى كفاية قدرات الولايات المتّحدة لتنفيذ استراتيجيّة أمنها القومي، بما في ذلك تقييم التوازن بين قدرات جميع عناصر القوّة التي تملكها.
  • (5) أي معلومات أخرى قد تكون ضروريّة للمساعدة في إبلاغ الكونجرس حول الأمور المتعلّقة باستراتيجيّة الأمن القومي للولايات المتّحدة.

قد يكون من المفيد الإشارة إلى أن العلاقات العسكريّة (الأمريكيّة – السّعودية) منذ العام 1986 باتت خاضعة لوصاية ثنائيّة من البيت الأبيض والكونغرس، ووفق تلك الوصاية نظّم الطرفان شبكة مصالحهما الانتخابيّة بالقوى الدّاعمة لهما، وعلى رأسها مطالب المجمّع الصّناعي العسكري الأمريكي، فالحجم الكبير من صفقات السلاح السّنوية التي كان يجري التعاقد عليها بات الأصل في تشكيل ما يشبه اللوبي بين الهيئات الثلاث (البيت الأبيض – الكونغرس – المجمع الصناعي العسكري) الذي أدار مجمل صفقات السلاح وعقود التدريب والصيانة التي كانت تقدم للسعودية. ورغم أن ذلك كان يحتاج إلى مؤسّسات تديره (بين الشاري السعودي والبائع الأمريكي) إلا أن تلك المؤسّسات المنتشرة بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، أصبحت الإطار الجامع لأكبر عمليّات الفساد في التاريخ الأمريكي السعودي، إذ إن المؤسّسات التي كانت تدرس الاحتياجات العسكريّة السّعودية أصبحت مؤسّسات وساطة ماليّة  استفاد منها أصحاب المصلحة المباشرة من الأمريكيّين والسّعوديين للإثراء على حساب الكم وليس النوع المطلوب من السّلاح، وكانت التسهيلات المتبادلة مجالًا لتقسيم الحصص المالية  بين الطرفين اللذين استفادا منها للإثراء الفاحش ولتعزيز الهيمنة والنفوذ في الولايات المتحدة والسعودية.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، بلغت مبيعات السّلاح الأمريكي للسّعودية بين عامي 1987 و 1998 حوالي 90 مليار دولار، ارتفع هذا المبلغ بين عامي 2009 و 2017 إلى 147 مليار دولار فقد أصبحت السعودية التي أنفقت أعلى ميزانيّات التسلّح في التاريخ المعاصر تشتري 80% من سلاحها من مصانع اللأسلحة الأمريكيّة، ولضخامة هذه الميزانيّات تم تأسيس مكاتب للتّجهيز والتّسليح في كلا البلدين ولجان ملحقة بهذه المكاتب لتشرف على عمليّات الشّراء والبيع، وقد كشفت تقارير رقابيّة أمريكيّة حجم الثراء والبذخ الفاحشين التي كانت تعيشها تلك المكاتب بين عامي 1991 و 2011، كما كشفت ما كان يتلقّاه الوسطاء الأمريكيّون من رشاوى على شكل هدايا ماليّة وعينيّة وشقق وتسهيلات ائتمانيّة وتمويلات لرحلات في مناطق ومنتجعات راقية في جميع أنحاء العالم، وعلى الطّرفين السعودي والأمريكي فقد كشف أحد التقارير أن ابنة أحد الأمراء السعوديين استفادت من تغطية ماليّة كاملة لزواجها (حفلة زفاف أسطوريّة – شهر عسل في أحد أهم المنتجعات العالمية في أوروبا – رحلة لمدة شهرين للترويح والاستجمام للأميرة وزوجها وطاقم كبير من المرافقين والحراس والخدم)، وذلك مقابل قيام والدها بالترويج والحصول على موافقة لعقد صفقة معدّات الكترونيّة واتصاليّة لصالح القوّات الجويّة السّعودية.

هذا الفساد المتبادل أدّى إلى تكديس السلاح في قواعد ومخازن الجيش السعودي، لكنه لم يسهم بتطويره.  ونفس الأمر انطبق على الجهات التي كانت ترعى التدريب والتأهيل على الأسلحة والبرامج التدريبية العامة في المؤسسة العسكرية السعودية. ورغم أن السعودية شاركت في عدد كبير من المعاهدات العسكريّة والتحالفات في المنطقة منها إقليمي ومنها دولي، إلا أن مشاركتها كانت مقترنة بالتّمويل والرعاية الماليّة وليس بالمشاركة العسكريّة الرمزيّة، فرغم أن الرياض كانت تشارك ببعض المعاهدات والتحالفات بفرق وفيالق، كانت تدفع دائمًا وتغطي معظم فعاليّات ونشاطات الأحلاف التي انضمت إليها.  

مبيعات الأسلحة والمساعدة الأمنية والتدريب الأمريكي

اعتمدت القوات المسلحة السعودية على مبيعات الأسلحة الأمريكية، والتدريب، ودعم الصيانة لعقود. وقد دعمت الإدارة الأمريكية والكونجرس تاريخيًا مبيعات الأسلحة الأمريكية للمملكة، بينما سعى الطرفان للحفاظ على التفوق العسكري النوعي لـ”إسرائيل” على الخصوم العرب المحتملين.

أعرب بعض أعضاء الكونجرس عن قلقهم بشأن احتمال مساهمة مبيعات الأسلحة الأمريكية في سباقات التسلح أو المساعدة في دفعها في منطقة الخليج ومنطقة غرب آسيا الأوسع.  

دعمت الأغلبية في الكونجرس منذ فترة طويلة مبيعات الأسلحة المستمرة لشركاء الولايات المتحدة في منطقة الخليج، بما في ذلك المملكة العربية السعودية، كوسيلة لتحسين إمكانية التشغيل البيني، وتقليل الحاجة إلى الانتشار الأمريكي، وردع إيران، ودعم الصناعة الأمريكية.

منذ عام 2009، تم الإعلان عن سلسلة من مبيعات الأسلحة الأمريكيّة عالية القيمة المقترحة إلى المملكة العربية السعودية، بما في ذلك إعلان عام 2010 أن القوات الجوية الملكية السعودية ستعيد تشكيل وتوسيع قواتها المقاتلة الرئيسية بطائرات أمريكية متطورة من طراز F-15.

في مايو 2017، أشار الرئيس ترامب إلى استمرار وتعميق التعاون الدفاعي الثنائي، وأعلن عن مبيعات دفاعيّة مكتملة ومقترحة خلال زيارته للرياض بقيمة محتملة تزيد عن 110 مليارات دولار. تشمل المبيعات الحالات التي اقترحتها إدارة أوباما وأبلغت بها الكونجرس، وقضايا تم تطويرها في ظل إدارة أوباما والتي تمت استشارة الكونجرس بشأنها مبدئيًا، ومبيعات جديدة لا تزال قيد التطوير.

تم تعيين حالات البيع الجارية والمقترحة لتحسين الإمكانات العسكرية السعودية بشكل كبير، وقد أشار إليها المسؤولون التنفيذيون في كلا البلدين على أنها التزامات رمزيّة للتعاون خلال فترة الاضطرابات الإقليميّة وتغيير القيادة. كما هو الحال مع المبيعات السّابقة، فإن الاستثمارات السعودية في الصيانة والتدريب والقرارات المتعلّقة بوضع القوة وترتيبات القيادة ستشكّل التأثير الصافي لعمليّات الاستحواذ الجديدة على الاستعداد والقدرات العسكرية السعودية.

تشرف بعثة التدريب العسكري الأمريكية (USM) في المملكة العربية السعودية وبرنامج تحديث الحرس الوطني السعودي (PM-SANG) على التعاون الدفاعي الأمريكي مع المملكة. وقد نشطت بموجب الاتفاقيّات ثنائيّة خاصّة تموّلها مشتريات سعودية منذ الخمسينيات والسبعينيات على التوالي. تم نشر المئات من الأفراد العسكريين الأمريكيين في المملكة العربية السعودية لدعم هذه البرامج وتلك الموازية لوزارة الداخليّة السعودية وقوات الأمن الأخرى.  كان الجيش السعودي، والحرس الوطني، وقوات الأمن الداخلي، حتى عام 2017، تحت قيادة ثلاثة أعضاء مختلفين من العائلة المالكة. ولم تؤثر التغييرات القيادية بعد عام 2017 والخطط السعودية لزيادة الاكتفاء الذاتي في الإنتاج الدفاعي على الاستحواذ المستقبلي على الأسلحة الأمريكية والتدريب بين هذه القوات.

يتم تمويل التدريب والدعم الأمني الأمريكي للمملكة العربية السعودية بأغلبية ساحقة من خلال المبيعات العسكريّة الأجنبيّة وعقود أخرى، ممّا يعكس القدرة السعودية على دفع تكاليف البرامج الباهظة (ويحد من فرص الكونجرس للتأثير على التعاون بشكل مباشر من خلال تشريعات التخصيصات). منذ عام 2002 حتى عام 2018، تلقّت المملكة العربية السعودية ما يقرب من 10000 دولار – 25000 دولار سنويًا في التعليم والتدريب العسكري الدولي المساعدة المصرح بها بموجب قانون المساعدة الخارجية لعام 1961. هذا المبلغ جعل الرياض مؤهلة لأخذ خصم على التدريب الذي تم شراؤه من خلال برنامج المبيعات العسكرية الأجنبية لمبادرات التدريب التي تشرف عليها بعثة التدريب العسكري الأمريكيّة، وغيرها من الكيانات الأمريكيّة. تنازلت الإدارات المتعاقبة عن القيود التي فرضها الكونغرس على تقديم هذه المساعدة وجادلت بأن المساعدة والخصم المرتبط بها دعمت استمرار المشاركة السعودية في برامج التدريب الأمريكيّة، والتي بدورها دعمت الحفاظ على العلاقات العسكريّة المهمّة وتحسين القدرات السعودية.

المبيعات العسكرية الأجنبية الأمريكية الرئيسية للمملكة العربية السعودية ( 2009-2020)

January 2009 to December 2020; Possible values in billions of dollars

Formal Notification Recipient 
DateSystemForcePos.Value
August 2009CNS-ATMRSAF$1.500
August 2009TASSRSAF$0.530
December 2009SANG ModernizationSANG$0.177
September 201 0Blanket Order Training ProgramRSAF$0.350
October 201 0F-1 5 Sales, Upgrades, Weaponry and TrainingRSAF$29.400
October 201 0APACHE, BLACKHAWK, AH-6i, and MD-530FSANG$25.600
 Helicopters 
October 201 0APACHE Longbow HelicoptersRSLF$3.300
October 201 0APACHE Longbow HelicoptersRG$2.200
November 2010JAVEUN Missiles and Launch Units$0,071
May 2011Night Vision and Thermal Weapons SightsRSLF$0.330
June 2011CBU- 1 05D/B Sensor Fuzed WeaponsRSAF$0.355
June 2011Light Armored Vehicles$0.263
June 2011Light Armored VehiclesSANG$0.350
September 201 1Howitzers, Fire Finder Radar, Ammunition, HMMWVs$0.886
October 2011Up-Armored HMMWVsRSLF$0.033
December 201 1PATRIOT Systems Engineering Services$0.120
August 201 2RSAF Follow-on SupportRSAF$0.850
August 201 2Link-1 6 Systems and ISR Equipment and TrainingRSAF$0.257
November 2012C- 130J-30 Arcraft and KC- 1 30J Ar Refueling AircraftRSAF$6.700
November 2012RSLF Parts, Equipment, and SupportRSLF$0.300
November 2012PATRIOT (PAC-2) Missiles RecertificationRSADF$0.130
June 2013SANG Modernization Program ExtensionSANG$4.000
July 2013Mark V Patrol BoatsRSNF$1.200
August 201 3RSAF Follow-on SupportRSAF$1.200
October 201 3U.S. Military Training Mission (USMTM) Program Support ServicesMOD$0.090
October 201 3SLAM-ER, JSOW, Harpoon Block II, GBU-39/B MunitionsRSAF$6.800
November 2013C4I System Upgrades and MaintenanceRSNF$1.100
December 201 3TOW 2A and 2B MissilesRSLF$0.170
December 201 3TOW 2A and 2B RF MissilesSANG$0.900
Formal Notification DateSystemRecipient ForcePos.Value
April 2014Facilities Security Forces- Training and Advisory Group (FSF-TAG) SupportMOI$0.080
August 2014AWACS ModernizationRSAF$2.000
October 2014Patriot Air Defense System with PAC-3 enhancement$1.750
May 2015MH-60R Multi-Mission Helicopters$1.900
July 2015AmmunitionRSLF$0.500
July 2015Patriot Advanced Capability-3 (PAC-3) Missiles$5.400
October 201 5UH-60M Black Hawk Utility HelicoptersRSLFAC$0.495
October 201 5Multi-Mission Surface Combatant ShipsRSNF$11.250
November 2015Air-to-Ground MunitionsRSAF$1.290
February 2016MK 1 5 Phalanx Close-In Weapons System (CIWS) Block 1 B Baseline 2 KitsRSNF$0.154
February 2016USMTM Technical Assistance Field Teams and other Support$0.200
August 201 6M 1 A2S Tanks and Related EquipmentRSLF$1.150
December 201 6CH-47F Chinook Cargo HelicoptersRSLFAC$3.510
January 2017Persistent Threat Detection System (PTDS) AerostatsRSLF$0.525
May 2017Naval Training Blanket OrderRSNF$0.250
June 2017Air Force Training Blanket OrderRSAF$0.750
June 2017AN/TPQ 53-V Radar and Support (Counter Indirect Fire)RSLF$0.662
October 2017Terminal High Altitude Area Defense (THAAD)RSADF$15.000
January 2018Missile Support Services$0.500
March 2018TOW 2B (BGM-71F-Series) Missiles$0.670
March 2018RSLF Ordnance Corps FMS Order IIRSLF$0.300
March 2018Maintenance Support ServicesRSLFAC$0.106
April 20181 55 mm M 1 09A6 Paladin Howitzer SystemRSLF$1.310
May 2019Aircraft Follow On and Support ServicesRSAF$0.800
May 2019Continued Tactical Air Surveillance Support SystemRSAF$0.136
May 2019Aircraft Follow On and Support ServicesRSAF$1.800
December 2020Security Assistance Office (SAO) Support Services U.S. Training Mission to Saudi Arabia (USMTM)MOD$0.350
December 2020GBU-39 Small Diameter Bomb I (SDB I) Munitions$0.290
September 2021Continuation of Maintenance Support ServicesRSLFAC$0.500
Total Possible Value  $147.290
Source: U.S. Defense Security Cooperation Agency (DSCA). Notes: Possible values noted in sale proposals may not match actual values of concluded contract sales. Direct Commercial Sales (DCS) not included. Table includes proposed sales to Royal Saudi Air Force (RSAF), Saudi Arabian National Guard (SANG), Royal Saudi Land Forces (RSLF) and RSLF Aviation Command (RSLFAC), Royal Guard (RG), Royal Saudi Air Defense Force (RSADF), Royal Saudi Naval Forces (RSNF), Ministry of Interior (MOI), and Ministry of Defense (MOD). Dashes indicate unspecified recipient force.

مبيعات الأسلحة الأمريكية الطارئة للمملكة العربية السعودية (2019)

As Notified to Congress, May 24, 2019

Possible

T ransmittal NumberItemValue: USD, billionsOther Countries Involved
DDTC1 7-094Coproduction, manufacture, assembly, development, integration, installation, operation, testing, maintenance, repair, and demilitarization of the Paveway and Enhanced Paveway Weapon System for the Royal Saudi Air Force F-1 5, Tornado, and Eurofighter Typhoon aircraft$1.571United Kingdom, Spain, and Italy
DDTC17-112The manufacture of the Aurora Fuzing System for the Paveway IV Precision Guided Bomb Program for end use by the UK Ministry of Defense and the Royal Saudi Air Force.$0.209United Kingdom
DDTC17-128To provide technically qualified personnel to advise and assist the Royal Saudi Air Force (RSAF) in maintenance and training for the RSAF F- 1 5 fleet of aircraft.$0.176 
DDTC18-029To support the performance of maintenance and repair services of F 110 engines for the Kingdom of Saudi Arabia Ministry of Defense$0.549 
DDTC18-050Export of 15,000 120 mm M933Al 120 mm mortar bombs to the Saudi Arabian Royal Land Forces.$0.051 
DDTC18-110KSA Ministry of Defense Transformation Project$0.071United Arab Emirates
DDTC18-109To support the manufacture, production, test, inspection, modification, enhancement, rework, and repair of F/A- 1 8E/F and derivative series aircraft panels.$0.076South Korea, India, Israel
DSCA18-21Aircraft Follow On and Support Services$0.800 
DSCA18-31Continued Tactical Air Surveillance Support System$0.136 
DSCA19-01Aircraft Follow On and Support Services$1.800 
Total Possible Value$5.439 

Source: U.S. Department of State and Department of Defense notifications to Congress, May 2019.

Notes: DDTC = U.S. Department of State Directorate of Defense Trade Controls and denotes a Direct Commercial Sale proposed pursuant to Section 36 (c) or (d) of the Arms Export Control Act, as amended (22 U.S.C. 2776). DSCA = U.S. Department of Defense, Defense Security Cooperation Agency and denotes a Foreign Military Sale proposed pursuant to Section 36 (b) of the Arms Export Control Act, as amended (22 U.S.C. 2776).

برامج تعاون عسكري (أمريكي – سعودي) مهدّدة بالتوقّف

في 11 نيسان 2022، حضر نائب وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان حفل التخرج للطلبة العسكريين في كلية الملك عبد العزيز الحربية. وكما هي الحال في الكثير من دول المنطقة الأخرى، يعد هذا النمط من الكليات العسكرية جديدًا على دول الخليج العربية. يركّز التعليم والتدريب الذي تقدمه مثل هذه المؤسّسات على التدريب الاستراتيجي وتطوير المهارات القتاليّة للمتدربين، وهو ما شكّل تحوّلًا عن التدريب التكتيكي الذي عادةً ما تقدّمه المدارس العسكريّة في الخليج. في معظم الحالات، كانت هذه الكليّات الجديدة انعكاسًا للعديد من الكليّات العسكريّة في الغرب، خاصّة تلك الموجودة في الولايات المتحدة.

لتنفيذ هذه المناهج الجديدة، تعمل العديد من دول غرب آسيا، مثل الإمارات العربية المتحدة وتونس ولبنان والأردن، مع مركز الشرق الأدنى وجنوب آسيا للدراسات الاستراتيجيّة  (NESA) وهو مركز بارز تابع لوزارة الدّفاع الأمريكيّة. تتمثّل مهمة المركز في تعزيز التعاون الأمني بين الولايات المتّحدة، ودول الشرق الأدنى وجنوب آسيا. يُعنى البرنامج بما هو أبعد من المعدّات والمهارات التكتيكيّة في الدّفاع العسكري، معطيًا الأولويّة لتنمية الموارد البشريّة. يقود مركز نيسا العديد من البرامج وورش العمل لتطوير هذه الموارد البشرية، وبالتعاون مع الحكومات الأجنبية، يضع مناهج للجامعات العسكرية والكليات الحربية التي تركز على تدريس المهارات الاستراتيجية والعملياتية.

تعمل وزارة الدفاع السعودية مع مركز نيسا منذ عام 2012 في كل من واشنطن والرياض. في عام 2017، شرعت الوزارة السعودية في اتفاقيّة جديدة مع المركز للتعاون في وضع استراتيجيّات للارتقاء بالمؤسّسات العسكريّة السعودية. كانت هذه الاتفاقيّة جزءًا من مبادرة سعودية أوسع لتعزيز الصناعات الدفاعيّة المحليّة. كما استضافت وزارة الدفاع السعودية معرض الدفاع العالمي في آذار 2022، ووقّعت عقودًا لتأمين أنواع مختلفة من الذخيرة للجيش السعودي، الأمر الذي انعكس على زيادة الإنتاج المحلي وترقّب الانتهاء للعديد من الصفقات الدفاعيّة في ميزانيّتها العسكريّة، وتم تأسيس الأكاديميّة الوطنيّة للصّناعات العسكريّة للوصول إلى الهدف المنشود المتمثل في الإنتاج المحلي لأكثر من 50٪ من نفقات المملكة العسكرية.

وفي حين تركّزت الجهود السابقة على الاستثمار المالي في الجيش السعودي، تعمل اتفاقية وزارة الدفاع مع مركز “نيسا” على الارتقاء بتدريب العسكريين السعوديين وتعليمهم. وصرح مصدر مطلع على المشروع بأن “وضع الجيش السعودي كان على ما يرام قبل البدء بالعمل مع مركز “نيسا”، لقد أرادوا فقط الارتقاء بجيشهم إلى المستوى الذهبي والحصول على اعتماد دولي”. في كانون الثاني 2020، وقّع الطرفان مذكّرة تفاهم للمساعدة في تطوير المؤسسات العسكرية السعودية مهنيًا، بما في ذلك البنية التحتية والمناهج الدراسية في الكليات الحربية والجامعات العسكرية.

يتمثّل هدف السعودية في قطاع الدفاع في إنشاء أربع مؤسسات عسكرية:

  1. كلية القيادة والأركان المشتركة
  2. كلية حربية
  3. معهد البحوث
  4. مركز تنمية القدرات القيادية.

وفقًا لدافيد لام David Lamm نائب مدير مركز “نيسا”، وافق المركز على تقديم خطّة لإنشاء هذه المؤسّسات، وتقديم توصيات بالدّورات التي سيتم تدريسها في الكليّة الحربيّة. يهدف الطرفان لإنشاء جامعة عسكريّة سعودية مستقلّة تمامًا ومعتمدة دوليًا. وبمجرّد تحقيق هذا الإنجاز، يوافق مركز “نيسا” على الاستمرار في العمل كمستشار موثوق به للجيش السعودي، وتوفير الموارد وغيرها من أشكال المساعدة، مثل المساعدة في التدريب وتوفير معلمين الدورات، كلما استدعت الضرورة.

في 8 شباط 2022، اجتمع مكتب التنفيذ الاستراتيجي – وهو فريق التصميم المكوّن من موظّفين من مركز “نيسا” ومن كليّة القيادة والأركان للقوّات المسلّحة السعودية – لتزويد وزارة الدفاع السعودية بخطّة شاملة لإنشاء “جامعة الدفاع الوطني السعودية” SANDU) ساندو). بعد بضعة أسابيع، قدم مكتب التنفيذ الاستراتيجي التصميم النهائي لـ”جامعة الدفاع الوطني السعودية”، والذي تضمن كلية القيادة والأركان المشتركة والكلية الحربية ومركز تنمية القدرات القيادية ومركز الدراسات الاستراتيجية. في آذار 2022، استضاف مركز “نيسا” كلية القيادة والأركان للقوات المسلحة السعودية في واشنطن العاصمة لكي يتمكن الأعضاء من التعاون بحرية مع خبراء التعليم العسكري الأمريكيين المحترفين بشأن الاعتماد والمرافق والبحوث والبرامج التعليمية وحوكمة الجامعات. بالإضافة إلى ذلك، يعمل الجيش الأمريكي مع الجيش السعودي في تدريبات متنوعة، مثل اختبارات “الجاهزية القتاليّة” وتدريبات القوات الجوية وتدريبات البحرية. وغالبًا ما تحضر جيوش الدول المجاورة مثل “إسرائيل” ومصر والأردن هذه الدورات التدريبية المشتركة.

“خط العمليات في حرب الأفكار” هذا هو الاسم الذي أطلقه مصدر مطلع على البرنامج على المشروع بين مركز “نيسا” ووزارة الدفاع السعودية. فعلى الرغم من توقيع الاتفاقية مع المركز في عام 2020، إلا أن الولايات المتحدة والسعودية شريكان منذ زمن بعيد. ومع ذلك، فقد حدثت بينهما بعض التوترات في السنوات الأخيرة. أدى ابتعاد الرئيس جوزيف بايدن عن العائلة المالكة السعودية، والذي يعزى جزئيًا لمقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي وتورط السعودية في حرب اليمن، إلى مزيد من التعقيد في العلاقة بين الولايات المتحدة والسعودية، الأمر الذي أسفر عن جمود العلاقات الدبلوماسية بينهما.

إن التعاون العسكري الوثيق بين الولايات المتحدة والسعودية يثير تساؤلات بشأن المزيد من المشاركة العسكرية في غرب آسيا، في وقت تتزايد فيه الضغوط السياسيّة الداخليّة لتفادي المزيد من الانخراط في المنطقة. قد يؤدي استمرار التدخل العسكري إلى ردّات فعل عنيفة من قبل الجمهور في كل من الولايات المتحدة وغرب آسيا. كما يوجد تخوّف من الظهور بمظهر الموافق على سلوك السعودية، خاصّة ما تقوم به السعودية في اليمن، إذ تم تقديم اتّهامات بانتهاكات حقوق الإنسان ضد المملكة.

رغم كل هذه التوتّرات، من الواضح أن كلا الطّرفين مهتمان بالحفاظ على العلاقة القائمة بينهما. في أيار 2022، التقى خالد بن سلمان بمستشار الأمن القومي الأمريكي جيك سوليفان  (Jake Sullivan)الذي أكّد مجدّدًا التزام بايدن بمساعدة السعودية في الدفاع عن أراضيها. ناقش الاثنان سبل تطوير وتعزيز التعاون المشترك ضمن الرؤية المشتركة لكلا البلدين، وهو تذكير بأنه على الرغم من أيّة توتّرات، لا يزال هنالك اهتمام ثنائي قوي في سياق الجهود الرئيسيّة المبذولة في عدة مجالات مثل التعاون الأمني والتدريب. كما تم أيضًا وضع خطط لعقد اجتماعات مستقبلية بين موفدين سعوديين رفيعي المستوى ونظرائهما الأمريكيين في منتصف حزيران 2022. كما تعمل الإدارة الأمريكية أيضًا على ترتيب الاجتماع الأول بين الرئيس بايدن وولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

جاءت هذه التحرّكات الدبلوماسيّة وسط المخاوف السعودية القائمة بشأن التزامات الولايات المتحدة تجاه المنطقة، وتهدف إلى معالجة سوء التفاهم بين البلدين فيما يتعلق بالمصالح الاستراتيجية والنوايا الدبلوماسية لكل منهما. ورغم أن وزارة الدفاع السعودية تعمل مع مركز “نيسا”، وهو مؤسّسة حكوميّة أمريكيّة، إلا أنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كان السعوديون ينظرون إلى هذه الاتفاقيّة على أنها علاقة بين حكومتين، كما يراها مركز “نيسا”، أم أنهم ينظرون إليها كعلاقة تجاريّة، حالها كحال العديد من المشاريع التنموية التي تم تنفيذها سابقًا في مختلف قطاعات الدولة. أدّى هذا الانقطاع في التواصل وما صاحبه من قضايا إلى تعليق المشروع في الوقت الحالي، على الرغم من التقدم الذي تم إحرازه في السابق. وفي حين تم وضع الخطط ورسم الخرائط، لم يتم اتخاذ أي إجراء آخر لتنفيذ هذا المشروع، لأن كل طرف يسعى للحصول على إيضاحات من الطرف الآخر حول رؤاهم على المدى الطويل وأدوارهم ضمن هذه الشراكة العسكرية.

يرى مؤيدو هذا المشروع أن استمراره مفيد لكلا الطرفين. من الجانب الأمريكي للشراكة، فإن تعزيز المؤسسات العسكرية السعودية سوف يساعد في تمكين الشريك الإقليمي من تأمين أراضيه والدفاع عنها، وذلك من أجل أن يتولى حلفاء الولايات المتحدة مسؤولية الدفاع الإقليمي بشكل كامل. علاوةً على ذلك، فإن تعزيز التعاون العسكري مع السعودية سوف يساعد على ثني المملكة عن السعي لإقامة علاقات وثيقة مع الصين وروسيا. بالنسبة للسعوديين، فإن العمل مع مركز “نيسا” يمنح مؤسساتهم العسكرية الفرصة للحصول على الاعتماد الدولي ورفع مكانتهم الدولية، والمساعدة في تطوير صناعاتهم الدفاعية المحلية انسجامًا مع رؤية 2030.

يمثّل وضع مشروع مركز “نيسا” – جامعة الدفاع الوطني السعودية (NESA-SANDU) صورة مصغّرة عن الوضع الحالي للعلاقات الأمريكيّة – السعودية. إن التناقض في التصوّرات لدور كل من البلدين في المشروع ورؤية كل منهما للمشروع على المدى الطويل، بالإضافة إلى التصوّرات التي أفضى إليها توقف المشروع، يشير لسوء التفاهم الناتج عن وضع العلاقات الأمريكيّة – السعودية الشائك على مستوى القيادة. ورغم التوترات الحاليّة، فإن هذه العلاقة الموسعة طويلة الأمد تبقى راسخة على الرغم من أي شكوك حولها في المرحلة الحالية. ومن المرجّح أن يكون مدى التقدم في هذا المشروع وسرعة عملية التقدم بمثابة مؤشر مفيد على مستقبل العلاقات الأمريكية-السعودية، وذلك بسبب كثرة نقاط الالتقاء في التعاون الأمني والتعاون الثنائي الأوسع الذي يتضمنه المشروع.

البيئة الاستراتيجية السعودية

المعاهدات والمجالس العسكرية التي تنتمي إليها المملكة العربية السعودية (حالياً)

نعرض فيما يلي إلى لمحة عن المعاهدات والاحلاف والمجالس العسكرية التي تنتمي إليها السعودية في الإقليم وفي غرب آسيا وتخضع مباشرة للرعاية والنفوذ الأمريكيين:   

الاسمعام التأسيسالأعضاءالهدفنطاق العملالوضع العملاني
معاهدة الدفاع
المشترك
والتعاون
الاقتصادي

1950

الدول الأعضاء
في جامعة
الدول العربية
الدفاع المشترك
لمواجهة الاعتداء
المسلح ضد أحد
الأعضاء، وتدريبات
مشتركة.
تشكيل مجلس الدفاع المشترك وقسم عسكري في مكتب الامين العام.  تنص المعاهدة على إنشاء قيادة عامة للقوات المشتركة في الميدان تكون رئاستها للدول التي تشارك في العمليات بأكبر عدد من القوات وأكبر عتاد.لم تدخل حيز التنفيذ عسكرياً إلا أنها لا تزال إطاراً مرجعياً للتعاون الامني في جامعة الدول العربية
قوات
درع
الجزيرة

1985
دول مجلس التعاون الخليجيالانتشار السريع ضد العدوان الخارجي + آلية التعاون الأمني الأساسية لدول الخليج.تتألف من وحدات برية تابعة للقوات المسلحة لكل دولة. تشتمل على لواء مشاة، وبدءًا من العام 1993، على وحدات بحرية وجوية ايضا. شكلت هذه الوحدات «قوات درع الجزيرة المشتركة “في العام 2006. ثم تم تعزيزها بقوة تدخل سريع في العام 2009. وفي العام 2013، تم دمج قوات درع الجزيرة مع القوات البرية الموحدة التابعة للقيادة العسكرية الموحدة لمجلس التعاون الخليجي.تم نشر قوات درع الجزيرة بشكل احترازي ورمزي في الكويت وعلى الحدود الجنوبية للملكة العربية السعودية مع اليمن خلال الحرب العراقية- الإيرانية في 1986، وخلال الغزو العراقي للكويت في 1990/91، واستعدادا للغزو الأميركي للعراق فى 2003. كانت أبرز عملية نفذتها هذه القوات في العام 2011 حين تدخلت في البحرين لإخماد جذوة المظاهرات الكبيرة التي اندلعت ضد النظام الحاكم.
حزام التعاون
1997


دول مجلس التعاون الخليجيوضع الية للإنذار المبكرربط مراكز عمليات القوات الجوية والدفاع الجوي في القوات المسلحة في دول مجلس التعاون الخليجي، إضافة إلى إنشاء أنظمة اتصالات عسكرية مؤمنة.دخل حيز التنفيذ في العام 2001، وهو يربط على نحو أفضل بين مراكز الدفاع الجوي في الدول الأعضاء.
اتفاقية الدفاع
المشترك
لمجلس التعاون
الخليجي
2000دول مجلس التعاون الخليجيالانتقال من التعاون العسكري إلى العمليات العسكرية المشتركة، ووضع استراتيجية دفاعية خاصة بمجلس التعاون الخليجي، توقيع ميثاق رسمي تعتبر بموجبه الدول المتعاقدة أن كل اعتداء مسلح يقع عل أي دولة منها، اعتداء عليها جميعاً.زاد عدد قوات درع الجزيرة من 5 آلاف إلى 22 ألف عنصر. وتلى ذلك تشكيل مجلس الدفاع المشترك واللجنة العسكرية العليا للإشراف علم تطبيق اتفاقية الدفاع المشترك.دخلت حيز التنفيذ لتشكل إطاراً مرجعياً لانتشار قوات درع الجزيرة في الكويت والبحرين.
إطار التعاون العربي المشترك للإنذار المبكر والاستجابة للأزمات2010 (بداية
المرحلة
الأولى)
2015
(المرحلة
الثانية)
الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية، برعاية الاتحاد الأوروبي، وبإدارة برنامج الأمم المتحدة الإنمائيتعزيز قدرات جامعة الدول العربية في مجال الإنذار المبكر، لتوفير الاستجابة الفعالة في ظل الأزمات الإقليمية، والصراعات، وفي مرحلة ما بعد النزاعات.وضع إطار للتعاون العربي المشترك في مجال الإنذار المبكر والاستجابة للأزمات: واستحداث قسم خاص بجامعة الدول العربية لإدارة الأزمات. فضلاً عن تشكيل وتدريب وحدة مدنية عربية يتم تكليفها بمهام ميدانية في مرحلة ما بعد النزاعات.تم استحداث القسم الخاص بإدارة الأزمات، إلا ان بعض الدول العربية لا تزال تعارض إعداد إطار التعاون، مجادلة بأنه يجيز الاعتداء على سيادة الدول والتدخل في شؤونها الداخلية.
القيادة العربية الموحدة لمجلس التعاون الخليجي
2013
دول مجلس التعاون الخليجيدعم وتعزيز قدرات القوات المسلحة في دول مجلس التعاون الخليجي على تنفيذ العمليات المشتركة. أضيف هدفان إضافيان في العام 2015 هما: إعادة الإعمار وتنسيق جهود مكافحة الإرهاب.شكلت قوة قوامها مئة ألف عنصر، نصفهم من المملكة العربية السعودية. وتم إنشاء القيادة الموحدة للقوات البحرية في العام 2014, وشملت إدارة وتخطيط العديد من التمارين المشتركة بين القوات العسكرية البرية، والجوية، والبحرية، ووحدات خدمات الاتصالات العسكرية (وهي شبكة مشتركة دخلت حيز التنفيذ قبل 13 عاما سنة 2000)تم تفعيل القيادة العسكرية الموحدة في العام 2018، عندما عين مجلس التعاون الخليجي قائداً عسكرياً سعودياً على رأسها.
القوة العربية المشتركة2015الدول الأعضاء في جامعة الدول العربيةمواجهة التهديدات والتحديات، بما في ذلك التهديدات الإرهابية، التي تمس أمن وسلامة واستقرار أي من الدول الأطراف، وتشكل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربيتشكيل قوة قوامها 40 ألف عنصر تشمل قوات مدرعة وقوات جوية وبحرية: وإنشاء قوة للتدخل السريع؛ والمشاركة في عمليات حفظ السلام والأمن في الدول الأعضاء والاضطلاع بأي مهام أخرى يقررها مجلس الدفاع.لا تزال القوة حبراً على ورق

المطالب الاستراتيجية السعودية

لا بدّ من تحديد المطالب الاستراتيجيّة التي تحرّك سعي السعودية إلى جمع وبناء القوة العسكرية بناءً لتلك المطالب.  فصانع القرار السّعودي الذي جرّب قدراته في حرب اليمن ما انفكّ يصرّح ويروّج أنه يعمل دون ما يطمح في استراتيجيّات منطقة غرب آسيا، ويؤكّد بأن وزن بلاده النوعي تفرضها كلاعب رئيسي إلا أن القيود التي تكبّلها التبعيّة شبه الكاملة للولايات المتّحدة واستراتيجيتها في المنطقة تفرض على السعودي الحد من طموحه الإقليمي والعمل ضمن إطار مجلس التعاون الخليجي.  مع الإشارة إلى أن العقدين الماضيين اللذين استفادت فيهما المملكة من تراجع مكانة ونفوذ قوى كبيرة في المنطقة سمحا للمحللين برصد مؤشرات يمكن من خلالها تحديد المطالب الاستراتيجية الإقليمية بشكل أدق.  

تؤكّد الجوانب التالية على توصيف استراتيجيّة المملكة العربية السعودية لتثبيت نفسها كقوّة إقليميّة:

  1. تلعب المملكة العربية السعودية دورًا مهيمنًا وبارزًا في دول مجلس التعاون الخليجي، وكانت قبل مغامرتها في العدوان على اليمن ركيزة للاستقرار والنمو في منطقة الخليج وخارجها.
  2. تسعى المملكة العربية السعودية على الدوام إلى الحد من توسع إيران في ما تعتبره منطقة نفوذ لها، لا سيما “الحزام الاستراتيجي STRATEGIC BELT” المتاخم لها كالبحرين والعراق واليمن وتتخذ هذه الذريعة عنواناً لتدخلها المباشر وبأشكال متعددة في الدول الثلاث التي تعتبر اثنتان منهما (اليمن والعراق) مورد نزاع بين القوتين الاكبر على ضفتي الخليج.
  3. من خلال الاستفادة من أهميّتها الاستراتيجيّة، تسعى المملكة العربية السعودية لاجتياز العلاقات المعقّدة بنجاح مع القوى التقليديّة مثل الولايات المتحدة وأوروبا، فضلاً عن القوى الناشئة مثل الصين وروسيا.
  4. تمتلك المملكة العربية السعودية امتيازًا فريدًا لكونها خاضناً لمكة المشرفة والمدينة المنورة، وهي الأماكن الدينية التي ينجذب إليها جميع المسلمين في العالم.
  5. المملكة تقود منظمة التعاون الإسلامي (OIC)، وهي أكبر هيئة تمثيلية لسبعة وخمسين دولة إسلامية.
  6. تسعى المملكة من خلال قدراتها الاقتصاديّة الكبيرة ومن وسائل حربها الناعمة وأدواتها الديبلوماسية أن تكون أحد أقطاب المجموعة العربية مسموعة الصوت بل والمساهمة في صناعة وصياغة القرار العربي الشامل.
  7. إن تنويع المملكة لتحالفاتها الإقليميّة التي لا توجد فيها أمريكا مباشرة تعتبر ملاذها للتخلص من النفوذ الأمريكي المباشر فهي بفعل وزنها الاقتصادي وحضورها الإقليمي قادرة في حال أدارت انتمائها للأحلاف الاقليمية أن تزرع شبكة أمان تقيها من سطوة القوى الخارجية المؤثرة والتي تطمع في تطويع السعودية.  
  8. من المرجّح أن تكون المملكة العربيّة السعوديّة واحدة من أسرع الاقتصادات نموًّا في العالم، في ضوء الإصلاحات الشاملة المؤيدة للأعمال التجاريّة والارتفاع الحاد في أسعار النفط؛ ومن المتوقّع أن يتوسّع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 7.6 في المائة، وهو أسرع نمو منذ ما يقرب من عقدين من الزمان.
  9. نظرًا لأن المنافسة الاستراتيجيّة تتجلى فعليًّا في دول مجلس التعاون الخليجي، فإن المملكة العربيّة السعوديّة تستفيد من قوّتها للوصول إلى مركز القوّة الإقليميّة مع سعيها لموازنة أعمالها بين القوى العالمية.

خلاصة واستنتاج

ما بعد الاتفاقية (الايرانية – السعودية – الصينية)

تضع الاتفاقيّة السعودية أمام تحدّ كبير على المستوى الأمني، إذ إن البيئة الاستراتيجيّة العامة في الخليج وفي المنطقة ستفرض على السعودية احترام مطالب طهران الأمنيّة في ظل عدم قدرة السعودية حاليًا على الخروج من التحالف العسكري مع واشنطن لأسباب عديدة منها عملياتيّة، ومنها تسليحيّة تمسّ العقيدة العسكريّة السّعودية. بالإضافة إلى أن نقاط الاشتباك السعودي الايراني تحتاج إلى وقت لإخمادها وتطبيع الوضع إلى ما كان عليه قبل العام 2010.  كما أن إطفاء نقاط النار أو الاشتباك بين الرياض وطهران ستفرض على السعودية أثمانًا ملحوظة يجب أن تدفعها، ذلك أن إنجاز التهدئة في اليمن لن يمنع صنعاء من أن تفرض نفسها قوة أساسيّة في المنطقة وهي دور استحقته صنعاء خلال الحرب عليها منذ العام 2015. وقد سمحت الحرب لصنعاء بفرض نفسها كقوّة استراتيجيّة وازنة تمتلك كل أدوات الردع للسعوديين في حال عاودوا الاعتداء (صواريخ بالستية – مسيرات كبيرة وفاعلة – صواريخ كاسرة للتوازن البحري في منطقة باب المندب – جيش خبير ومدرب يفوق عديده الجيش السعودي). كما أن العراق الذي يتعافى ببطء بات من جديد يمتلك قدرات مؤثرة على المستوى العسكري والاقتصادي فضلاً عن تحالفاته ويكفي أن نشير إلى قدرة الحشد الشعبي التي تخرج عن كونها قوة عراقية لتفرض نفسها كقوة يعتد بها في الإقليم. وهنا لا بد من التنويه إلى أن السعودية مضطرة للتعامل مع هذين الثابتين في أي تطبيع مقبل مع إيران مما يمنح طهران قوة تفاضلية إضافة إلى القوة الايرانية النوعية. وهذا العامل سيفرض حكمًا على السعودية إذا أرادت التطبيع الانخراط في نظام أمني إقليمي لطهران السبق واليد العليا فيه. بالنسبة لإيران فقد التزمت بالحفاظ على قدرة ونفوذ السعودية النوعي في الخليج فقط في حال انخراطها في نظام اقليمي متكامل وهو أمر قد تقبل به الرياض إلا أن الولايات المتحدة الامريكية وحليفتها الكبرى “إسرائيل” لن تقبل به مطلقًا بل ستحاربه وقد تضع العراقيل بوجهه.

النظام الدفاعي الجوي والبحري الذي بدأت الولايات المتحدة بناءه في الخليج والبحر الأحمر من خلال القيادة الوسطى (السنتكوم) يقلّل كثيرًا من خيارات السعودية المنخرطة فيه بقوة، ويمنعها إلى حد كبير من المناورة دون المغامرة بالاصطدام بالشريكين المتربّصين (الولايات المتحدة واسرائيل)، وهذا يعني أن خطوة بناء نظام أمني إقليمي محلّي تتقاسمه طهران والرياض مع دول المنطقة يحتاج إلى حل معضلة النفوذ الأمريكي في “الضفة العربية” للخليج وتفكيك الحلف الأمني الذي تبنيه واشنطن والذي يستهدف إيران واليمن والعراق. فهل يمكن أن يغامر النظام السعودي بالخروج من هذا الحلف الأمريكي إذ ما رأى أن النظام المزمع بناءه مع طهران سيؤمن للسعودية ما تريد؟

هناك كابحين مهمين في هذا المجال:

  • الأول هو ارتباط الرياض عسكريًا بشكل عضوي مع الولايات المتحدة وتحكم الولايات المتحدة بمفاتيح القوّة الأساسيّة في المؤسّسة العسكريّة السّعودية وعلى رأسها منظومات القيادة والسّيطرة، ومنظومات الحرب الإلكترونيّة ومنظومات الملاحة الجويّة، فضلًا عن نظم الصّيانة والتدريب والتسليح. وهذا ما يفرض على السعودية امتلاك البديل في حال قرّرت اتخاذ قرار التخلّي عن الرعاية الأمريكيّة المطلقة وهناك مرحلة انتقاليّة قسريّة لحوالي (48 إلى 72) شهرًا ستضطر السعودية للالتزام بها لتحقيق استقلاليتها النسبيّة أو الكاملة عن التبعيّة لواشنطن.
  • الثاني هو رفض واشنطن أي تبديلات على المستوى العسكري والاستراتيجي في الخليج، بالنظر إلى أن كل جهدها منصب الآن على الوقوف بوجه إيران وما قد يعني ذلك من إبقاء النظام الامني في الخليج على ما هو عليه حتى اشعار آخر.  وهنا يمكن الجزم بأن الجانب الامني من الاتفاقية لا يمكن تحقيقه مطلقاً إلا عبر سلوك معبر الولايات المتحدة.

بناءً على ما تقّدم، فإن الاتفاقيّة بين إيران والسّعودية على المستوى الأمني تفرض على الرياض في كلا الأمرين (نظام أمني إقليمي أو نظام أمريكي أمني إقليمي) التراجع عن طموحاتها الإقليميّة، إلا أن النظام الأمني الإقليمي يخدم السّعودية بشكل أفضل، ذلك أن شركاءها مستعدّون لإعطاء السعودية الدور الوازن الذي تستحقه، فيما ينذر البقاء في النظام الأمني الذي تنتمي إليه السعودية الآن بمساواتها أمريكيًا مع قطر والبحرين. 

يمكن للسّعودية أن تمسك بالعصا من الوسط، أو تمارس سياسة حصر النزاعات، فتحافظ على علاقات عسكرية عميقة مع الولايات المتحدة، في الوقت نفسه الذي تتحرّك فيه نحو الاستقرار في علاقاتها الإقليميّة، أي أنها تستطيع توظيف الاستقرار في اتجاهين يخدمان السياسة الأمريكية في المدى المنظور، ومنع التفجير في المنطقة بموازاة الحرب الأوكرانية، وتطوير نفوذها الناعم تحت مظلّة الاستقرار والانفتاح الإقليمي. لكنها لن تكون في المدى المتوسط، وإلى حين استعادتها لعافيتها الاقتصاديّة التي تهشّمت بفعل الحرب اليمنيّة والسوريّة والعراقيّة، أن تلعب دورًا صداميًّا في مواجهة الجمهوريّة الإسلاميّة ولا حلفائها. ستكون قادرة على ممارسة الضغوط في سياق التفاوض المنضبط وبأسقف محددة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى